رسالة اعتذار إلى العم توم

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

العم توم شخصية محورية في رواية "كوخ العم توم" للكاتبة الأمريكية هارييت إليزابيث بيتشر ستو التي عاشت بين عامي 1811 - 1896 وكانت إليزابيت مُناهضة للعبودية، بل قُل إحدى الناشطات في حركة التحرير من العبودية، وواحدةً من الشخصيات المؤثّرة فيها، حيث أرسلت لمحرّر جريدة "ناشيونال إرى" رسالة تفيد عزمها على نشر قصتها، وكتبت فيها: "أشعر الآن أنّه حان الوقت الذي يجب فيه حتى على المرأة أو الطفل الذين لهم القدرة على قول كلمة من أجل الحرية والإنسانية أن يتكلموا. آمل ألا تصمت أيّة امرأة تستطيع الكتابة".

نُشرتْ حكايتها أول مرّة على شكل قصص في حلقات أسبوعية بعدّة مسمّيات، ثمّ جمعها جون بي جويت ونشرها في كتاب واحد، فبيعت منها ثلاثة آلاف نسخة في أوّل يوم، وأكثر من ثلاثمئة ألف نسخة خلال عام، وما بين العام 1852 والعام 1860 طُبعت الرواية باثنتين وثلاثين لغة مختلفة، وانتشرت في أوروبا انتشاراً واسعاً، وكان لهذه الرواية ونشأة حزب الأرض الحرّة الأثر في إلغاء الرقّ في الشمال فشبّت حرب أهليّة بين الشمال والجنوب على مدى أربع سنوات شهدت الكثير من المراحل والتغيّرات كسبها الشمال في العام 1865م، فألغي نظام الرقّ، وذكر إبراهام لنكولن الرئيس الأمريكيّ السادس عشر أثر هذه الرواية في نشوب حرب الانفصال: " المرأة الصغيرة التي أشعلت هذه الحرب الكبيرة".

ترسم هذه الرواية صورةً مُحزنة ومؤثرة عن حياة العبيد في الولايات المُتحدة الأمريكية في القرن التاسع عشر، وتُسلط الضوء على مظاهر مُعاناتهم تحت وطأة العبودية. يكتشف العم توم، وهو عبدٌ أسود يعمل في مزارع السيد شيلبي، أنّ سيده يُعاني هو الآخر ولكن تحت وطأة الديون، وأنه أصبح مُجبراً على بيعه، بالإضافة إلى طفل صغير آخر، هو ابن إلايزا خادمة زوجة السيد شيلبي. لكن إلايزا تُقرّر الهرب مع طفلها بعد أن فقدت زوجها واثنين من أبنائها بسبب قوانين العبودية، بينما يختار العم توم ألا يُخيِّب أمل سيده، الذي وعده بأنه سيشتريه من التاجر هالي مرة أخرى حالما تتيسر أموره.

حين قرأتُ رواية "كوخ العم توم" في أواسط سبعينيات القرن العشرين وكنتُ في طور الفتوة، صبياً متمرداً، لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب، كتبتُ على هامش صفحتها الأخيرة بضعة أسطر أتهم فيها السيد توم بالجبن والضعف والهوان والاستسلام، وكتبتُ بيتين ناريين من قصيدة "سلو قلبي" لأمير الشعراء أحمد شوقي: وما نيلُ المطالب بِالتَمنّي/ولكن تُؤخذ الدُنيا غِلابا، وما استعصى على قوم منالٌ/إذا الإقدامُ كان لهم رِكابا.  

هذه الحماسة الثوريّة المنفلتة من عقالها؛ ندمتُ عليها أشدّ الندم فيما بعد، وها أنا أعتذر من السيد توم على ذلك "الغضب الساطع" تلك الأيام، فقد كنتُ تحت تأثير قراءة كتاب طُبع في دار النهضة بفرعيها في بيروت وبغداد كان قد صدر في بداية سبعينات القرن العشرين عن الثورة الكوبية هو "مذكرات أرنستو شي غيفارا" مترجم عن الإسبانية. كان المترجم فطنًا حيث صاغ الترجمة بلغة عربية فصيحة مشحونة بالحماس الثوريّ. وأنت تقرأ الكتاب كأنك تُشاهد فيلماً مصوراً عن هؤلاء الشباب الذين امتشقوا السلاح للدفاع عن الحرية والعدالة.

وجدت نسخة وحيدة من هذه المذكرات في مكتبة (وحيد قباني) في مدينة إدلب في شارع شكري القوتلي قرب سينما الزهراء التي عرضت أول الأفلام عن الثورة الكوبيّة. ووجدتُ إلى جوار المذكرات رواية "كوخ العم توم" فاشتريتهما معاً بليرات قليلة-كتب مستعملة- وشاء القدر بأنّ أقرأ "مذكرات أرنستو شي جيفارا" أولاً فتركت تأثيراُ واضحاً على موقفي من العم توم واختيار سُبل حياته، والذي كان من المُفترض أن أتعاطف معه لفقره وعبوديته لا أن ألومه، ولكنها فورة شباب يا سيدي.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية