للحديث نظير - للبروفيسور أشرف إبريق: رواية رائدة غير مسبوقة في المنجز الأدبيّ الفلسطينيّ

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

حول اسم الرواية

 

لعلّ من أبرز الأمور التي تسترعي انتباه قارئ هذه الرواية هو اسمها الذي اختاره الكاتب بكلّ دراية وحنكة؛ لما يبطّن من مضامين عديدة سيقت في الرواية، إضافة لما يُنْبئ بالهدف الأساس من كتابتها، ناهيك بالأهداف الأخرى التي قد يستنبطها القارئ في أثناء قراءته. الحديث هو عمليّة تواصل كلاميّ بين طرفين على الأقلّ أو أكثر، وتعتبر هذه الأطراف المشاركة في الحديث نظائر لبعضها البعض، بمعنى مُناظِرَة أي مشابهة، ولا يمكن للحديث أن يتحقّق إلّا بوجود نظراء يتجاذبون أطراف الحديث، وعليه اختار الكاتب لروايته اسم "للحديث نظير"، أي شريك، شبيه، حتّى تتمّ عمليّة الحديث بين الطرفين، وقد تمثّلت في الحديث الطويل بين الأب المريض وابنه، وعبر هذا الحديث تمّ سرد أحداث الرواية كلّها، ولمّا كان والد الراوي مريضًا فقد نصح الطبيب الابن أن يشغل والده بالحديث معه؛ لأنّه جزء من العلاج، يقول الطبيب: "عليك أن تحاول إشغاله في الحديث معك قدر المستطاع، فهذا يقوّي الجهاز العصبيّ. التواصل الكلاميّ يحثّنا على إفراز هرمونات خاصّة تقوّي الشبكة العصبيّة وتعزّز الحالة العامّة للجسم، وبالتّالي يكون لذلك أثر هائل على صحّتنا"(الرواية:14).

تتآزر نصيحة الطبيب بأهمّيّة التحدّث مع المريض في تحسين وضعه الصحّيّ، مع مقولة أبي حيّان التوحيديّ في كتابه "الإمتاع والمؤانسة"، ممّا جعل الكاتب يصدّر روايته بتلك المقولة: "إنّ في المحادثة تلقيحًا للعقول، وترويحًا للقلب، وتسريحًا للهمّ، وتنقيحًا للأدب"، ثمّ يبيّن الوالد العالِم أهمّيّة الحديث في العلاج النفسيّ، مضيفًا ما اكتشفه العلماء بأنّ بعض النباتات عندما تتعرّض لعوامل خارجيّة ضاغطة كالجفاف، فإنّها تصدر أصواتًا ذات تردّدات تتلاءم وحاسّة السمع لدى الحشرات والنباتات الأخرى، فكأنّها تطلب المساعدة أو تحذّر الحشرات من الاقتراب منها(15). بذلك تنسحب فائدة الحديث على جميع الكائنات، وفي هذا ما يشي بتآلف اسم الرواية مع مضمونها.

توحي كلمة "نظير"، من وجهة نظر علميّة، بالمصطلح العلميّ للعناصر الكيميائيّة، فلا يغفل الكاتب عن الإشارة لذلك على لسان والده الذي جعله أستاذًا جامعيًّا في موضوع الكيمياء الحيويّة، وقد درس خصائص البروتينات في سياق أمراض مختلفة كالسرطان والباركنسون، ونحو ذلك(16). يوضّح الوالد العالِم مصطلح "نظير" العلميّ قائلًا: "النظير هو ذرّة لنفس العنصر الكيميائيّ مع اختلاف في عدد شحناته المتعادلة الموجودة في نواته(نيترونات)،عن باقي الذرّات، والتي تتفاعل بطريقة كيميائيّة متساوية كباقي ذرّات العنصر، لكن قد تختلف في ماهيّة الأربطة التي تنتجها، أو في مدى ثباتها وسرعة اضمحلالها في حالتها المنفردة"(51). بذلك يجمع الكاتب بين مقوّمات روايته في اسمها، لتدلّ كلمة "نظير" مرّة على المثيل والشبيه والمناظر في الحديث، الأمر الذي يميط اللثام عن الأسلوب المتّبَع في الرواية، وتحدّد مرّة أخرى مفهوم الكلمة حين ترتبط بالعناصر الكيميائيّة، إضافة لتوضيح أهمّيّة الحديث في الحياة عامّة، وفي علاج كثير من الحالات المرضيّة التي تصيب الإنسان.

