لماذا سوريا؟

A+
A-
في الصورة الملتقطة يوم 24 تموز/يوليو 2025، تصاعد الدخان من موقع انفجار في شمال إدلب بسوريا (شينخوا)

في الصورة الملتقطة يوم 24 تموز/يوليو 2025، تصاعد الدخان من موقع انفجار في شمال إدلب بسوريا (شينخوا)

ما جرى في سوريا في الفترة الأخيرة، ووصول الشرع وتنظيماته المدعومة من الولايات المتحدة وتركيا والأنظمة الرجعية العربية، وبالتنسيق مع إسرائيل، لم يكن سوى عودة إلى الوراء عشرات الخطوات، في حين كان أمل كل إنسان تقدمي مخلص لسوريا، الشعب والوطن، أن يكون التطور نحو نظام حكم علماني، تقدمي، إنساني، يوحد سوريا، ويدعم ويطوّر الموقع الجيوستراتيجي لبلاد الشام الحبيبة على الخارطة الإقليمية والعالمية.

كل محب ومخلص للشام كان يدرك أن أي تغيير أو تبدّل في المشهد السوري سينسحب تلقائيًا على دول ومنظمات ورؤى ومشاريع ودول جوار واستراتيجيات عديدة، وطبعًا سينسحب أيضًا على القضية الفلسطينية الكونية الإنسانية العادلة.

بعد احتلال العراق، تحولت سوريا إلى ساحة رئيسية للصراع في منطقة الشرق الأوسط. وكانت الفوضى التي ضربت منطقة الشرق الأوسط والأدنى من أبرز نتائج الغزو الإرهابي الأمريكي للعراق، فقد عمل الغرب الإمبريالي الصهيوني العالمي على تقليص دور سوريا الإقليمي، ولا سيما بعد أن جرى إخراجها من لبنان، ودفعها نحو الاعتماد على إيران، فضلًا عن ظروف العزلة التي فرضت على سوريا من قبل الولايات المتحدة وكل الغرب الإمبريالي، ومن الأنظمة الرجعية العربية، هذه الأنظمة التي دعمت كل التنظيمات التي كانت تشارك في الحرب الأهلية في سوريا منذ عام 2011.

وكان كل ذلك يجري بهدف تدفيع سوريا ثمن مواقفها تجاه إسرائيل، ورفضها للهيمنة الإمبريالية الصهيونية على منطقة الشرق الأوسط.

وهذا لا يعني أننا لا نعترف بأن النظام السوري السابق، وخاصة في فترة حكم بشار الأسد، كان يعاني من الفساد، ومن هيمنة عائلية على الشعب السوري. فلو كان هناك نظام ديمقراطي علماني يحارب الفساد، ويتحلّى بالتعاون البنّاء والمنصف والعادل مع كل مكونات المجتمع السوري، لما نجح الثالوث الدنس في مؤامرته المخططة منذ عقود، وهي المؤامرة التي كانت وما تزال تهدف إلى تمزيق سوريا إلى دويلات.

وهنا أذكر، عندما حلّ الربيع العربي، لا بل "الخريف العربي"، وجدت الإمبريالية الصهيونية العالمية المتوجّسة من النفوذ الإيراني في المنطقة، ومن دور سوريا الرافض لإملاءات الغرب الإمبريالي، وخاصة الأمريكي الصهيوني، وتعاظم قدرات المقاومة في لبنان، وخاصة بعد هروب إسرائيل من لبنان عام 2000، وجدت في ما يسمى "الثورة السورية" من قبل حركات دينية مرتبطة وتتعامل وتتلقى دعمًا ماليًا بمليارات الدولارات من الأنظمة الرجعية العربية، فرصة للتأثير في موازين القوى الإقليمية بعد الانسحاب الأمريكي من العراق، وقلب الطاولة على محور المقاومة.

وهذا ما جرى ويجري الآن، من خلال الحرب على لبنان وسوريا، وحرب إبادة الشعب الفلسطيني في غزة، وتوسيع الاستيطان الكولونيالي الصهيوني العنصري الشوفيني في الضفة. وقرار الكنيست الأخير التصريح بضم الضفة الغربية إلى إسرائيل أكبر دليل على الدور الإقليمي المتوحش الذي تمارسه دولة الاحتلال.

وهنا أريد أن أذكر بأن النقطة الحساسة لحدود إمبراطورية الشر — إدارة أمريكا، هي منطقة الخليج الفارسي/العربي، الذي تحيط به أغنى منابع البترول، والذي سيظل عصب التنمية الغربية لعدة قرون قادمة.

