احتضن مركز محمود درويش في كفر ياسيف مساء السبت الماضي أمسية خاصة لاستذكار الأديب والقائد الراحل محمد نفاع، بدعوة من مؤسسة محمود درويش للإبداع والاتحاد القطري للأدباء الفلسطينيين. وشارك في الأمسية نخبة من الكتّاب والشعراء والفنانين وشخصيات من عالم الثقافة والسياسة والمجتمع، اجتمعوا على كلمة وفاء واستذكار لدور الراحل الأدبي والوطني والأممي. وفيما يلي نص الكلمات:
مدير مؤسسة محمود درويش الكاتب عصام خوري:الكاتب الذي استطاع أن يجعل من الأدب سياسة، ومن السياسة أدباً
أيها الحضور الكريم، يسعدني أن أرحب بكم أجمل ترحيب في مؤسسة محمود درويش، وأحيي حضوركم الحضاري والمشرّف.
اسمحوا لي أن أرحب باسمكم بالضيوف الكرام الذين يشاركوننا هذه الأمسية التي نحيي فيها ذكرى الشخصية المحببة إلى قلوبنا وقلوب قرّائها، شخصية الأديب والمناضل محمد نفاع.
أرحب أولاً بالأخ العزيز محمد بركة، رئيس لجنة المتابعة العليا، الذي سيتحدث عن محمد نفاع السياسي والأديب. كما أرحب بالأخ رياض كامل الذي سيتحدث عن الأديب والسياسي، وبالأخ هشام نفاع، محرر جريدة الاتحاد، الذي سيتحدث عن الأديب والوالد.
أرحب بكم جميعاً باسم الاتحاد القطري للأدباء الفلسطينيين، وأشكركم على حضوركم ووفائكم للأديب والكاتب الذي استطاع أن يجعل من الأدب سياسة، ومن السياسة أدباً، وجمع بينهما في حياة كفاحٍ وعزّةٍ وكرامةٍ وشرفٍ وانتماء.
هذا هو محمد نفاع الذي بقي حتى يومه الأخير مخلصاً للفكر الذي آمن به، والذي انحاز إليه في مشروعه الأدبي والسياسي، بإصرار ومصداقية وإيمان بحتمية الصراع الطبقي.
لقد عاش محمد نفاع هذا الفكر منذ شبابه الأول، حين وجد نفسه في صفوف حركة الشبيبة الشيوعية، فكبر هو والتنظيم معاً حتى أصبح الأمين العام للحزب الشيوعي لثلاث دورات متتالية.
إذا أردنا أن نتذكر محمد نفاع بإنصاف ودقة، فعلينا أن نستحضر سيرة الكاتب الفلسطيني الشيوعي الذي وُلد في قرية بيت جن في الجليل الأعلى عام 1939. تلقى تعليمه الابتدائي في قريته، ثم أكمل تعليمه الثانوي في قرية الرامة، وبعدها التحق بجامعة القدس حيث درس الأدب العبري والعربي. انخرط في صفوف حركة الشبيبة الشيوعية عام 1965، ورفض الخدمة العسكرية الإلزامية التي فُرضت على أبناء الطائفة العربية الدرزية. كما شغل منصب أمين عام الحزب الشيوعي ثلاث مرات، وكان عضواً في الكنيست عن قائمة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة بين عامي 1990 و1992. شغل أيضاً منصب المحرر المسؤول لصحيفة الاتحاد الحيفاوية، وكتب مقالات سياسية وقصصاً قصيرة وجواهر أدبية ولغوية مميزة.
أنت باقٍ في ذاكرتنا ووجداننا وقلوبنا إلى أبد الآبدين.
رئيس لجنة المتابعة العليا محمد بركة: إذا خابت المسطرة، اضبطها على مقاس محمد نفاع
أشكر لكم حضوركم في هذه الندوة التي فيها من البحث ومن التوقف عند محطات حياة أبو هشام، لكن فيها أيضًا من التكريم الذي، حسب رأيي، لم ينله لأسباب غير متعلقة به وبنا.
كان من المفروض أن يكون له التكريم في الذكرى السنوية أو ربما قبل ذلك، لأنه — برأيي — وقف في محطات محورية ومركزية في حياة مجتمعنا الفلسطيني في الداخل وفي حياة النضال الأممي في هذه البلاد.
لا أقحم نفسي في موضوع الأدب طبعا، إلا أنني من محبي كتاباته، وأستطيع أن أقول إنه في غمرة هذا الظرف وهذا العصر، الذي فيه "الثقافة الأقصى" هي ثقافة وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف الشديد، وجمل عابرة هنا وهناك وجمل ناقصة وجمل غير مبنية على شيء — في اعتقادي أن كتابات محمد نفاع الأدبية أسست للحالة الفلسطينية، التي ربما اندثرت بفعل المشروع الصهيوني من ناحية، وبفعل تغيّر مقومات الحياة من الحياة الزراعية الأولية إلى العمالة في السوق العامة.
