ما أجمل بلادنا من شمالها حتى جنوبها، ومن نهرها إلى بحرها وكل أيام السنة، فجمالها آخذ بالانتشار رغم المحن، إذ خصّها الخالق بالقداسة، ومنبع الديانات الثلاثة المعروفة، ومركز جذب للبشرية الجديدة، وفيها الكثير من الخصائص غير المكتشفة، وأوجه التشابه بين الإنسان والطبيعة والأسماء والبشر والحجر والشجر. أما قياصرة الصهيونية وحكام بلادنا المعادين فقد فتكوا بالمكونات الثلاثة من بشر وحجر وشجر، ونواحٍ عديدة من هذا الوطن الغالي والجميل، وقد حوّلوه إلى مقبرة للموت بدل أن يكون جنة للحياة منذ قرن ونيف حتى يومنا الحالي، بعدما زرع الاستعمار وحليفته الصهيونية بذور الصراع والحروب المدمرة لتنمو مع قادم الأيام، وتهدد بحرق وقتل أحلام الشعوب والبشر، ليصبح الكل في خراب الزمن الضائع. ما زلنا في أواسط شباط لعام جديد، وإن شبّط ولبّط ريحه الصيف فيه، على أمل أن يعقبه الربيع وتخضر الأرض، وقد بدأت السهول والتلال والجبال تكسو وتتلبس أناقتها الخضراء الساحرة، ليداعب نسيم آذار ونيسان عيون البشر والحجر والشجر، ويدب الدفء والحرارة في شرايين العباد قبل النبات، إلا أن تدفق دماء البشر يوميًا على قارعة ومذبح القتل وحرب الجريمة المنظمة والخاوة، وعشية شهر التقوى والبركة رمضان الكريم، يزعزع الأبدان ويهز الضمائر ويعلو الصراخ: إلى أين؟ إذ لا يمكن لهذه العصابات المنتشرة بيننا أن تتحرك بهذه المساحة الصغيرة والحرية المحدودة، لولا الحماية والدعم والتغطية من الحكومة الفاشية نتنياهو – بن غفير، وأن تحركها في القتل والتدمير لتحقيق هدف واحد ووحيد، ألا وهو تفتيت وشل المجتمع العربي من وطنه، مع تواصل حرب الإبادة على شعبنا في غزة والضفة، التي تتواصل بأساليب الاستنزاف المختلفة.
بلادنا جميلة، رغم تلبد سماء منطقتنا هذه الأيام بالغيوم السوداء الكثيفة والداكنة، إدارة ترامب – نتنياهو والأصوات الداعمة للحرب والمواجهة مع إيران وغيرها من شعوب المنطقة، هؤلاء لا يعرفون معنى الحياة والعيش الطبيعي إلا من فوهة المدافع والصواريخ والعدوان وسفك الدماء. إن أمثال بن غفير وسموتريتش والرؤوس الحامية في حكومة المتهم الأول نتنياهو وترامب وبيته القاتم، لا يجدون معنى الحياة إلا من خلال الرقص والصراخ والتهليل والتكبير والاتهام والتشريع لهم ما لذّ وطاب، وتحريم فرص العيش البسيطة وتطورها ومتطلباتها على غيرهم.
وعودة إلى طبيعة بلادنا التي نشبهها وتشبهنا بالأسماء والنبات، لأننا من طينتها ومدلولاتها المختلفة، مثلًا: خُرفيش وحُرفيش؛ الأولى تعني الاسم التاريخي عبر مئات السنين للقرية العربية المعروفيّة، الرابضة على أعالي الجليل الأعلى، والتي تبعد عن الحدود اللبنانية مسافة (ضربة حجر) أربعة كيلومترات، وتُسمى حُرفيش، وهي قرية كل من الكاتب والمربي المبدع الأستاذ نمر نمر، والشاعر الحرفشاوي الهادي والمتمرد في آن واحد تركي عامر، وهي تُعتبر من القرى الجميلة الوادعة والآمنة، التي لا تعرف لها الجريمة والقتل المبرمج طريقًا، إذ يفوق ساكنوها سبعة آلاف نسمة يعيشون في احترام ومودة على القيم العربية الأصيلة في التآخي الاجتماعي والتربوي والتسامح الديني والإنساني. من جيرانها بعض قرانا العامرة: فسوطة في الشمال الغربي، والبقيعة في الجنوب الشرقي، وبيت جن على قمة الجرمق في الشرق. كان لقرية حُرفيش في قديم الزمان من العصر والتاريخ الفلسطيني المغيّب والمشوّه والمدمّر والمسروق علاقات محبة وتآخٍ وحسن الجوار مع عدد من القرى العربية المهجرة والمدمرة، ما زالت في انتظار أهلها الذين طال غيابهم، مثل طربيخا، سحماتا، كفر إقرث وكفر برعم، سعسع وغيرهم.
والثانية تعني نبتة الخُرفيش ذائعة الصيت، ذات الأوراق العريضة المسننة بالإبر والأشواك الحادة الموجهة لمن يعتدي عليها من الإنسان والحيوان. مثل هذه النبتة تكثر في بلادنا في الربيع في أماكن الخرب والمحميات وبين البيوت المتباعدة وعلى البيادر وفي الأراضي المستوية والمكشوفة، وخاصة القرى الفلسطينية المدمرة والمهجرة التي تنتظر العائدين المغيبين المشردين من أهلها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تُشاهد في قرية كويكات هذه الأيام مساحات شاسعة من الأراضي، حيث تظهر للناظر والزائر إليها وكأنها مزروعة بنبتة الخرفيش، وإلى جانبها نبات العلت والخبيزة وغيرها من البقوليات والمأكولات البعلية ذات الفوائد الصحية الضرورية للجسم، وإذا كانت تدل فإنها تدل على عروبة المكان وتفرد المطبخ الفلسطيني بها. هذه المأكولات العربية الفلسطينية هي رمز التمسك بالهوية والأرض والتراث، والخرفيش منه الذي ينمو عموديًا وأفقيًا على سطح التربة، إذ ينمو مع أول الهطولات المطرية على التربة الحمراء، ويصل مداه إلى أكثر من متر واحد، وهي عادة تحمي نفسها من بطش الإنسان والحيوان، لكن ما إن يبدأ الربيع بالانتصاف وحرارة الشمس بالارتفاع قليلًا وتراجع الهطولات المطرية، تبدأ نبتة الخرفيش بالانكماش والتيبس حتى تجف كليًا.
إذ نجد هنا التسمية الشبيهة والدلالة القاطعة بين حُرفيش ونبتة الخرفيش، ليس بالاختلاف الحرفي فقط بين (الحاء) و(الخاء)، وإنما بالمدلول التعريفي بين المجتمع والطبيعة. الخرفيش نبتة شتوية ربيعية موسمية، تتغذى بها الحيوانات الأليفة كالماعز والأغنام والأبقار وغيرها، وعندما تأخذ بالنشاف والجفاف تتحول إلى قش وعلف لجميع الحيوانات اللبونة وغيرها. لكن أهالي حُرفيش، القرية العامرة الوادعة في جنة الطبيعة الخضراء والجليل الفلسطيني بسكانه وأهله الصابرين على آهات الزمن، تمثل نجمة الجليل بعد بيت جن، قابضة على المصير المشترك، وشاهدًا ملكيًا على همجية الدوريات (الخضراء) التي تسعى لتضييق الخناق على أهلنا في قرانا العربية المعروفيّة وغيرها. هذه القرى وغيرها ترفض الغطرسة الاقتلاعية للمؤسسة الحاكمة، لأن تاريخ وجذور قرانا تمتد عميقًا في باطن الأرض منذ مئات السنين، مرابطين على كل حفنة تراب من وطنهم الصغير وبلدتهم العامرة، رغم التجاهل والهدم والحصار والتنكر والتهميش لقرانا في النقب والجليل، لمتطلبات الحياة العصرية والتطور الحضاري والإنساني. حُرفيش اسم على مسمى في قاموس قرانا ومدننا في وطننا، تنمو على المحبة والألفة الصادقة وقيم التعاون في الحفاظ على الموروث العربي المعروفي، تحت رعاية ومباركة مقام سيدنا سبلان عليه الصلاة والسلام.







.jpeg)

.png)