وعلى هذا الخط الساخن، حققت "وحدانية السوق"، لا بل وحدانية التوحش، آخر انتصاراتها بتحطيم العراق. وما يجري في سوريا الآن هو "انتصار" جديد، لا بل خيانة ومؤامرة من قبل الثالوث الدنس: أمريكا، الصهيونية، والرجعية العربية، بمشاركة إرهابية إجرامية من قبل تركيا، يدفع ثمنها الوطن والشعب السوري بكل مكوناته الطائفية والإثنية والقومية.

وأقول هذا ليس دفاعًا عن النظام أو شخص بشار الأسد، بل إخلاصًا لبلاد الشام التي ستبقى شامخة، ولن ترضى ببقاء نظام يخدم الاستعمار ومصالح إسرائيل في المنطقة، لا بل فرض هيمنتها — أي إسرائيل — على المنطقة، كما تبجّح رئيس حكومة اليمين العنصري الصهيوني الشوفيني، بأنه سيحقق هيمنته الأمنية على دول المنطقة، أي منطقة الشرق الأوسط والأدنى.

لأن هذا الحلم هو هذيان عنصري شوفيني لن تقبل به شعوب المنطقة، وخاصة الشعب الفلسطيني المناضل والمكافح والصامد في كل أماكن تواجده.

ومظاهرة الآلاف في سخنين، بمشاركة المئات من اليهود، دليل على أن البديل ليس هيمنة القوة، بل السلام العادل والدائم، سلام الشعوب بحرية الشعوب.

لقد خاضت الولايات المتحدة الحرب على العراق بواعز من جماعتي ضغط، وذلك كما أكد السيد ألان بييرفيت في جريدة الفيغارو الفرنسية صباح 5 نوفمبر 1990 بقوله:

"إن جماعتي ضغط قويتين تدفعان الولايات المتحدة إلى تفجير الصراع، هما: اللوبي اليهودي ولوبي رجال الأعمال."

وهنا بودّي أن أقول إنه في منطقة الشرق الأوسط، لا تتوقف حكومات دولة إسرائيل عن لعب الدور الذي حدده لها مؤسسها الروحي ثيودور هرتسل، ألا وهو أن تكون "حصنًا متقدمًا للحضارة الغربية في مواجهة بربرية الشرق"، في حين أن إسرائيل، على أرض الواقع، هي القاعدة الأمامية للإمبريالية العالمية، وكلاهما — أي حكومات إسرائيل والإدارات الأمريكية المختلفة، ديمقراطية كانت أم جمهورية — فتغير الإدارة في أمريكا هو تغير في القناع لأن الوجه واحد: وجه الإمبريالية المتصهينة، تمارسان سياسات الحروب والعدوان، وما يجري في غزة من حرب إبادة شعب أكبر دليل على ذلك.

في عام 1982، قبيل غزو إسرائيل للبنان، نشرت صحيفة كيفونيم الصادرة عن المنظمة الصهيونية العالمية، برنامجها الأكثر تحديدًا، وهو: "تفكيك كل الدول المجاورة من النيل إلى الفرات"، وسياسات الأخطبوط الصهيوني العالمي، وذيل الكلب الصهيوني — الولايات المتحدة — يمارسان كل أساليب الحرب والعدوان والتوحش، وحرب إبادة الشعب في غزة أكبر مثال على ذلك، بهدف فرض السيطرة والهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، لا بل على العالم.

لم تكن هزيمة سوريا وإخضاعها كشعب ووطن إلا هدفًا أول عند الأخطبوط الصهيوني، وبدعم أمريكا. وكانت هذه الفرصة متاحة، خاصة بعد احتلال العراق، ووجود الجيش الأمريكي الجرار على بعد كيلومترات قليلة من الحدود السورية.

وكان موضوع تقسيم سوريا أحد الخطط التي وضعها استراتيجيّو الصهيونية العالمية وفي إسرائيل، ففي استراتيجية إسرائيل منذ الثمانينيات، التي صدرت عن المنظمة الصهيونية العالمية عام 1982، وكتبها "يورم بيك" رئيس المنشورات في قسم المعلومات في هذه المنظمة، تقول الوثيقة:

"إن تفكيك سوريا والعراق لاحقًا إلى مناطق عرقية دينية، كما في لبنان، هو هدف إسرائيل الأول على جبهتها الغربية على المدى الطويل، بينما تفكيك البنية العسكرية لهذه الدول هو هدفها على المدى القصير.

إن سوريا ستتفتت، نظرًا إلى بنيتها العرقية والدينية، إلى دول عدة، كما هو حاصل اليوم في لبنان. وبالتالي، ستكون هناك دولة شيعية علوية على طول الساحل، ودولة سنية في منطقة حلب، وأخرى في دمشق معادية لجارتها الشمالية، بالإضافة إلى الدروز الذين سيقيمون دولتهم، ربما في جولاننا، ومن المؤكد في حوران وشمال الأردن.

هذا الأمر سيكون ضمانة للسلام والأمن على المدى الطويل، وهذا الهدف بالفعل هو بمتناول أيدينا اليوم."

(استراتيجية إسرائيل في الثمانينيات، عوديد يانون، من كتاب سامي كليب: الأسد بين الرحيل والتدمير الممنهج، ص 419).

ولذلك نقول إن المخطط الأمريكي الصهيوني الهادف إلى هزم سوريا وتدميرها — سوريا الشعب والوطن، وليس فقط النظام — وإخراجها من موقعها الوطني القومي المقاوم للمشاريع الصهيوأمريكية، يعود إلى عقود مضت، وما يحدث الآن في سوريا ليس وليد اللحظة.

وإحدى وثائق الاستخبارات الأمريكية منذ عام 1983 تقول إن من مصلحة واشنطن "وجود نظام سني في سوريا يسيطر عليه رجال الأعمال المعتدلون"، الذين — في نظر الإدارة الأمريكية — سيكونون موالين للغرب، بعكس النظام البعثي، إذ أنهم "سيسعون إلى استقطاب المساعدات والاستثمارات الغربية لتعزيز القطاع الخاص في الاقتصاد السوري، ما سيفتح الطريق أمام توطيد العلاقات مع الحكومات الغربية". وهذا ما يحدث الآن من خلال "الانفتاح الاقتصادي" بين سوريا والغرب ودول الخليج.

والآن، وللأسف الشديد، فإن الصهيونية والإمبريالية مستفيدتان من الاقتتال داخل سوريا، ومن الانقسام السني-الشيعي في منطقة الشرق الأوسط والأدنى. وللأسف الشديد، فإن تراجع — لا بل السماح — لإسرائيل بالقيام بأكثر من 500 عدوان جوي على سوريا، بدون رد فعل روسي، وبدون أي استخدام للصواريخ الروسية الموجودة في سوريا، كان واقعًا مرحّبًا به من قبل إسرائيل.

وبالنسبة لكاتب هذه السطور، فإن هذا الواقع يمثل خيبة أمل، لا بل إحباطًا، لأني كنت أتوقع أن يكون خلال سنوات التواجد الروسي في سوريا دور حاسم يردع سياسات غطرسة القوة والعدوان الإسرائيلي.

وتمزيق سوريا الآن أبعد روسيا عن أي تأثير ودور سياسي فعّال ومؤثر في المنطقة.

فهيمنة الإمبريالية الصهيونية على منطقة الشرق الأوسط سياسة مخطط لها منذ عقود، وللأسف، لاقت النجاح في سوريا.

ولكن كاتب هذه السطور مقتنع بأن الشعب السوري لن يتنازل عن وحدة الوطن والشعب، وعن نضاله من أجل نظام ديمقراطي علماني تقدمي، يرفض الطائفية، ويرفض هيمنة الإمبريالية المتصهينة على منطقة الشرق الأوسط.

وباختصار، كان الهدف الاستراتيجي للإمبريالية المتصهينة ليس فقط إسقاط نظام بشار الأسد، بل تمزيق سوريا، وقطع حبل السرة لمحور المقاومة، وليس محور الشر كما يدعي الغرب الإمبريالي والصهيونية العالمية، لأنهما هما محور الشر العالمي.

ومن طهران إلى بغداد إلى دمشق فبيروت، وصولًا إلى فلسطين، وللأسف مرحليًا، هذه الخطة نجحت في تحقيق هدفها في سوريا، ولكن لا يمكن أن تنتصر على شعوب المنطقة، ولا يمكن أن تقضي على صمود ومقاومة وبقاء الشعب الفلسطيني، ونضاله من أجل نيل حقوقه العادلة والإنسانية من خلال إقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس، وحق اللاجئين في العودة، فالاعتراف بإسرائيل في هيئة الأمم المتحدة كان مشروطًا بعودة اللاجئين.

مراجع المقال:

الشرق الأوسط وخرائط الدم – د. طارق عبود

أمريكا طليعة الانحطاط – روجيه جارودي

الاختيار: السيطرة على العالم أم قيادة العالم – زبيغنيو بريجنسكي

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية