قصّة | تحريك الضّمير بالسّكون

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

رغب الفتى بأن يكون مهندسًا، ويجوز لنا أن نقول بأنّه حلم أن يكون مهندسًا، وفي تلك السّنوات اللائي خلون لم يعرف النّاس في البلدة مهندس الطيران أو مهندس البترول أو مهندس السّيّارات أو مهندس الكهرباء وبالكاد كانوا يعرفون المهندس الزّراعيّ، وأمّا الفتى فكان يرغب بأن يكون مهندسًا وهذا معناه في تلك الأيّام مهندس بناء. كان يرسم على الورق الأبيض بقلم الرّصاص وفيما بعد بقلم الحبر الأسود أو الحبر الأزرق أو الحبر الأحمر بيوتًا ذات ستّ طبقات، وهل هناك بيوتٌ أعلى من ستّ طبقات؟! يذكر الفتى فيما بعد أنّه عندما زار المدينة في المرّة الأولى وهو في السّابعة عشرة من عمره شاهد بيوتًا عالية ذات أربع طبقات في شارع الملوك في مدينة حيفا الّذي صار اسمه "شارع هعتسمأوت" أي شارع الاستقلال وتساءل يومئذ بعمق: استقلال ممّن؟ شيء يحيّر!! هؤلاء النّاس بطروا من كثرة ما نهبوا ومن كثرة ما بلعوا. يغيرّون اسم المكان بل يعبرنون اسم الشّارع واسم الحارة واسم السّاحة، وأمّا شارع عبّاس فقد حافظ على اسمه وعلى علوّ بيوته كما ساعد جاره شارع المتنبّيّ في المحافظة على اسمه أيضًا. هؤلاء النّاس لا يعرفون من هو المتنبيّ، ولا يدركون ركوبه للرّيح كما شرح لهم المعلّم ممدوح في حصّة الأدب العربيّ، ولو وشى مستعربٌ من أصل شرقيّ ذو شهادة جامعيّة مزوّرة بذلك لغيرّوا اسمه وصار شارع حاييم نحمان بياليك أو شارع أحاد هعام، ومن لا يعجبه الأمر يستطيع أن يصدر بيانًا بلغة عربيّة فصيحة سليمة، لغة الملوك أو لغة الأمراء أو لغة الرؤساء، وبالعربيّة الدّارجة لغة موظّفي البيت الأبيض. جميعهم موظّفون في البيت الأبيض بدرجاتٍ متفاوتة. وهؤلاء النّاس، "العربيستم" وأصدقاؤهم قالوا له بلهجةٍ صارمة: لن تكون مهندسًا ولو في الحلم. قاله له النّاطور الّذي يأكل من خبز السّلطان: اسمع يا ولد. قل هذه الجملة بصورة سليمة خمس مرّات وسأتواسط لك كي تدخل كليّة الهندسة: "هذا المشمش مش من مشمشنا" فردّ الفتى على البوّاب الإمّعة: طيّب يا نصف خواجا قل:" حبّة كرسنة سقطت على كرسيّي وكرسيّ أمي" خمس مرّات بصورة سليمة ولك ديك حبش. فردّدها البوّاب الغبيّ وفي المرة الثّالثة عرف أنّه وقع عن الكرسيّ فشتم أمّ الفتى ثلاث مرّات. لا صوص ولا ديك حبش ولا خروف يا حمار.

رغب الفتى بأن يكون مهندسًا ويملك مكتبًا نظيفًا فيه مقاعد خيزران وجهاز تلفون أسود مثل اللّيل جاعصًا على تربيزة بيضاء اللّون، مثل الحاكم العسكريّ. ولا تنسوا بأنّه حلم أن تكون عنده سكرتيرة صبيّة جميلة أنيقة ومثّقفة ومن بيت أصيل. مسكين ذلك الفتى الحالم لو كانت هذه الصّبيّة موجودة لتزوّجها مدير المدرسة، صديق البوّاب، وما تزوّج ريمة الطرطبة الخادمة في مكتب الحاكم العسكريّ الّتي كانت تتصرّف أمام فلّاحي المنطقة كأنّها ذات صلاحيّات، لا بأس إذا كان كلب الشّيخ شيخًا فلماذا لا تكون ريمة حاكمةً عسكريّةً نونو، تأمر وتنهى وتقبل الرّشاوى بترحاب، مرطبان عسل أو دزينة بيض بلديّ؟

قال له أبوه حينما حدّثه برغبته بأنّ يكون مهندسًا: العين بصيرة واليدّ قصيرة يا ولدي. وكان هذا الأمر يعرفه قبل أن يلفظه والده. منذ سنوات ويدّ الوالد قصيرة. ما عرفها يومًا إلّا قصيرة. منذ هدموا بيته مع بيوت قريته الّتي صارت صفتها قرية مهجرّة وصارت العائلة تعيش في كوخ. والولد يرغب أن يكون مهندسًا ويبني بيوتًا لأهل حارة الأكواخ، بيوتًا من حجارة واسمنت وحديد وفي كلّ بيت عدّة غرف، بيوتًا ذات أربع طبقات، خمس طبقات، لم تكن في تلك الأيّام أبراج كان في بلدة الفتى خمسة بيوت ذات طبقتين، وكان كلّ بيت يسّمى عِلِّيَّة، وكانت هذه البيوت لوجهاء البلدة، بيتٌ للمختار الّذي عنده زوجتان، أحداهما امرأة بيضاء وسمينة، وبيتٌ لشيخ الحارة الفوقا الّذي عنده أربع زوجات وثلاث بيوت لثلاثة وجهاء ذوي أملاك غير منقولة. كان عدد الزّوجات يشي بالوضع الماليّ للزّوج. منذ هدموا بيتهم وبيوت قريتهم ويدّ أبيه قصيرة. عاشوا في برّاكيّة من تنك. دعاه الحاكم العسكريّ الخواجة أبراهام وقال له وهو يبتسم ابتسامة عجوز بدون أسنان: علمت أنّك تريد أن تكون مهندسًا يا عكروت. أي مهندس؟ مهندس كهرباء أم مهندس راديو أم مهندس كيماويّ؟ (ولو يا خواجة ابراهام يوجد مهندسّون لكلّ هذه الأمور؟!) تريد أن تخرج عن طاعتنا يا عكروت؟ ألا يعجبك أن تكون راعي أغنام؟ مثل الأنبياء يا ولد. أو أن تكون قطروزًا أو حرّاثًا؟ الهندسة مهنةٌ ليست لأمثالك يا ولد.

هذا الحكي لم يعجب الفتى. العين بصيرة واليدّ قصيرة. صحيح. بلاش مهندس لماذا لا يكون أديبًا مثل الجاحظ ويحكي للنّاس عن البخلاء وعن معاذة العنبريّة؟ أو مثل أبو العلاء المعرّيّ. بلاش مثل المعرّيّ ليكن مثل طه حسين. إلّا أنّ والده عارضه بصرامة، كما كان يتفاصح المختار، هذه مهنة الفقراء يا ولد. والحاكم العسكريّ الّذي لا يسمح له أن يكون مهندسًا لن يسمح له أن يكون أديبًا. الحاكم العسكريّ لا يحبّ الأدباء ويخشى أصحاب الأقلام، ولو استطاع الحاكم العسكريّ لجمع الأدباء والشّعراء في ساحة المدينة وحشا فلفلًا حارًّا في مؤخراتهم. فلفل قلب القطّ. ولكنّ الحاكم العسكريّ انسانٌ حضاريّ جدًّا وديموقراطيّ جدًّا وعصريّ جدًّا ولن يطلق الرّصاص على رؤوس الأدباء ولن يحشوا فلفلًا حارًّا في مؤخرّاتهم بل سيمنح كل واحد منهم بطيخة من حقل وجيه الحارة الشّرقيّة. ومن كيس غيرك يا مذرّي ذرّي!