 

رواية أم سرديّة؟

أثارت رواية "للحديث نظير" وما زالت تثير جدلًا من حيث جنسها الأدبيّ، فكثير من الدارسين لا يعتبرونها رواية، إنّما هي سرد لمنجزات علميّة في مجال الكيمياء، الفيزياء، الطبّ، والفسيولوجيا، إضافة لتقصّي أسماء كثير من العلماء الذين حازوا على جائزة نوبل عالميًّا وعربيًّا، والإشارة لبعض العلماء الذين كانت لهم إسهامات علميّة بارزة، لكنّهم لم يفوزوا بالجائزة رغم استحقاقهم لها، ونحو ذلك. وهناك مَنْ يرى من الدارسين ضرورة احترام رغبة الكاتب، فيتناولون الرواية على اعتبار ما أثبته الكاتب في أعلى الغلاف، ثمّ يعملون على تقصّي عناصر الرواية في هذا العمل، وليقرّروا فيما بعد، إذا ما كان  العمل الأدبيّ ينتمي إلى جنس الرواية أم لا؟!

يجد القارئ في هذا النتاج الأدبيّ عدّة مقوّمات روائيّة، كالحبكة التي تدور في فلك مرض الأب، ورعاية ابنه له، وسهره على صحّته في أثناء مرضه، وحديثه المتواصل معه حتّى وافته المنيّة، إضافة لأحداث فرعيّة أخرى، كما يلتقي بالابن الراوي الذي يتناوب عمليّة السرد مع والده، ذلك السرد الذي يكشف عن عدد من الشخصيّات الفاعلة كالممرّضة، ابنة البلد، المريض اليهوديّ الأشكنازيّ الذي يشاطر الأب غرفته، الطبيب المعالج، مدير المدرسة المريض في غرفة والده، وغيرهم، ناهيك بالحوارات العديدة المثبتة في الرواية، زمكانيّة الأحداث، إضافة لفكرة الرواية التي تؤكّد أهمّيّة التواصل الكلاميّ بين الناس عامّة، ودوره في تحسين صحّة المريض خاصّة، ودعوة الكاتب لأنْ يكون الإنسان مثقّفًا حقيقيًّا، فالثقافة السياسيّة والاقتصاديّة والفلسفيّة والتاريخيّة، وغيرها من المواضيع الإنسانيّة تبقى ناقصة، ما لم تكملها المعرفة العلميّة(16)، وهذا ما جعل مدير المدرسة الذي يرقد في غرفة الوالد العالِم يتمنّى توثيق الحديث العلميّ الذي سمعه من الأب وابنه؛ لينقله للطاقم التربويّ والتدريسيّ ولطلّاب مدرسته؛ لأنّه ينقصهم كثير من الثقافة العلميّة في أبسط المواضيع(157-158)، وبذلك تتجسّد الفكرة من هذا النتاج الأدبيّ الذي يؤثّث للجمع بين مقوِّمات الثقافة الحقيقيّة وأهمّيّة المعرفة العلميّة في تكامل الثقافة.

وبعد؛ لا يمكننا اعتبار هذا النتاج روايةّ لعدّة أسباب؛ أبرزها غياب شبكة علاقات بين الشخصيّات الموظّفة فيه، ممّا يفقده عنصر الصّراع والتوتّر المتصاعد في الأحداث وصولًا إلى قمّته، زد على ذلك استحواذ المادّة العلميّة على مساحة الرواية كلّها، ممّا يجعلنا نصنّف هذا العمل في دائرة الكتب العلميّة الصرفة، رغم ما يحظى به من مقوّمات السرد الروائيّ التي لا تؤهّله لاعتباره رواية، إلّا أنّ الأمانة الأدبيّة تقتضي التعامل مع هذا العمل كرواية تقديرًا لمشيئة الكاتب.