بهذا المفهوم، أنا برأيي المتواضع — من يتعاطى الأدب لكنه لا يستطيع أن يقيمه — أقول إن كتابات محمد نفاع في الأدب هي عمليًا حفظت خارطة القرية، الخارطة الإنسانية والبشرية للقرية الفلسطينية قبل النكبة وبعدها بقليل.
لكن فيما نحن به، وفيما كُلّفت أن أتحدث به، فإن أبا هشام هو رجل لم يطلب أو يتخذ موقفًا إلا وطبّقه على نفسه أولًا.
ذات مرة كنت في مطعم في حيفا، جاءني شخص من عسفيا وقال لي: "ما رأيك في محمد نفاع؟" فقلت له: "إذا خابت المسطرة، اضبطها على مقاس محمد نفاع." وهذا كلام صحيح — لم يطلب شيئًا ولم يتخذ موقفًا في شيء إلا وأخذه على نفسه أولًا. وسيرته الشخصية وسيرة عائلته خير دليل على ذلك.
عندما تحدث عن الانتماء الوطني الفلسطيني لم يكن عنده ذرة مساومة في موضوع التجنيد، وهذا ليس أمرًا ورّثه لأولاده فقط لأنهم جدعان، بل لأنهم تربّوا في هذا البيت الذي كل رجاله رفضوا الخدمة ودخلوا السجون. هذا بيت لا يطرح شعارًا إنما يطبقه على ذاته، وهذا يشكّل نموذجًا حيًا في هذا الموضوع.
محمد نفاع أحيانًا كان يتخذ موقفًا يبدو للبعض حادًا. مثلًا، في أشياء لم تكن تعجبني، كأن يتحيز لكيم إيل سونغ في كوريا الشمالية، أو غيره.
لكن الحقيقة أنه لم يتحيز له بقدر ما كان يتحيز ضد أمريكا!
أنا أعتقد أن السياسة فيها من الفيزياء الشيء الكثير. إذا تركت الحلبة السياسية مثلًا لتيار ديمقراطي يساري وتيار إسلامي أصولي، فإن نقطة التوازن ستكون في مكان ما بينهما.
لكن إذا كان إلى يسار اليسار أو في الجانب الوطني ناس أكثر، فمركز الثقل ينتقل إلى مكان آخر.
أبو هشام كان المعدِّل الافتراضي لنقطة التوازن. حتى عندما كان يأخذ موقفًا يبدو بعيدًا، كان يأخذه لأنه الأفضل بالضرورة.
وهذا ينطبق على الوضع الإقليمي، والعالمي، وحتى الداخلي في مجتمعنا العربي.
موقفه في قضية التنظيم السياسي كان مهمًا جدًا. أذكر سنة 1993، عندما أعلن الرفيق الراحل القائد توفيق طوبي أنه لن يترشح للأمانة العامة للحزب مرة أخرى، وبدأ التداول بالأسماء، فطُرح اسمه. لم تكن الفكرة رايقة له 100%، لكنه تعامل معها بمسؤولية وثبات فكري.
موضوع التنظيم السياسي والحزبي كان أحد الأعمدة الرئيسة التي لها مردود فكري، فالتنظيم ليس قضية منفصلة عن الفكر، بل جزء منه.
وأنا برأيي، اليوم هذا الموضوع يكتسب أهمية قصوى في مرحلة غياب الحياة الحزبية والسياسية والتنظيم.
أنا عضو في الحزب، وأعتقد أن هناك مكانًا لحضور أكبر للحياة الحزبية في المجتمع. فحيث تتراجع الحياة الحزبية ترتفع المناهج الهجينة.
صحيح أن اليوم هناك وسائل تواصل خصخصت الفكر، وجعلت كل واحد أمام الشاشة يظن نفسه ملكًا، يشتم من يشاء ويقيم من يشاء، لكن هذا لا يمكن أن يكون بديلًا عن التنظيم السياسي الحزبي.
أرقى أشكال التنظيم المجتمعي هو الحزب السياسي، وهو ما كان أبو هشام أمينًا له تمامًا، يمارسه من خلال موقعه كأمين عام للشبيبة، ثم كأمين عام للحزب.
الحزب السياسي يفترض أن يعطي أجوبة على كل شيء يتعلق بحياة البشر: التعليم، الأرض، المزارعين، كوبا، كوريا... إلخ.
أما الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني التي تقتصر على قضية واحدة.او قضايا محدودة، فهي ليست أحزابًا شاملة لا تستطيع ان تجيب على مجمل قضايا الناس.
هذا المفهوم الشمولي للحياة والمجتمع، الذي يجب أن يعبر عنه الحزب، هو ما ينقصنا اليوم.
موضوع التنظيم السياسي ليس مجرد اجتماع خلية أو كادر، بل هو شكل من أشكال صقل الشخصية السياسية للأعضاء، ومن خلالها صقل للمجتمع كله.
وفي اعتقادي، إذا أردنا أن نعود إلى موروث محمد نفاع، فعدا عن الجانب الأدبي، أهم ما يجب التوقف عنده هو إعادة الاعتبار للتنظيم السياسي ومساحة انتشاره في المجتمع، بما في ذلك السعي لاستخدام وسائل التواصل لخدمته، لا العكس.
في عمله بقيادة الحزب، كان حريصًا على الشخصية الوطنية للحزب كممثل للفلسطينيين في الداخل، دون أن يسبب أي خدش للفكرة الأممية.
والفكرة الأممية عنده لم تكن مصطنعة أو مفتعلة. كان واعيًا تمامًا لخصوصية الفلسطينيين الباقين في وطنهم، الذين يواجهون خطرًا وجوديًا، دون أن ينتقص ذلك من التزامه بالأممية وبالتحليل المادي.
على الصعيد الشخصي، كان نموذجًا في ألا يُخضع السياسة للصداقات ولا الصداقات للسياسة.
حتى لو اختلفت معه، كان الخلاف لا يفسد العلاقة الإنسانية.
وأنا أذكر عندما جئت من الجامعة لأعمل في الحزب، كنت متحمسًا جدًا، فقال لي وهو بجانبي في اجتماع: "روق، بتعود تلاقيها لحالك."
بمعنى أن السياسة تحتاج إلى صبر وفهم للميدان، وهذه كانت نصيحته الدائمة.
أعتز أنني كنت إلى جانبه سنوات طويلة في هيئات الحزب، وفي العمل العام، سواء كنت رئيس الجبهة أو سكرتيرها، وكان هو سكرتير الحزب. كان بيننا تداخل وتواصل كامل، وأعتز أنني استفدت منه كثيرًا.
ابو هشام يملك مساحة جميلة ورائعة في قلبي، أعتز بها إلى يوم الدين.
في هذه الأمسيات، نحن لا نذكر فقط محطات وأفكار، بل نحتاج أن نجعلها خارطة طريق للعودة إلى القيم الثورية الصحيحة.
الناقد الأدبي د. رياض كامل: محمد نفاع وترسيخ صورة القرية ولغتها
طُلب مني أن أتحدث عن محمد نفاع الأديب السياسي، ولكني في الحقيقة أومن أكثر بالأديب الأديب الذي ينطلق من فكر ورؤية ورؤيا أكثر مما يؤمن بفكر سياسي ما، لأن ذلك قد يحدّ من أهمية عطائه ويمسّ بمفهوم كلمة "أدب"، وما تحمله من عمق على صعيد الفكر الخلّاق المبدع فنيّا، خاصة وأننا جميعنا ندرك جيدا مفهوم مصطلح سياسة، بناء على التجربة لا بناء على مفهومها المعجمي. ينتمي محمد نفاع إلى مدرسة "الواقعية الاشتراكية" التي تحمل رؤية متفائلة بإمكانية خلق مجتمع أفضل عبر الصراع الطبقي، ومواجهة الظلم والغبن مهما كان مصدره.
ينطلق الكاتب من واقعه اليومي، ويتركز في بيئته داعيا إلى ضرورة تغييره، بحيث يعيش العامل والفلاح بحرية وكرامة. لا يكتفي كاتب الواقعية الاشتراكية بتصوير الواقع، بل إنه يدعو إلى تغييره، من خلال نظرة شمولية لا نظرة محلية فقط. وقد كان منطلق محمد نفاع من خلال بيئته الصغيرة، قريته الجبلية، "بيت جن" التي تقع على إحدى قمم جبال الجليل الأعلى؛ من هذا الموقع الصغير خلق نفاع عالما شاسعا كبيرا بناسه وأهله وفضائه.
جاء في الصفحة الثانية من كتاب “جبال الريح” الصادر سنة (2019): "خِلِق ولدنا محمد في 14 أيار سنة ال39، وفي نفس الصفحة: جابت العنزة العطرة توم سخلات". (ص14) هذا بعض ما وجده الكاتب محمد نفاع في أوراق والده.
كيف يتلقّف القارئ مثل هذه المعلومة؟ ثم ما أهمية أن يرتبط ميلاد ابن تفرح به العائلة بولادة "توم سخلات"؟ ما أهمية هذا الربط؟ ولماذا اختار أن تكون هذه افتتاحية مؤلّفه؟
هذه المعلومة التي تبدو لنا بسيطة، هي بحد ذاتها مادة دسمة للباحثين في مجال علم الاجتماع، وللباحثين المؤمنين بسوسيولوجيا الأدب. وقد تكون مادة سيميائية تقودنا إلى دلالات فكرية بعيدة أو قريبة. جملة كافية لتجعلنا نفكرُ بأهمية ورودها في هذا السياق.
يعود بنا الأديب، في معظم ما كتب، إلى الجذور ليربُط الماضي بالحاضر ويؤسسَ للمستقبل. شعب يواجه الجبال والرياح العاتية، ويصمد في وجهها ويتابع الحياة، إذ يرزق الله العائلة ابنا و"توم سخلات". يكتب نفاع بدوافع وِجدانية وإيمان عميق أنّ ما لم تحقّقه السياسة يمكن للأدب التّخييلي أن يحقّقه.
توثيق صورة القرية وترسيخها: لقد لفت الأديب محمد نفاع إليه الأنظار منذ ستينيات القرن الماضي، وفي مجموعاته القصصية التي بدأت ترى النور منذ سبعينيات ذلك القرن، من زوايا عدة، منها العمل على ترسيخ صورة القرية الفلسطينية بعاداتها وتقاليدها، وسموّها وارتقائها، وجيرة أهلها الطيبين، وفقر ثقافتها وشحّ مواردها المادية والعلمية، وسيطرة المعتقدات والأعراف القديمة على أبنائها، وانتشار الفكر الغيبيّ عند بعض شرائحها.
لقد نال حنا مينة لقب "كاتب البحر" بفضل عدد من رواياته. وجعل نجيب محفوظ أزقة القاهرة وأحياءها فضاء تدور به أحداث العديد من رواياته، وهكذا جعل الطيب صالح القرية السودانية فضاء مميزا في رواياته. ونحن نرى أنّ محمد نفاع هو كاتب القرية. أبدع فيها وبات عالمّه الذي يميّزه، والذي سيتذكره القرّاء والمثقفون والباحثون، بكل ما تحمله الكلمة من دلالات فلسطينية عربية. لقد رسّخ نفاع صورة القرية الفلسطينية مقترنة بفلّاحها وفلّاحتها، وبفضائها بكل ما تحمله كلمة فضاء من معنى أدبي.
إنّ القرية الفلسطينية الجبلية لهي المكان الأهم في إبداع محمد نفاع، ببيوتها الطينية وأزقتها الضيقة التي تتسع "للفدان" والثور والحمار وراكبه. وللقرية بيادرها وحقولها وحواكيرها وطيورها وحيواناتها البيتية والبرية، وعادات ناسها وتقاليدهم وأسلوب معيشتهم وعلاقاتهم الاجتماعية، فضلا عن مأكلهم ومشربهم، وغنائهم الشعبي في الأفراح ونواحهم في الأتراح.
نفاع يخترق المألوف: إن مؤلّفات محمد نفاع، في مجملها، تحمل ختمه وهويته، بعيدا عن التقليد المعهود لدى عديدين، إذ حين يتمكن الأديب من خلق أسلوب مغاير عمن سبقه فهو يحمل لقبا كبيرا لا يدركه كثيرون، هو لقب "مبدع"، لأنه أتى بما لم يأت به السابقون. لقد قام الأديب الفلسطيني إميل حبيبي باختراق كبير للسرد العربي عامة حين كتب رواية المتشائل، إذ بنى روايته وفق أسلوب فنيّ حديث بعيدا عن التسلسل الزمني المتّبع ووظّف التراث العربي القديم بأسلوب مبتكر ولجأ إلى الفانتازيا والواقعية السحرية.
نحن نشهد اختراقا آخر هو أسلوب محمد نفاع في رواية "فاطمة" التي لم يقلّد فيها أيا من الأساليب المعهودة سابقا، من حيث الوسائل السردية التي وظّفها، ومن حيث ابتداع شخصية لا مثيل لها في روايات سابقة، ومن حيث تكثيف اللغة الجليلية. فبطلة الرواية ليست محاربة في ساحة القتال، ولا أما تحمي أطفالها من جنود الاحتلال، ولا امرأةً ترعى صغارها في ظل ظروف الحرب وشظف العيش، بل هي صبيّة قرويّة فلّاحة ينشغل الرجال بجمالها الفتّان، يتحرّشون بها لعلّها تكرُم عليهم بابتسامة أو بكلمة مجاملة، في حين أنها مجرد صبية تعيسة تعمل ليل نهار لتوفير لقمة عيش والديها، في ظل ظروف اقتصادية صعبة؛ تعمل في الحقل، بعد أن فقدت زوجها الشاب وإخوتها الذين لم يعودوا من السفربرلك؛ إنها المرأة العربية التي تجمع كل المتناقضات في شخصيتها المميزة، لا تخاف من الرجال، ولا من ألسنتهم، وألسنة نسائهم الجارحة، تقودهم كلَّهم في الأتراح الأفراح، ينتظرون لقمة الكبة من يديها، وتسبقهم في مقارعة رجال الشرطة، ويشيع الجميع حولها ما هبّ ودبّ من إشاعات، وتتابع التحدي بكل ما أوتيت من تصميم وإصرار، وتكسر اصنام العادات والتقاليد المتجذرة من قرون.
بذل نفاع جهدا عميقا في دراساته اللغوية التي قام بنشرها على مدار سنوات في صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية، حيث حاول إيجاد علاقة صلة وتواصل بين العديد من المفردات المحكية وبين أصلها المعجمي، وكأني به كان يحضّر لتأليف "فاطمة" بهذه اللغة بالذات.
يوظّف محمد نفاع في روايته "فاطمة"، وفي سيرته الذاتية "جبال الريح" وفي قصصه القصيرة، لغة فلسطينية ولهجة جليلية، متحدّيا الأصول والأعراف التي يلتزم بها الروائيون وكتاب القصة القصيرة. لقد رفض كثيرون حتى منتصف القرن العشرين، توظيف اللغة المحكية حتى في الحوار، ولكن إصرار البعض على ذلك كسر المتبع وبات الأمر مقبولا على الغالبية العظمى. لم يكتف نفاع بتوظيف اللهجة الجليلية في الحوار بل تعدى ذلك إلى السرد. إنه بذلك كمن يعمل على تقليص رقعة القراء، لأن هذه اللغة وهذه اللهجة لا يفهمهما ولا يدركه كنه أبعادهما، إلا فئة قليلة جدا من أبناء الشعب الفلسطيني، حتى باتت جزءا هاما من هويته الأدبية.
يعمل نفاع على صيانة هذه اللغة تماما كما يعمل على صيانة صورة القرية، وكما يعمل على صيانة صورة أبنائها وناسها. يمكننا القول إنه يخلق لنا عالما روائيا وقصصيا فضاؤه، ولغته ولهجته وشخصياته مستمدة من قرى شمال فلسطين وبالتحديد من قرية "بيت جن"؛ يدخل في "دواوين" المجتمع العربي الفلسطيني في منطقة الجليل، وما تعرّض له في حقبة زمنية لها أبعادها وتأثيرها على فكره الاجتماعي وعلى مصيره، ويستمد منه أسلوبه السرديّ.
إني أرى أن هذه اللغة بالتحديد – لغة محمد نفاع الروائية – وحشدها لمواعين وآلات ومعدّات لا وجود لها اليوم، وتوظيفها بهذا الشكل أشبه بدور توظيف الآلات، أو الديكور والصور في عمل سينمائي أو مسرحي، ما يعيد إلى الأذهان كتابات المنظر الفرنسي رولان بارت الذي تحدّث عن توظيف الآلات والأدوات ودلالاتها؛ فوجود تليفون، مثلا، داخل غرفة يحمل دلالة على نوعية الشخصية ودورها وعلى رمزية هذه الآلة. ونحن نرى أن كل أداة وكل تصوير لأي زاوية في القرية التي تدور فيها أحداث "فاطمة" لها دلالتها، كما يتجلى لنا في النص التالي: "فاطمة صبية جبارة، حتى وهي تقوم بأود البيت لا تكفّ عن الرودحة في أغنية ما، تخزن مونة السنة من القمح والزيت والحطب، بيتها نظيف مهفهف لولا تلك القرنة التي يرقد فيها العجوزان، فيها ما هبّ ودبّ من أغطية، لحف وحرامات مجعلكة مكومة مدعوكة، حتى تأتي الابنة وتكنس وتسوي الفراش، في كل سنة ترشق البيت والسدّة وحيطان وسقف الإسطبل وتدلك أرضية البيت، وتمسحها بالعكر فتظل تفوح منها ريحة النظافة المتقنة الطيبة". (ص20-21)
إن هذه الأغراض في شكلها المطروح أعلاه ذات دلالة سوسيو إقتصادية لفئة معينة من الناس، تعيش في ظروف الفقر، تشاركها السكنى طيور وحيوانات، وبالرغم من ذلك تفوح من المكان رائحة النظافة، إشارة إلى نظافة صاحبته وقدرتها على الحفاظ عليه وعلى نفسها أيضا.
إننا نرى إلى كل ما كتبه محمد نفاع فنستخلص أنه مشروع وطني كبير؛ إضافة إلى توثيق المكان في ذاكرة كل الأجيال، هناك اللغة التي يعمل على صيانتها وحفظها من الضياع. فإن كان المكان قد ضاع وإن كان الزمان يتبدّل ويتغيّر وتتبدّل معه كل الأشياء، فإن اللغة هي الأخرى تأخذ شكلا جديدا وتتغيّر تماما كما يتغيّر الإنسان. لقد بنت المؤسسة الصهيونية رؤيتها على نسيان ما كان، واعتمدت على اختفاء جيل بكامله فتضيع معهم الحكاية، وتضيع القضية، فجاءت الرواية العربية الفلسطينية لتحارب هذا الفكر وتعملَ على صيانة الماضي للرسوخ في الوِجدان. إبداع محمد نفاع هو أحد حجارة الزاوية في كينونة الإنسان الفلسطيني.