وكانت جارتنا ام خالد، حكّاءة الحارة، تقول في كلّ حكاية من حكاياتها "كما تعرفون يا مستمعين الكلام ابن الحكاية يكبر بسرعة" وكبر الفتى، ولم يدخل كليّة الهندسة، ولم يدرس اللّغة العربيّة كي يتأدّب بل اختار مهنة البناء. يبني مدماكًا فوق مدماك من حجارة البلّوكات ويمدّ قضبان الحديد على السّطوح إلّا أنّه كان يحب الزّجل ويقرأ الجريدة الأسبوعيّة كما أنّه تزوّج وأنجب صبيانًا وبناتًا، وفي صباح يومٍ دافئ اصطحب زوجته الى عيادة المشفى في المدينة كي تجري فحصًا طبيًّا لصدرها وثدييها، وعندما دخل العيادة قال للموظّفة وهي صبيّة تجايل ابنته الصّغرى: هذا التّوقيت الصّباحيّ للفحص يضايقني لعدّة أسباب أهمّها أنّه يضطرّني الى دخول المرحاض العموميّ في المشفى حيث اكتشفت أنّه هناك شبهًا بين كرسيّ المرحاض العام وبين النّقود وربّما بين مقاعد رجال السّياسة. كلّها قذارة وجراثيم ولا تعرف من لمسها أو جلس عليها من قبل. والغريب العجيب يا بنيّتي أنّ النّاس يحبّون النّقود ويحبّون الكراسي ويتصارعون للحصول عليها، ونحن النّاس العاديّين لا نستطيع أن نعيش بدون مرحاض وبدون نقود وبدون مقاعد وبخاصّة مقاعد البرلمان ومقاعد رؤساء البلديّات وكراسي مديري المراكز. أمّا عيشة أخت كلب. اسمعي الحكاية يا بنت: عائشة بنت الجيران صبيّة مثل عود الرّيحان تقول للقمر انزل حتّى أقعد مكانك، تحبّ الورد الجوريّ، وتحبّ العندليب الّذي يغرّد على ليمونة حاكورة دارهم وتحبّ الصّباح. سمعها أخوها تغنّي غضب رائف من عائشة لأنّها حلوة وتغنّي. حلوة وتغنّي؟. قتلها. قتل عائشة. قتل رائف عائشة. رائف قتل عائشة. عائشة قتلها رائف. قتل فعل ماضٍ ورائف فاعل ونحن شعب يقتل عائشة، ويقيم وليمة للحاكم العسكريّ. نحن من نقتل عائشة ويريد أن يعيش، ويقيم وليمة للحاكم العسكريّ. وندفع له الجزية. ونحتفل معه بعيد ميلاده. 

حلم الرّجل في زمان خلا أن يكون مهندسًا. وحلمت عائشة بنت الجيران أن تكون عروسًا. هل تصدّقون بأنّ هذا الرّجل كان ذات يومٍ فتى؟ كان فتى يحلم ويحلم. الجائع يحلم برغيف خبز. هل تعرفون من قتل شعبًا لأنّه جائعٌ يريد أرغفة خبز؟ السّجين يحلم بالحرّيّة. يحلم بهدم سجن عكّا الّذي طلعت منه جنازة. الطّالب يحلم بالنّجاح في الامتحان أو بموت المدرّس. المشرّد يحلم ببيت ليس من تنك. لاعب كرة القدم يحلم بتسجيل هدف ولو بيدّ الله. والفتاة العازبة تحلم بعريس. كانت عائشة تحلم بعريس. وكان الفتى يحلم بأن يكون مهندسًا ويبني بيوتًا لهؤلاء الّذين يسكنون في حارة الأكواخ التنكيّة.

كان الفتى يأبى أن يكون مثل الجاحظ الّذي مرّت أمام بيته سيّدة جميلة وأشارت له أن يتبعها. سارت السّيّدة وسار وراءها. سارت وسار حتّى وصلا الى حانوت صائغ فقالت: "مثل هذا" وأشارت الى الجاحظ وانصرفت... أم كتاب البخلاء. و... أخت البيان والتّبيين. لا يريد أن يكون الجاحظ ولا يريد أن يكون طه حسين أيضًا

وبصراحة كتب الفتى صورة قلميّة عن طفلٍ حافي القدمين يحلم أن تمطر السّماء أحذية ومزّقها.

وكتب صفحة على دفتر الموطن عن كامل الاسكافيّ الّذي ولدته أمّه في حظيرة الأغنام ولمّا كبر صار يحلم أن يرتدي بذلة صوف من ثلاث قطع ومزّقها.

وكتب قصّة عن عبدالله بن سليم الأعرج الّذي كان يحلم بأن يكون مدرّسًا ويعلّم أولاد البلدة حروف الهجاء أو أن يكون ممرّضًا يعالج مرضاه أو أن يكون بناءًا ويبني بيوتًا لأهل حارة الأكواخ. دعاه الحاكم العسكريّ الى مكتبه في السّرايا وسأله عن حلمه الأخير.

-    ماذا حلمت الليلة يا أخا الأحلام؟

-    حلمت أنّني حمامة.

-    ولماذا لا تحلم بأن تكون دجاجة يا عكروت؟

-    حمامة مثل حمامة نوح.

ضربه الحاكم العسكريّ بالشّلوت على مؤخرّته وهو يشتم أمّه بالإيدش.

قال الفتى وهو يتألّم من مؤخرّته: ألم تأكل المسّخن معنا يا سعادة الحاكم العسكريّ يوم مصرع عائشة؟

وبعد أيّام دعاه الى مكتبه فلبّى الدّعوة. من الواجب الأخلاقيّ أن يلّبي دعوة الداعي ولو كان حاكمًا عسكريًّا. سأله: هل صحيح أنّك تحلم بأن تحرّك ضمير العالم يا عكروت؟ فأجاب: علّمني مدرّس العربيّة عن الضّمير الغائب.

-    وضمير المخاطب؟

-    هل أحرّكه بالفتحة أم بالضّمة أم بالكسرة أم بالسّكون؟

-    حرّكه بالسّكون!

ويطلقون الرّصاص عليه مثلما أطلق رائف الرّصاص على عائشة. وعندئذ يصدر رئيس البلديّة بيانًا يليق بالحدث.

الفتى يُساوي بيانًا، وأنت تُساوي بيانًا، وأهل بلدتي يساوون بيانًا فيه سجع.

هذا حكي.

ح،ل،م.

ح.ح.ح.

حاء لا شيء عليها. واللّام لا شيء عليها والميم لا شيء عليها.

حا..حا..حا...

صار الولد الأزعر حاكمًا عسكريًّا.

حا. حا.حا..

صار قائم مقام الأمن الإقليميّ.

عشنا وشفنا.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-02-13 17:11:00

زجل| صرخةُ الأهل – كفى للعنف

featured
هادي زاهره
هادي زاهر
·2026-02-13 15:14:13

"نحن" لا "انا"

featured
  ابن الخطّاف  
  ابن الخطّاف 
·2026-02-13 15:12:21

الشِّعرُ يَنزِفُ .... الَما ودما

featured
مفيد مهنام
مفيد مهنا
·2026-02-13 14:08:31

بالمخصر المفيد..

featured
معين أبو عبيدم
معين أبو عبيد
·2026-02-13 13:28:41

دهاليز الزمن

featured
يوسف جمّالي
يوسف جمّال
·2026-02-13 13:26:35

ذاكرتنا وأولاد الحرام..

featured
مارون سامي عزامم
مارون سامي عزام
·2026-02-13 12:46:11

تَكـرار سينـاريـو ثقافـة السخـافـة

featured
مليح الكوكانيم
مليح الكوكاني
·2026-02-13 11:44:07

بين حُرفيش والخُرفيش ومظالم السياسة العنصرية