 

كلام في المضمون

تكشف الرواية عن نحو ثلاثين عالمًا، معظمهم من العالَم الغربيّ، حازوا على جائزة نوبل في العلوم؛ الكيمياء، الطبّ، الفيسيولوجيا، البيولوجيا، والفيزياء، مفصّلًا ما قام به هؤلاء من أبحاث ودراسات عادت بفوائد جمّة على البشريّة، دون أن ينسى دور العرب في ذلك، فيذكر العالم المصريّ أحمد زويل، العربيّ الأوّل والوحيد الذي حصل على جائزة نوبل في الكيمياء خاصّة والعلوم عامّة عام 2016(184)، والأمريكيّ اللبنانيّ إلياس جيمس خوري الذي حصل على نوبل في الكيمياء عام 1990(177)، والتونسيّ منجي الباونديّ الذي كان أحد الثلاثة الفائزين بجائزة نوبل للكيمياء عام 2023(194)، إضافة لما قدّمه العرب للإنسانيّة خلال العصور الوسطى حين كان الغرب يغطّ في سبات عميق، فكانت لهم إسهامات في الطبّ، الرياضيّات، العلوم، الفلك، الفلسفة، والأدب، ومنهم ابن الهيثم في بصريّاته، أبو العزّ ابن الرزّاز الجزريّ الذي اخترع الساعة المائيّة، ابن سينا وكتاباته عن النفس، وأبحاثه في الطبّ والأمراض حتّى لقّب بأبي الطبّ، أبو القاسم الزهراويّ الأندلسيّ الملقّب بأبي الجراحة الذي ابتكر آلات جراحيّة كثيرة ما زالت تستعمل إلى اليوم، جابر بن حيّان – أبو الكيمياء، الذي حضّر حمض الكبريتيك، القلويات، وعمليّة التقطير، كما يذكر  الرازي، الخوارزميّ، ابن الشاطر، وعبّاس بن فرناس وغيرهم(196- 201)، مشيرًا إلى أنّه لو كانت آنذاك جائزة نوبل لفاز بها كثير من العرب(196)، ومن العصر الحديث يذكر الكاتب المصريّ نجيب محفوظ الحائز على نوبل في الآداب عام 1988، والمهندسة المعماريّة العراقيّة زها حديد ودورها في العمارة الحضاريّة وتصميماتها الرائدة وأبرزها محطّة قطار ستراسبورغ، دار الأوبرا في مدينة غوانزو الصينيّة، متحف الفنون الحديثة في روما، ومركز حيدر علييف في باكو بأذربيجان، وقد منحت عدّة جوائز عالميّة أهمّها "جائزة بريتزكر" عام 2004 المشار إليها بجائزة نوبل للهندسة المعماريّة(132-133).

يتّخذ الكاتب من روايته بوقًا لنشر ما يؤمن به من أفكار مرّة، أو نقد موقف الحكومات العربيّة والإسلاميّة من أبنائها مرّة أخرى، كما يوجّه بعض النقد لما يرى في مجتمعه من ظواهر اجتماعيّة لا تروق له، فيشير في موضع ما من الرواية للنظرة الإنسانيّة التي يؤمن بها، معتبرًا أنّ أفراد كلّ المجتمعات والحضارات متساوون، لا أفضليّة لعرق على آخر، وفي موضع آخر يعزو تراجع العرب العلميّ؛ إلى غياب بيئة ناضجة وحاضنة للأفراد، ونكوص الحكومات العربيّة والإسلاميّة عن استثمار مواردها في الإنسان والأبحاث التي تحتاج إلى استراتيجيّات واضحة ومثابرة، حاجتها إلى الحرّيّات؛ لخلق بيئة خصبة للاستفادة القصوى من قدرات مواطنيها، إضافة للحروب التي دارت رحاها في المنطقة العربيّة، وتبعات الاستعمار الذي ربض على صدور الدول العربيّة ردحًا طويلًا من الزمن(194-195).

يتكرّر مثل هذا النقد لأبناء المجتمع العربيّ في مواطن أخرى من الرواية، ومن ذلك ما سمعه من الشابّ اليهودي القادم لزيارة المريض الأشكنازيّ عن خططه للسفر إلى تايلاند، وقضاء نصف عام للعمل والترفيه عن نفسه بعد انتهائه من الخدمة العسكريّة، كما يفعل سائر الشباب اليهود، ليشعروا بالحرّيّة المطلقة بعيدًا عن القيود التي فرضت عليهم خلال الخدمة العسكريّة، بينما يباشر أبناء المجتمع العربيّ حياتهم الجامعيّة دون أن تكون لهم أيّ تجارب حياتيّة تصقلهم، وتزيد من خبراتهم، زد على ذلك ما يعيشه الإنسان العربيّ في هذه البلاد من تناقضات، في جميع مناحي الحياة على اختلافها(40). ومثل ذلك ما نسمعه على لسان الوالد في حديثه عن ضغط المجتمع العربيّ والأهل على الأبناء، ممّا يدفع كثيرًا منهم لدراسة الطبّ، دون وجود رغبة حقيقيّة لديهم في دراسة الموضوع، إنّما يخضعون لأهلهم ومجتمعهم رغبةً بالمكانة الاجتماعيّة(66).

