مارون سامي عزّام
عشيَّة الاحتفال بعيد الحب، الذي بات مع مرور السنين مسرحًا، يعرضون الشبّان والفتيات مسرحيّة شبه رومانسيّة، اسمها "سهرة حُب" (عُذرًا من فيروز) يكون بطلها الوحيد الحب الذي يتلاعبون بدوره كما يشاؤون، رغم أنه مُكتَفٍ بدوره الهادئ، وقادر على استيعاب الجميع دون تفرقة اجتماعيَّة، أقصد أن الحب لا ينتمي لطبقة دون أخرى، فهذا الأمر غير جائز، إنَّه فِعِل يومي وعفوي، ظاهرة لها علاقة بالآخر، الحب ليس مهرجانًا صاخبًا، مزعجًا بيئيًّا، ولا يقبل أن يُختَزَل بيوم واحد، بل هو دائم الوجود، ويرفض الوقوع تحت مصالح شبابيَّة.
بدأ المحتفلون يطبِّلون لعيد الحب مُسبَقًا، بطبول حسيَّة جوفاء، شوَّهوا معناه النّاعم، بينما أصبحت طريقة التعبير عن المشاعر فجَّة، فيها طبقيَّة واضحة، أي حرَمَتْ فئة من الناس الاحتفال بهذا العيد، لسوء حالتهم الماديَّة، ممّا ولَّد غيرة سلوكيَّة لديهم، بينما هناك فئة أخرى تؤيِّد الاحتفال الحديث، متخلِّيَةً كليًّا عن رتبتها العاطفيَّة، خاضعة لأوامر القائد الاجتماعي النِّظاميّ، الذي سيقودهم بانتظام مثاليّ، لقضاء سهرة ممتعة... نظام السَّهر الليلي العلنيَ، أفقد هذا العيد حميميَّته التقليديَّة.
رمَّم الشباب سوق التبذير "المُعَطَّل"!، فاستيقظ من سباته الاقتصادي في هذا الموسم العشقي، بعد أن سخّفوا قيمته الرّوحيَّة، وهنا يبدأ عملاء التسويق الاحتفالي، بتحريك دولاب دعاياتهم عبر صفحات تواصلهم الشَّرسَة، ومع قرب عيد الحب، يُصعِّدون حملاتهم، وتنضم عقول الشباب إليه، فينشرونها حالًا بين رفاقهم. للأسف أصبحت العاطفة سطحيَّة، تقاس بحب الظهور، ولكن لن يُكتَب لها الاستمراريَّة، لأنها غير صادقة، والوفاء قد تحوَّل إلى عربَة أكاذيب مُخَلَّعَة، يقودها بقوّة عربجي السَّمسَرَة.
تمَّ تسليع عيد الحب، وكأنه مُنتَج يُباع في حوانيت الابتزاز... يتحضَّر المحتفلين للاستعراض الليلي المُثير!، لأنه العيد الوحيد الذي لا تكون ذروته نهارًا كباقي المناسبات المعروفة، بل في الليل كخفّاش الاستغلال الذي دفعهم إلى عُرس الحب، ليُنقِّط الأزواج ثمن البطاقة، على أمل أن يغطوا مندوبي الحفلات تكاليف الحفلة، يعني عملية بزنس بامتياز، مُربِحَة لجيوبهم، هكذا يُشبِعون أطماعهم!!
بنظر هذا الجيل الفائر، الحفلات عبارة عن تنفيس داخلي، تُنقذ قلوبهم المفطورة من اليأس، ليعيدوا تأهيل نبضات عشقهم!... للأسف أصبحت الأحاسيس مع مرور الزّمن سيناريو مُكَرَّر، مسخّرًا لميولهم الانتقائيَّة، التي "تُشجِّعهم" على عرض مقطعٍ مُختار من الحفلة في خانة "ستوري"، يجهلون أن الحب بحاجة للبساطة غير المُعلنَة.
كي يمنحوا العشاق "المصداقيَّة لحبهم". شطبوا من قائمة "أسئلتهم المعهودة"، سؤال روتيني: "كيف أُعَبِّر لها عن حُبي؟"، ليحل محله سؤالًا ماديًّا طاغيًا على عقولهم: "ماذا أشتري لأثبت لها حبّي". العاشق الذي لا يَشتَري هدية لحبيبته، ينتابه شعور بالنَّقص والنَّدَم، كما يَعتَبِر نفسه خارج سَرب الذّوق، لذلك يضطر مُكرهًا أن يتماشى مع الموجَة الرّائجة.
في عيد الحب تُصبِح المرأة حاكمة بأمرها، تأمر زوجها أن يشتري لها "كادو تعبيري"، كأنها طوال السنة محرومة من الهدايا في المناسبات العديدة! تطالبه بأن "يتلحلح شوي"، وأن يتحلّى بشيءٍ من الرومانسية الحديثة والمطورة، لذا يضطر لمغادرة المنزل، ينتظره على باب القاعة وسطاء الترحيب المتملِّقين! فيسمح الزوج لنفسه أن يساير مزاج زوجته...
...هكذا لعِبَ هذا المسكين دور العاشق بمنتهى البراعة، إكرامًا لزوجةٍ تُريد أن تفحصَ ولاءه لها، وأن رباط علاقتهما الزوجية ما زال قويًا، محميًّا بصلاحية الحب الذي يجمعهما، مع أنهما لا يحتاجان للعب دورَي العاشقَين كالمراهقَين، لأنها لا تليق بسنّهما. ما تبقى من عيد الحب في هذا الزَّمن، أفواه فاغرة تتحدث عن تلك الليلة "الواو" كلمة عصريَّة سائدة بين الشبان.
الاحتفال المُبالغ بهذه المناسبة، هو تجاهل أعمى للحب الخام الموجود في أعماق الوجدان، فطغيان ثقافة السخافة استفحل في نفوس البعض. لذا أنصح شبان اليوم أن يفتحوا حوانيت قلوبهم، ليملأوها ببضائع الالتزام الفاخرة والأبقى، ليعرفوا أهميّة العطاء الحقيقي، لكنهم لا يريدون الاعتراف بتكرار الابتذال سنويًّا، رغم أنه سَيطر على تصرُّفات العشّاق، مُتحكِّمًا بمفاهيمهم.
.png)





.jpeg)