خلاصة: أدب محمد نفاع حديقة تراثية تصون طيورنا ونباتاتنا وأشجارنا ولغتنا ومفرداتنا ونوادرنا وحكاياتنا من التزييف والضياع. إخاله يعمل على صيانة الوجود الفلسطيني، وكأنه نوح في فلكه حين جمع فيها كل أصناف المخلوقات كي يصون الحياة من الضياع. يتعرّض الشعب الفلسطيني منذ أكثر من قرن لعملية تغييب وإنكار لماضيه وتشويه لصورته، وتغييب ذاكرته ومحو هويته ولغته.
شهادة على العصر: تشعر حين تقرأ محمد نفاع أنك تقرأ شهادة على العصر، لقد كان شاهدا على النكبة والنكسة، المأساتين الأكبر اللتين عاشهما الإنسان الفلسطيني. وكان شاهدا على تبدّل المكان والزمان وتغيير صورة مدننا وقرانا.
ترسيخ الإيديولوجيا لا ترسيخ السياسة: إن ما قام به الروائيون الفلسطينيون فاق دور السياسيين لأنه أكثر تأثيرا في الوجدان، ولا نقصد بذلك التقليل من دور السياسي أبدا، بل إن العمل الأدبي لقادر على تخليد رجل السياسة، وعلى إبراز الإيديولوجيا والفكر الحر بصورة أكثر وضوحا مما يبرزها رجل السياسة. وهذا ما يعمل على ترسيخه محمد نفاع في كتاباته المتنوعة، فهو يرسخ للإيديولوجيا التي تؤمن، بثبات، بحق الفلسطيني وبقدرته على مواصلة العيش، بقوة وإيمان راسخ أن حقه سيعود إليه لا محالة.
شخصيات نفاع ذات ميزات نضالية: نرى في شخصيات قصصه وفي روايته "فاطمة"، كما في سيرة "جبال الريح" رجالا صامدين أقوياء، فلا يبرزون كضحية بقدر ما يبرزون كمناضلين ومقاتلين. ولقد جعل الفلاح والفلاحة بطليه الرئيسيين، وبالتالي فإن الفلاح والفلاحة، بكل ما يحملان من بساطة وطيبة وإصرار، هما النموذجان البارزان في عالمه الأدبي.
تخرج إثر كل قراءة لأحد مؤلفات نفاع مشحونا بالأمل، لأنّ كتاباته أبعد ما تكون عن رومانسية الشعراء، إذ تستمد مواضيعها من الواقع، ومن رؤية تؤمن أن الفلسطيني قادر على اجتراح المعجزات، معتمدا على رؤية تاريخية ترى أن الظلم لا محالة زائل.
الذاكرة الجمعية: نجح محمد نفاع من خلال رصيده القصصي والروائي أن يحفظ لنا الذاكرة من الضياع، والذاكرة مكون هام من مكونات الفكر الفلسطيني. لن يقوم بهذا العمل إلا أديب تسلّح بالفكر الإنساني الراقي الذي يدرك معنى الذاكرة وأهميتَها، فإن ضاعت ذاكرتنا ضاعت الأرض وما عليها من بشر وشجر وحجر. إن الذاكرة تورّث من جيل لجيل كما تورّث الأرض. هي حفاظ على الكيان وعلى الوجود وعلى الهوية، وهي ضمان استمرار الكينونة.
رئيس مجلس كفر ياسيف عصام شحادة: محمد نفاع صوت الأرض والناس
أهلاً وسهلاً بكم جميعاً، في كفر ياسيف أولاً، وفي جمعية محمود درويش ثانياً.
أود أن أبدأ بتوضيح بسيط: كثيراً ما يُطرح السؤال لماذا نقيم فعالياتنا هنا في الجمعية وليس في قاعة المجلس المحلي أو المكتبة العامة.
أقولها بمحبة واحترام — هذه المؤسسة هي بيت للجميع، وبيت الثقافة والفكر في بلدنا، ونحن نعتز بعلاقتنا بها وبالقائمين عليها، الذين لا يقصرون أبداً في احتضان كل نشاط ثقافي ووطني.
وأنا من هنا أقول: أهلاً وسهلاً بكم دائماً في مجلس كفر ياسيف،
أبو حنا وأعضاء الجمعية الكرام، أنتم دائماً محل الترحيب والاحترام في أي فعالية كانت، فبيوتنا وقلوبنا مفتوحة لكم دائماً.
أكرر الترحيب بجميع الحضور الكرام، مع حفظ الألقاب والمقامات، وأخص بالتحية مشايخنا الأفاضل، ونوابنا، والإخوة والأخوات جميعاً.
باسمي وباسم مجلس كفر ياسيف المحلي، ونيابةً عن أهالي كفر ياسيف، أرحب بكم أجمل ترحيب في هذا اللقاء المميز الذي يجمعنا حول قامة وطنية وأدبية شامخة، حول الكاتب والمناضل الرفيق محمد نفاع (أبو هشام)،
ابن الجليل، وصوت الأرض والناس.
نلتقي اليوم لا لنرثي رجلاً رحل عنا، بل لنحيي فكراً باقياً فينا ومسيرة نضالٍ زرعت القيم في الأجيال.
لقد كان أبو هشام مثالاً للإنسان الملتزم بقضايا شعبه، راسخاً في انتمائه، صادقاً في كلمته، متواضعاً في حضوره، وصارماً في مواقفه.
أتذكره جيداً حين كنت شاباً في بداياتي في حركة الشبيبة الشيوعية، ثم في الحزب الشيوعي.
كنت أعتز بشخصه وكلامه وصلابته في الموقف.
في كل مناسبة — سواء في احتفالات الأول من أيار، أو في الاجتماعات الشعبية، أو الحملات الانتخابية — كان دائماً هادئاً، صلباً، مقنعاً، ومحارباً من أجل قضيته وشعبه.
كما تفضل الإخوة المتحدثون قبلي، فإن أبا هشام كان شخصية وطنية بالأساس، وسياسية بامتياز.
شخصياً، آمنت بمسيرته واعتززت بمواقفه، وكنت أتابع كلماته، لأنها كانت تعبّر عن رؤية واضحة وثابتة، وتدل على شخصية مميزة نادرة. من هنا، من كفر ياسيف، أقول لكم:
نحن نجدد العهد على أن نبقى أوفياء لقيم العدالة والهوية والكرامة التي مثلها الراحل الكبير أبو هشام.
رحمه الله، وبقيت روحه فينا، تلهمنا أن نكتب، ونعمل، ونحلم بوطنٍ أجمل.
أهلاً وسهلاً بكم جميعاً، وشكراً لحضوركم الكريم
هشام نفاع: فضول دائم للإصغاء الصامت الخاشع إلى ما سوف يظلّ يقوله لنا السنديان
كنا نقف على واحدة من القمم المنبسطة التي ترفع عيونها لجبل الجرمق، ربما في مثل هذا الموسم الخريفي أو في الربيع، فالاعتدال والتحرر من القيظ ومن الصقيع، مشترك لهذين الموسمين، وإنْ كان البشر يُسقِطون على الأوّل مفاهيمهم عن النهايات الكئيبة، وعلى الأول أفكارهم عن البدايات الصاخبة.
أقف بجانب الوالد وقد ابتعدنا عن رفيق جولتنا الثالث، أحد أقربائه من المشايخ الممتلئين بالإيمان الذي يتسع برحابة صدر لهذا الشيوعي العنيد، والملمّين مثله بتفاصيل هذي الأرض وتضاريسها، والمدركين مثله لما تحت قشرتها من خبايا وأسرارْ في العمق، ماديًا وأبعد، بمعنى التراب وبمعنى الوجود.
كان كعادته يمشي ببطء ويتوقّف ليشير إلى شجرة أو نبتة أو صخرة أو سنسلة أو درب متفرعة ماضية في قلب السنديان والقاتل والبطم وسائر رفيقاتها. إلى كلٍّ منها يشير بحكاية أو ذكرى أو تعليق أو تساؤل أو نكتة أحيانًا. طبعًا، بسيجارة مشتعلة تكاد لا تفارقُه، بتبغها الأليف على المكان والمألوف فيه، فهو من أرض إحدى القرى الجارة.
توقفنا وترك نظره يطير بعيدًا كما كان يحبّ، حتى آخر أفق الجبال، وبعد صمت قصير أطلق جملة لا أنساها:
بتعرف؟ لما أتطلّع على كل هاي الأرض اللي نهبوها من الناس من أهل البلد ولبلاد اللي حوالينا بهستر يا زلمة، بروح ما أفقد إيماني بكل قناعاتي وضميري!
كانت من نوع الجمل التي لن يفصّلَ قائلها ما يعنيه ولا ما يهزّ كيانه ويثير بركانه؛ كذلك لن يثقلَ السامع عليه بأي سؤال أو استفهام أو استيضاح.
جملة تظلّ معلّقة على جدران الجرمق وأشقائه الجبال الأقل علوًا وشقيقاته الهضبات الواسعات المتراميات الحاضنات كالأمهات، الواقفة كلِّها بصمت مهيب سواء كانت الريح تصفر أو تعوي، وسواء كانت تتلقى المطر دون انفعالات زائدة لا يهم إن كان رذاذًا أو سيلاً أو كبّ من عند الربّ بلغة أهل المكان؛ الأحفاد الشرعيين ليس فقط لمن فلح هذي الأراضي وطحن فيها الصخر بالمعول وغرس فيها العنب واللوز والخوخ والتين في جيرة حسنة وثيقة مع السنديان البرّي وسواه، بل الأحفاد الشرعيين لربّ المكان الوثني القديم الذي ربما كان له هنا صرحٌ من عشرات الصروح، دجن، إله الزراعة والخصوبة والحبوب في فلسطين وسائر الشام. دجن، داجون، داغون، الذي لا زال اسمه حاضرًا في عدة بيوت دجن، تلك التي تعلّمنا اللغة، اللغة العربية المجبولة بالتراب واللسان والعقل والوجدان والخيال، حتى لو محا مفرداتِها التافهون عن شارات الشوارع – أقول: التاء والدال التي تعلّمنا العربية أن التقاءهما قد يسفر أحيانًا عن الاكتفاء بالأولى، فتتحوّل بيت دجن هنا إلى بيت جن، مثلما في موقع سوريّ قريب أيضًا، وخلافًا لموقع فلسطيني عامر شرق نابلس ظل اسم دجن فيها بتمامه. وبيت دجن أخرى شرق يافا أبادها إجرامُ النكبة فمحيت عن الأرض وبقيت في الذاكرة والقلب، تجرَحْ.
يتردّد صدى تلك الجملة ربما لأنها تنطوي على توتّر لا يهدأ، أشبه بارتجاجٍ لا يتوقّف لصفائحَ تحت أرضية، تحت أرضٍ لا يهدأ ولا يتوقّف الجشع المؤدلج عن محاولة إفراغها من أهلها وزرعها ونبتها وغرسها وشكلها ووجهها وقلبها وأمسها وغدها. هذا التوتّر قد يتحوّل لدى البعض إلى نبع لا ينضب لحزن دامع يُعبَّر عنه بعيدًا عن الأنظار والمسامع، ويصبح لدى آخرين مصدرًا لخوفٍ يشَلّ اللسان والقلب، ويا لهف القلب على هذا الخوف بعيدًا عن غطرسات البطولات الضحلة! لكن ذاك التوتّر ذاتَه قادرٌ أن يكون نارًا مشتعلة في النفس والعقل والإرادة، نارًا تضيء على الحقيقة والحق بمثابرة دؤوبة، مهما صار.
وعلاقة محمد نفاع مع هذا الحمل الهائل، كانت من النوع الأخير. كان بعض جيراننا في قطعة أرض هنا وكرْمٍ هناك شديدي الإتقان في فلاحتهم وزراعتهم، في حين كان كرْمُنا الذي يتكرّم ويسخى علينا بقليل من عنب أو تفّاح أو خوخ ولاحقًا كرز، أقربَ في بعض ملامحه لأرض بورٍ وبَرّ وبريّة، لأن الأرض في عرْف نفاع ليست مصدرًا للغلّة فحسب، بل للفكرة والمقولة وللتفكير والقول. فلم تثمر الأرضُ التي كان يفلحها أبو هشام ثمرًا وحَبًا فقط، بل قصة ومقالة ورواية، وسردية كاملة لمن كان تعبُ قطف الزيتون لديه هو العيدْ لِكبير، وحجر مجوّر يملأه بالماء ويراقب العصافير ترتوي منه طقسًا بهيجًا يقارب لحظة صلاة، وفنجان قهوة على نار حطب وحجرين مُترَبين يكاد يكون تساميًا صوفيًا.
وأن تكون محظوظًا بأن تعيش هذا كله وتنهل من هذا كلّه فيما أنت وأمك وإخوتك وعدد من بنات وأبناء الأخوال والعمّة ترافقونه مشيّا على الأقدام من بيت جن إلى قطعتي أرضكم في عين الأسد، أو إلى كرْم الزابود الذي أعتقد أنه جهد لامتلاك شبر أرضٍ فيه كموقف وتحدٍّ وإعلان نوايا واضح أمام خطر نهب هذه الأرض العزيزة، أكثر من أيّ دافع آخر؛
أو مرافقته في الجولات صيفًا وشتاءً وثلجًا دونما هدف وغاية سوى التدريب على متعة ونشوة الامتلاء بكل هذه الأرض وطبيعتها بل وروحها الغامضة التي تشمَها عند كل حجرٍ وعٍرق شجر؛
أن تكون محظوظًا بهذا مع أبو هشام، هو فرحٌ وفخرٌ وإلهامٌ وحبّ وفقدانٌ وافتقادٌ، الحزن عليه كخفّة الندى، مكثّف يتلألأ يطلّ سويعة ويغيب، لكنه حيّ متجدّد أبدي، كشموس صغيرة تظلّ تضيء فيك الفكرة والذكرى بابتسامة تجمع خليط الفرح والحزن والفخر والفضول الدائم للإصغاء الصامت الخاشع إلى ما سوف يظلّ يقوله لنا السنديان.







.png)


.jpeg)


.png)

