سترافقني الى مكان من الضروري أن نصل إليه. توجهت أمي إليَّ بعد أن أيقظتني من نومي..
كان صوتها يحمل معاني الحزم والتصميم. فعرفت انها عازمة على اصطحابي الى مكان بالغ الأهمية بالنسبة لها.
قمتُ من فراشي ولحقتها الى المطبخ. وكانت قد أعدّت فطوري قبل أن توقظني، ووضعته على الطاولة. تناولته بسرعة وأعددت نفسي لمرافقتها..
لأين!؟ سألتها محاولاً عدم إبداء أية علامة استغراب على وجهي..
الحقني.! ردّت وهي تخطو أمامي.. ومشينا في الطريق الى مكان هي تعرف موقعه.
**
أمي دأبت في كلِّ صباح أن تتوّجَّه إليَّ محذِّرة: "إياك من أولاد الحرام!"
فجعلتني أبحث عنهم في كلٍّ مكان. بحثتُ عنهم في جارتنا. في الحارات الأخرى من بلدنا، في طرقها في مزارعها في العلامات المرسومة على وجوه أهلها. في نبرات أصواتهم..
أوَّل ما خطر بخاطري جارنا عمر.. كان مثلّي في العاشرة من عمره.. كان يقضي وقته في تعذيب القطط.. يضربها بالعصيِّ والحجارة.. وإبعاد الطعام والماء عنها. كان يتلذَّذ في النظر إليها وهي تموت أمام ناظريه.
بائع دكان حارتنا محمود حسين.. كان يلعب بالميزان، يضغط كفته كي تميل لصالحه. ويقسم الأيمان الكاذبة. أن بضاعته ارخص وأجود بضاعة في الدّنيا.
تنقلّتُ من واحد الى آخر.. معلمنا سعيد الذي كان يضرب طلابنا بقسوة. حتى يتأكّد أنه غرز الآلام في أجسامهم.
كان ردّ فعل أمي عندما أحكي لها عنهم وعن أعمالهم الشريرة.. الصمت.. فأستنتج أن هؤلاء الذين ذكرتَهم لها، هم ليسوا أولاد الحرام الذين تقصدهم.
**
اصطحبنا أبي، أنا وجدّتي، الى قريتنا الكفرين المهجّرة.. التي طُرد أهلها منها بعد احتلالها من قبل اليهود. عند وصولنها أوقف أبي السيارة قريباً من خرائبها المتروكة.. كان هناك كلّ شيء يبكي بصمت أخرس..
هاجمتني صرخات الأرض من حولي، وزعقات السماء فوقي، صمت الشجر الأخرس، غربة الحجر.. الضباب الثقيل الجاثم على جبل الكرم ويخفي عنّا السماء والبحر.
كنت أتوقَّ أن تحكي لي حكايات عن النبعة، عن طريق الملّايات، عن البيدر، عن التحطيب.. عن بيتها المهجور. ولكنها توحّدت مع السكوت الذي يغلق على المقبرة..
وعند اقترابنا منها.. هناك مقبور جدّك.. خرج منها صوت كأنه انطلق من أحد القبور التي أمامنا.
أستشهد في إحدى المعارك، التي دافع بها مع رفاقه الشباب عن البلد، عند تعرّضها لمهاجمة عصابات اليهود.
رجعنا الى بيتنا.. والتقيت بأمي..
عرفت أولاد الحرام الذين تقصدينهم! قلت كأني اهتديت الى حلً طالما أتعبني البحث عنه.
هم الذين طردوا أهل الكفرين، هدموها وصادروا أرضها.. أكملت وأنا أحاول أن أنشل لحظة انتصاري من عينيها. بقيت أمي تتلفّع بصمتها.. الذي كان يقول: "ليس هؤلاء الذين أقصدهم".
فانسحبت من أمامها حاملاً خيبتي ولوعاتي.
من هم الذين تقصدهم أمي بقولها: "إيّاك من أولاد الحرام!".
رجعنا كعادتنا في كلّ عام الى الكفرين. وعلى أبواب المقبرة التقينا بجنود. بعد الإهانات واللعنات التي وجهوها لنا، اختطفوا عقال أبي الذي ورثه عن جدّي، ورموه في الأرض وداسوا عليه.
خطفت نظرة الى وجه أبي، فوجدت الغضب يتراكض على صفحاته فحوّله الى رغيف خبز محروق.
**
كنت ُ في العاشرة من عمري، عندما اقتربت جدتي من أبي وقالت
له وهي تناوله عقال كان في يدها: "خذ هذا العقال واحتفظ به.. هذا الشيء الوحيد الذي وجدته في ميدان المعركة التي استشهد فيها".
تناوله دون أن ينبس ببنت شفة.. ولكني سمعت أنين بكائه، يتسلل من بين شقوق غرفته المغلقة.
وكان لا يعتمره إلا في زياراتنا لقبر جدّي في الكفرين..
طلب الجنود من جدتي أن تحلّ زنارها الملفوف من حول وسطها، حاولوا تمزيقه فامتنع عنهم، فأخرج أحدهم قدّاحة وأشعل النار فيه.. حاولت جدّتي أن تنزعه منهم، فأبعدوها عنه بالقوة، يصاحبها الضرب والسّباب والإهانات.
فسكتت.. تحترق معه. احترق الزنار ورسم على التراب خطوطاً سمراء. لأوّل مرة أرى دموع جدتي.. رأيتها تسيل مدراراً على خدّيها..
سمعتها مرات تبكي تحت لحاف الليل.. من وراء باب الحمام. في الطابون وهي تبل بدموعها أرغفة الخبز الملتهبة.
ولكنني لم أشاهدها تحرق عيني.
**
كانت أمي تمشي أمامي بسرعة، وكان من الصعوبة أن التحق بها..
الى أن بانت لنا مشارف مقبرة الكفرين فعرفت وجهتنا.
وقفتْ.. فوقفتُ بجانبها أنتظر ماذا ستفعل..
هنا التقيتم مع الجنود؟ سألت وهي تقف بالقرب من شجرة على وشك الموت، بعد فقدت أغصانها وأوراقها.
هنا صادر الجنود منكم العقال الزنار!؟
سألتْ والغضب يكاد "ينُطُّ " من عينيها.
داهمتني دموع فأخرست صوتي.
كانت تحملق بالعقال المغتال، ملقيّاً مصلوباً على الأرض يصرخ.
خذ ْ! قالت وهي تدفعه باتجاهي. فتناولته منها وقبضتُ عليّه كأنّي أقبض على الجمر.
انحنت وتناولت عوداً عن الأرض، وبدأت تنبش في الأرض..
فبدأت بقايا خرق زنار جدتي تظهر شيئا فشيئاً.. ولما تأكَّدت أنه لم يبقَ منه شيئاً لا تستطيع لملمته، أخرجت منديلاً كان في عبِّها، ووضعت نتفه فيه، ربطت أطرافه حوله وأعادته الى مكانه.
وتقدَّمنا باتجاه المقبرة..
كنا كلما دنونا من القبور، تتعالى منها الزعقات الخرساء. وعند وصلناها هالنا ما رأينا.. كانت آثار الجرافات قد أعاثت بالمقبرة خرابا.
هدمت القبور وبعثرت حجارتها، ورمت أكواماً منها خارج المقبرة.
قرأت الفاتحة عليها مع أمي، وجلستُ على حجر بجانبها، واتحدنا مع نزيف القبور الصامت..
تمنّيت ان تبكي كيّ أبكي معها فلم تفعل!
غابت عنّي لحظات "قتلني" ثقلها..
بعدها وقفت على رجليها، وأخذت تلملم حجارة قبر جدّي، وتقرِّبها منه.
سنعيد ترميمه!.
أولاد الحرام لن يمحوا ذاكرتنا! سمعتها تقول من بين الضباب الذي يسترها عنّي..
فعرفت من هم أولاد الحرام التي تعنيهم أمي..






.jpeg)

.png)