تؤكّد مضامين الرواية أيضًا، سعة اطّلاع الكاتب على منجزات الأدب عربيًّا وعالميًّا، فهو حين يقرّر خوض حديث عميق مع والده حول الاكتشافات التي كانت تستهويه، آملًا تعزيز خلاياه العصبيّة، يستدعي حكاية شهرزاد التي شغلت زوجها شهريار في قصصها، فنجت من إعدامها المرتقب، ويستطرد في شرح ما قامت به شهرزاد بفضل فطنتها وثقافتها وقدرتها السرديّة الرائعة(17)، فواظبت على سرد حكاياتها مدّة ألف ليلة وليلة حتّى ضمنت في النهاية نجاتها من موتها المتوقّع. يتمّ توظيف مثل هذه المضامين الأدبيّة، على الغالب، من خلال ما يجول في خاطر الراوي من تداعيات يستحضرها الموضوع المطروح، فتأتي انسيابيّة سلسة، تخفّف من وطأة المضمون العلميّ الذي يتناوله، وتحثّ القارئ على متابعة أحداث الرواية، ومن نماذج ذلك استدعاء بعض الآيات من القرآن الكريم والكتاب المقدّس، في أثناء حديثه عن الماء ومركّباته، فيقول: "ومن لم يشغله يا أبي هذا المركّب الرهيب وقد ذكر في الكتب السماويّة؟ ففي القرآن الكريم ورد عشرات المرّات، كقوله تعالى في الآية الكريمة: {وَجَعَلْنَا مِنَ الماءِ كلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا يُؤْمِنون}. وكذلك في الكتاب المقدّس: "وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَروحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ"(21)، ويستطرد في حديثه عن الماء منتقلًا إلى الشعر العربيّ القديم والحديث، ذاكرًا البحتريّ وابن زيدون اللذين أبدعا في توظيف الماء في قصائدهما، ثمّ يستشهد ببيت شعر للبحتريّ متغزِّلًا بكلام محبوبته، فيقول:

                 "وحديثُها كالغَيْثِ جادَ بِوَبْلِهِ...    في حادثِ المَحْلِ الشَّديدِ غَمامُ"(21-22).

وعند حديث الراوي عن الكيميائيّ اليهوديّ "فريتز هابر" وما قدّمه من ولاء للدولة الألمانيّة التي تنكّرت له مع ظهور النظام النّازيّ، يستدعي ما جرى لأبي الطيّب المتنبيّ في قصر سيف الدولة، وكيف تنكّر سيف الدولة له بعد كلّ ما حظي عنده من رفعة وجاهٍ، إذ اعتدى عليه ابن خالويه بحضور سيف الدولة، دون أن ينصفه الأخير، فنظم قصيدته الشهيرة معاتبًا إيّاه، وممّا قاله فيها:

       "يا أعدلَ النّاسِ إلّا في معاملتي       فيكَ الخصامُ وأنتَ الخصمُ والحَكَمُ"(45-46).

تُظهر هذه التداعيات شغف الكاتب بمنجزات الأدب، ومدى إعجابه ببعض منتجيه مثل الشاعر الفلسطينيّ "محمود درويش" الذي يطلق عليه والده " كيميائيّ الكلمات" "لمهارته الاستثنائيّة في دمج الكلمات لتتفاعل بقوّة داخل مَفاعِل الشعر، تمامًا كما تتفاعل الذرّات بين يدي الكيميائيّ، فقد كان درويش يربط الكلمات ببعضها ليحوِّلها إلى جمل وقصائد يلامس مذاقها مُستقبِلات الروح؛ لتغدو تركيبتها الشعريّة نادرة كبعض العناصر"(67-68). يتردّد ذكر درويش في مواضع كثيرة من الرواية، فحين يحدّثنا الراوي عن حبّه للهدوء الصباحي ونفوره من الضوضاء، يستدعي ما قاله درويش عن القهوة، إنّها "مفتاح الصباح"(60)، ثمّ يصرّح الراوي أنّه سمع معظم شعر درويش من والده، أشدّ المعجبين به(67)، ويشير لقصيدة "عينان تائهتان في الألوان" التي رسم فيها درويش بكلماته لوحة شعريّة دافقة المشاعر، ونجح في توثيق انعكاس الأحاسيس المنبثقة عن ألوان الطيف المرئيّ وتجسيدها، والمزج بينها ببراعة يثير الأحاسيس بروعة جمالها(68)، ويعود لذكر نفس القصيدة في موضع آخر، ممّا يدلّ على عشقه لدرويش وتأثّره بالقصيدة، ومثل ذلك كثير(124).

ينوّه الوالد العالِم لعدم تقبّل بعض العلماء تغيّر بعض المفاهيم التي تُسحق تحت عجلات المعرفة الجديدة، ولا تسمح لهم نرجسيّتهم بملاءمة أنفسهم مع المعرفة الجديدة، أو الاعتراف بأخطائهم، وعليه فالتواضع في عالم الاكتشافات والمعرفة صفة مهمّة جدًّا(113-114)، ممّا يجعل الوالد العالِم يستدعي بيتين من الشعر للإمام الشافعيّ يدعو فيهما للتواضع والإقرار بنقص معرفته كلّما ازداد علمًا ومعرفة، وفيهما يقول:

"كلّما أدّبني الدهْـــ      ـــرُ  أراني نقصَ عقلي

        وإذا ما ازددْتُ علمًا      زادني علمًا بجهلي"(114).

مقابل هذه الأثرة يذكر الراوي صفة الإيثار التي تحلّى بها الموسيقيّان الأخوان رحباني وسعيهما الدؤوب لجعل اسميهما يندرجان تحت اسم واحد، الأخوين رحباني، دون الفصل بينهما إطلاقًا؛ لأنّ هدفهما كان أسمى بكثير من ذكر مساهمة كلّ منهما منفردًا، وفي هذا السياق يذكر تقريرًا نشرته إحدى الصحف اللبنانيّة روّجت فيه لإحدى الأغاني معتبرة أنّها من تأليف منصور دون أن يُذكَر اسم عاصي، ممّا أغضب منصورًا، وطالب بتغيير ما جاء في التقرير وإلّا سيرفع دعوى قضائيّة ضدّ الصحيفة، فتمّ التصحيح الذي أشار إلى أنّ العمل كان نتاج تعاون بين الأخوين(54-55). وفي هذا السياق يذكر الراوي لقاء الصدفة بين السيّد النقشبنديّ، المنشد الدينيّ المعروف والملحّن المبدع بليغ حمدي، في حفل خطوبة ابنة الرئيس السادات الذي حثّهما على التعاون والعمل معًا، فقدّما أجمل الابتهالات الدينيّة مثل "ليلة القدر"، و"ربّاه مَنْ أناجي"، وغيرهما.(164). كما يذكر الراوي الصدفة وراء أغنية "أيظنّ" لنجاة الصغيرة التي جمعتها مع نزار قبّاني، والموسيقار محمّد عبد الوهاب بعد أن رفض كلٌّ من محمّد الموجي وكمال الطويل تلحينها، كونها قصيدة جديدة النمط في حينه شكلًا ومضمونًا ما جعل تلحينها أمرًا صعبًا، وقد لاقت الأغنية نجاحًا كبيرًا وكانت بداية لمدرسة جديدة في الغناء العربيّ(164-165). تتوالى تداعيات الراوي وتتشعّب إلى مجالات عديدة، كالتداعيات التي يذكّر بها شهر آذار، ويبدو أنّه شهر عزيز على قلبه، إضافة لكونه شهر الربيع والمرأة، ممّا يذكّره بالعالمة البولنديّة "ماري كوري" التي حصدت جائزتي نوبل، إحداهما في الكيمياء، والأخرى في الفيزياء(23-24)، كما يذكّره آذار بالشاعر الفلسطينيّ محمود درويش الذي ولد في هذا الشهر عام 1941(67)، إضافة لما أشار له الكاتب، حين استضافه نادي شفاعمرو الثقافيّ، بأنّه وضع كتابه هذا خلال شهر واحد، هو شهر آذار.

يستغلّ الراوي فترة نوم والده المريض ليطلع القارئ على بعض الآثار الأدبيّة الحديثة أيضَا، فيذكر كتابًا يحمل اسم "في صحبة الكتب" للكاتب والصحفيّ العراقيّ علي حسين، وفيه يعرّف القارئ بعدد من الكتب والروايات، ويبيّن دوافعهم للكتابة، ويستعرض ما جاء في بعضها، ومن ذلك ما يسرده عن "فرانز كافكا" ورواياته، كرواية "المحاكمة" التي توضّح أثر الآباء على الأبناء، وعلاقة "كافكا" التعيسة بوالده، فكانت الدافع الأساس لكتابة كثير من مؤلّفاته. يقول "كافكا" في رسالة لوالده: "أنت خلف كلّ كتاباتي، لقد قلت فيها ما لم أستطع قوله وأنا على صدرك"(58). كما يذكر الكاتب الصحفيّ  "آرنست همنغواي" وروايته "الشيخ والبحر" وفيها يعالج موضوعات عديدة كالشجاعة والهزائم، مستعرضًا كيف يمكن للإنسان أن يواجه الصعاب بقلب شجاع وعزيمة لا تلين، وقد منح جائزة نوبل في الآداب عام 1954 لتأثيره العميق في الأدب ومعالجة قضايا معقّدة في الحياة الإنسانيّة(58)، ثمّ يتناول كتاب "حمار الحكيم" لتوفيق الحكيم ويبيّن كيف يجسّد الكاتب من خلال الحمار شخصيّة حكيمة ذات رؤيا حاذقة؛ ليروي حكاية تكشف عن واقع المجتمع والظروف القاسية لأهل الريف التي تؤثّر على جوانب كثيرة من حياتهم، إنّها رواية تشبه روايات الواقعيّة السحريّة التي اشتهر بها الكاتب الكولومبيّ جابرئيل جارسيا ماركيز(59).

يشير الراوي لوباء الكورونا الذي عطّل دراسته الجامعيّة، ممّا جعله يستدعي رواية "العمى" الشهيرة للكاتب البرتغاليّ "جوزيه سارماجو" التي "تدور أحداثها حول إصابة مدينة كاملة بوباء يؤدّي إلى فقدان بصر أفرادها، ومن ثمّ إدخال المصابين إلى حجر صحّيّ"(105)، وهذا ما أدّى إليه وباء الكورونا فأدخل العالَم بأسره لحجر مماثل، ليصدق الكاتب في تنبُّؤاته. وفي حديثه عن العالِم الأمريكيّ ورجل السلام "لينوس باولِنغ" الحائز على جائزة نوبل للكيمياء، ونوبل للسلام، يستدعي الراوي مصطلح المثقف العضويّ الذي ينطبق على "باولِنغ"، وكان قد أطلقه "أنطونيو غرامشي" المفكّر الماركسيّ البارز الذي كان نشاطه الثقافيّ والسياسيّ بارزًا عند صعود الفاشيّة في إيطاليا"(117). هكذا ينهل الراوي من منجزات الحضارة العالميّة ليوظّفها في روايته حتى لا يكاد يترك مجالًا إلّا ويطرقه، كحديثه عن "حصان طروادة"(104)، مقدّمة ابن خلدون وتقسيمه للمهن التي يعتاش منها الإنسان؛ الزراعة، التجارة، والصناعة(145)، طه حسين وزوجته سوزان وإخلاصها له(154-155)، المطربة سلوى قطريب وأغنيتها "على نبع الميّ"(26)، إدوارد سعيد وجبران خليل جبران(183-184)، الكاتبة الإيطاليّة "سوزان تامارو" وروايتها الشائقة "اتبع قلبك"(172)، وغير ذلك.

يلتفت الراوي لحياته الشخصيّة والعائليّة في عدّة مواضع، فيطلق مصطلح "المرأة المشعّة" على والدته لدورها الفاعل مع زوجها، أبنائها، وبيتها(25)، ثمّ يترك والده ليشرح له كيف تعرّف إلى والدته، فيقول: "كنتُ قد رأيتها عند نبع ماء القرية المجاورة، حيث كان الناس يذهبون لجلب الماء لعائلاتهم. كانت والدتك فائقة الجمال، ذات وجه مشعّ، وقعتُ في حبِّها... ومنذ ذلك اليوم، لاحظت جدّتك رغبتي القويّة في الذهاب للنبع لتعبئة الماء، حتّى سمحت لي في إحدى المرّات مرافقتها؛ لتراها ولتكون يد العون لي في السؤال عنها والتقدّم لطلب الزواج منها"(25-26). ويضيف الراوي أنّ والده كان أنيق المظهر، بهيّ الطلّة، يختار ثيابه بعناية تامّة، وكان يعتني بالنباتات، يخطو بينها، يشذّبها(47)، وكان من محبّي الطبخ الذي اعتبره جزءًا أساسيًّا من حياة العائلة، أحبّ المطبخ الشرقيّ، ولم يكن شغفه بالطعام تلبية لحاجات جسديّة من لذة ومتعة وتغذية، بل هو مركّب حضاريّ وتراثيّ هامّ يجمع بينها(37). يسترجع الراوي بعض أحداث طفولته مشيرًا لذهاب أبيه مع نهاية كلّ أسبوع، إلى القرية المجاورة، فيشتري الخبز، الحمص والفول لوجبة الإفطار، ولمسات أمّه التي تضيفها كالبيض المقليّ بزيت الزيتون، إضافة لقطع الخضار وحبّات الزيتون الأخضر والأسود(123).

وظّف الكاتب كلّ هذه المضامين المذكورة أعلاه؛ تحقيقًا لسرديّة روايته، ودفعًا لوطأة المادّة العلميّة التي تثقل كاهل القارئ، ليعود القارئ بعدها لمتابعة القراءة، واكتساب كمّ هائل من المعلومات التي تحقّق هدف الكاتب في تقديم هذه الموادّ العلميّة بأسلوب ممتع وشائق بعيدًا عن الملل، وفي ذلك إطراء للكاتب وإثراء لثقافة القارئ.

 

كلمات في الأسلوب

يضفي الراوي مسحة من الرومانسيّة على روايته، لتخفّف من جفاف المادّة العلميّة وتُرطّب نفس القارئ من خلال حديثه عن الممرضة، ابنة بلده التي يتوهّج وجهها بابتسامة تفوح بالطيبة والرقّة، وهي تسرع لمساعدة الراوي في إخراج والده إلى المتنزّه(81-82)، وقد أعجب الراوي بتلك الممرضة، وغمره شعور غريب وجميل عندما رآها تقدّم مساعدة لمريض جديد في غرفة والده، ولتتحوّل فيما بعد لمساعدته في نقل والده إلى سريره، ثمّ يشاركها الجلوس في المقهى، خلال فترة استراحتها، فتشير لإعجابها بالعلاقة بين الراوي ووالده وما تعكس من انسجام بينهما، ويتشعّب الحديث بينهما لتخبره عن فقدانها والدتها بمرض السرطان الذي كان سببا وراء اختيارها العمل في تلك المهنة، فيخبرها بدوره عن دراسته الأدبيّة لمحاولة فهم نفوس البشر وطرق تفكيرهم من خلال نتاجهم الأدبيّ نثرًا وشعرًا، مردّدًا إعجابه بعينيها اللتين كانتا تبثّان نوعًا من الهدوء والصدق والرقّة، ورغبته في قضاء وقت أطول معها، لكنّ الواجب يحتّم عليه العودة إلى والده، رغم رغبته في التواصل معها، وقبل أن يتركها يوصيها بقراءة رواية "اتبع قلبك" للكاتبة الإيطاليّة "سوزان تامارو" التي تدور حول أحاسيس البنت لفراق أمّها، ويعدها بتقديمها لها في أقرب فرصة(170-172). بذلك تنقطع العلاقة بينهما دون أن تبشّر بأيّ تطوّر مستقبليّ.

تنعقد خيوط رواية "للحديث نظير" من خلال ما دار من أحاديث بين الأب وابنه، تلك الأحاديث التي كان الابن يستدعيها عبر أسئلته العديدة لوالده؛ رغبةً في المعرفة، ممّا يذكّر بأسلوب كتاب "كليلة ودمنة"، وفيه يذكر بيدبا الفيلسوف موضوعًا ما، في حضرة الملك الذي لا يعرف عنه شيئًا، فيبادر الملك بسؤاله: "وكيف كان ذلك؟"، بعدها يسترسل الفيلسوف في شرح ذلك الموضوع، وقد تمكّن من يقظة الملك وانتباهه، وعلى غرار ذلك ينهج الراوي في رواية "للحديث نظير". يقوم الابن بدور الراوي الرئيس، ويشاركه والده بسرد كلّ مضامين المادّة العلميّة الواردة في الرواية؛ تحقيقًا لرغبة الابن في معرفة المزيد، ممّا يضمن انتباهه ومتابعته لما يشرحه الوالد العالِم، إضافة لزجّ كثير من التداعيات، الاستطرادات، الاسترجاعات حسبما تقدّم، ثمّ يقوم الابن الراوي بمفاجأة القارئ مع نهاية الرواية ليصرّح بأنّه هو العالِم، أمّا أبوه فكان عامل بناء ماهر وفنّان، أتقن عمله وفاز بثقة الناس وحبّهم له تقديرًا لعمله وحسن خلقه(208).

يلجأ الراوي لخلق نوع من الانسجام بين حالة الوالد المرضيّة الآخذة في التدهور وبين أوصاف الطبيعة والبيئة التي تحيط بهما، فيمهّد بذلك لموت الوالد المرتقب، يقول الراوي: "ساعة الغروب بدأت تقترب، والشمس تستعدّ لتأخذ دورها في مكان آخر من بقاع الأرض"(193)، ثمّ يشير لانقطاع التيّار الكهربائيّ في القسم كلّه، لتمتلئ غرفة والده بالعتمة، لولا خيوط النور التي كانت تنفذ من النافذة العلويّة؛ لتبدّد الظلام(193)، وبذلك تتلاءم هذه الأوصاف مع حالة الوالد الذي أصبح قاب قوسين وأدنى من الموت الذي يدركه الراوي.

تجدر الإشارة إلى اللغة الموظّفة في هذه الرواية، وممّا يثير العجب فيها، أنّها على الرغم من كونها رواية تجمع بين المعرفة العلميّة المتفرّعة إلى عدّة مواضيع، كالكيمياء، الفيزياء، الطبّ، الفيسيولوجيا، والمضامين الأدبيّة المنتشرة على مساحة الرواية؛ تأتي لغة تقريريّة في معظمها، انسجامًا مع الموضوع العلميّ المطروق، اللّهمّ إلّا في بعض المواضع التي ترتقي فيها إلى لغة مجازيّة، كقول الراوي: "غرقت في عالم سرديّ جرّدني تدريجيًّا من وعيي حتّى رحت في نوم عميق [...] عادت الحياة تتسلّل مجدّدًا إلى أروقة المشفى، فتعالت أصوات ولغات متعدّدة من كلّ ركن"(59)، بذلك تظهر لغة الرواية في كلّ مستوياتها، لغة رصينة، دقيقة، رفيعة المستوى، خالية من أيّ لحن لغويّ، فلا يشوبها أيّ وهن، الأمر الذي يؤكّد هيمنة الكاتب على زمام اللغة التي قلّ أن يجد القارئ مثلها بين أوساط العلماء إلّا ما ندر.

يقوم الراوي بعد وفاة والده بزيارة صديقه عالِم الدماغ الذي تعرّف إليه خلال دراستهما في الولايات المتّحدة الأمريكيّة احترامًا لصديقه وتلبيةً لدعوته بزيارته، وهناك يُجرى عليه صديقه  تجربة دماغيّة بعد توصيله بجهاز خاصّ، ووضع صورة والده أمامه، ثمّ يطلب إليه أن يقرأ رثاءه لأبيه الذي قرأه بعد وفاته. شكر الراوي صديقه لتلك الفرصة التي أتاحها له في الحديث مع والده والمتعة العظيمة التي شعر بها، حتّى تمنّى لو طالت أكثر، ثمّ طلب منه صديقه توثيق تلك التجربة فوعده بذلك، فكانت هذه الرواية، هكذا يُنتج الكاتب رواية ذات حبكة مقلوبةً، لتُسرد أحداثها بعد تلك التجربة العظيمة التي أجراها عليه صديقه.

للإجمال نقول إنّ رواية البروفيسور أشرف إبريق تعتبر رواية رائدة غير مسبوقة في المنجز الأدبيّ الفلسطينيّ؛ لما تعكس من جرأة عالية وثقة كبيرة بالنفس، في طرح مضامين المعرفة العلميّة وتقديمها للقارئ بأسلوب شائق وتنوّع في استدعاء موضوعات جذّابة وممتعة من الموروث الأدبيّ العالميّ والعربيّ تضمن يقظة القارئ، وطرد الملل عنه، وهو يخوض غمار تلك المضامين العلميّة؛ ليخلق الكاتب، فيما بعد، مثقّفًا موضوعيًّا يجمع في جعبته المعرفة العلميّة والأدبيّة، إنّه نتاج عظيم يذكّر برواية "عالَم صوفي" الشهيرة للكاتب النرويجيّ "جوستاين غاردر" (Jostein Gaarder)، وهي عبارة عن مراسلات وأحاديث في تاريخ الفلسفة بين "صوفي" بطلة الرواية، وهي فتاة في الرابعة عشرة من عمرها، وبين ورجل غامض يدعى "ألبرتو كونكس"، وقد اعتبرت هذه الرواية مدخلًا أساسيًّا إلى علم الفلسفة.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية