غالب سيف عروبة الانتماء وانسجام الهويّات والأرض أولويّة الأولويّات: كلمات لا بدّ منها

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

جاءني يحمل مشروعاً، مشروع كتاب، عنوانه "حكايات نضاليّة قرويّة" وتحت العنوان كتب: أحداث، أحاديث، نضالات وحكايات"، وقد كان الكتاب بعد أن قرأت مضمونه ونقّحته ودقّقته لغويّاً أمينًا لما عنون المؤلّف وكتب. جاءني الرفيق الشيخ غالب سيف من "يانوح" العربيّة الدرزيّة الموحّدة بالله كسائر الناس، جاء يحمل مع مشروع كتابه همّه الوطنيّ الفلسطينيّ والقوميّ العربيّ والإسلاميّ والإنسانيّ، همّ المظلوم وشكواه من الظّالم الباغي، وكم عانينا جميعًا في شرقنا هذا المثخن بالظلم والمعاناة والجراح، ومع المعاناة والهموم حمل بارقة الأمل، حمل الانتماء بكلّ معانيه وتجلّياته ورسالاته. إنّه درزيّ موحّد، يعتزّ بهذا الانتماء الضيّق، ولكنّه يلفّعه بالانتماء الوطنيّ الفلسطينيّ الرحيب، وبانتماء عروبيّ وإسلاميّ أرحب، ومن ثَمّ بالانتماء الأمميّ الإنسانيّ الأرحب، الذي تترامى ظلاله الوارفة بعبق الحرّيّة والوطن والإنسان على مدى عراقة التاريخ وجمال الجغرافية.

لقد ذكّرني الرّفيق غالب سيف بمواقفه وطروحاته وموادّ كتابه بمواقف الزّعيم العروبيّ أوّلًا والسوريّ ثانيًا والدرزيّ الموحّد ثالثًا، ولم يكن أيّ درزيّ موحّد على مدى ما عرفت أكثر حبًّا وانتماء لطائفته الدرزيّة الموحّدة من سلطان باشا الأطرش، ولكنّه لم يتقوقع في ضيق شرنقتها، بل آزرها بالوطن السوريّ وهو الانتماء الراقي، وشدّ من متن الانتماء الوطنيّ بالانتماء القوميّ العربيّ، وهو الانتماء الأرقى. لقد كان نموذجًا يحتذى وقدوة تقتدى، ومن هذه المواقف البطوليّة والانتماء العظيم قاد الثورة السوريّة الكبرى كقائد أعلى للكفاح العسكريّ والسياسيّ ضدّ الانتداب الفرنسيّ، هذا القائد العظيم الذي لم تغْرِه الأطماع والمصالح الذاتيّة، لم يرضَ بدويلة درزيّة في جبل العرب، كجزء منتهش من الوطن السوريّ الكبير، وظلّت راية كفاحه ضدّ الظّلم والاستعمار خفّاقة حتّى انتصار سوريا كاملة، ولذلك زاره الرئيس العروبيّ الخالد أبو خالد، والمنتصر جمال عبد الناصر بثورة تمّوز على الانتداب البريطانيّ، وقد نعت الرئيس القائد الثائر بِ "أبي الثوّار". وقد اتّخذ الكاتب القائد سلطان نموذجًا للدرزيّ السوريّ والعربيّ الثائر على الظلم، وعندما تحدّث عن سيرته الذاتيّة ذكر غالب سيف العديد من النشاطات والفعاليّات التي قادها غالبًا وشارك فيها، وهو بذلك يقدّم نموذجًا للمناضل الثوريّ المنخرط بقضايا قريته، منطقته، طائفته، شعبه وأمّته، إيمانًا منه بالمقولة الثوريّة: "إنّ الثوريّ الحقيقيّ هو من يفكّر عالميًّا ويعمل محليًّا". ومن خلال انتمائه إلى الخطّ الوطنيّ التقدّميّ.        

الكتاب على ما فيه من أحاديث وحكايا ومقالات وخواطر يشكّل وثيقة هامّة لإدانة الظلم والظالمين، وهما في حالتنا الأطماع الصهيونيّة بهضم حقوقنا وسلب ثرواتنا ونهب كرامتنا على ترابنا العربيّ وانتهاك حرماتنا ومعابدنا وطمس شخصّيّتنا وتغييب انتمائنا وهويّتنا ومصادرة أرضنا بهدف إلغاء وجودنا وإقصائنا كعرب من عالمنا، من المشهد الشرق أوسطيّ، وفي الوقت نفسه يشكّل الكتاب سلاحاً بيد المظلوم العربيّ عامّة وفي كلّ المناطق والقرى والمدن، وليس بيد الدرزيّ الموحّد في الجليل وفي "يانوح" فقط، بل بيد المسلم والمسيحيّ في كلّ المناطق والقرى والمدن. والكلام عن درزيّ ومسلم ومسيحيّ كما تشتهي وتطمع الرّغبة والممارسة الصهيونيّة يثير شجونًا وآلامًا في النفس العربيّة، فالصهيونيّة ودعاتها وقادتها وأدواتها وأعوانها من بين ظهرانينا، لطالما أرادوا سياسة "فرّق تسد" التي تبعد الأخ عن أخيه والطائفة عن أختها والعائلة عن جارتها العائلة الأخرى في القرية نفسها، والعائلتان تشربان من بئر واحدة.

لم يكن الكاتب محايدًا وإن كان موضوعيًّا، ولم تكن الوثائق محايدة وإن بدت موضوعيّة، تنصف الحقائق التاريخيّة بما قدّمت من صور مصوّرة بالكاميرا وحقائق مكتوبة، سجّلت بالحبر المنحاز للتراب ودوّنت بالأحاسيس الجيّاشة للكاتب والقضيّة التي سالت على شكل لوحات رُسمت بنسغ الروح ودموع الكفاح، والّتي كان في صميمها عروبة الانتماء، نعم! ليست الوثائق صورة وسردًا محايدًا، فمصادرة الأرض ظلم واعتداء ونهب، يجب أن يقابل بتحالف وطنيّ وقوميّ وأمميّ واعٍ وصادق ومكافح ولا يلين ولا يساوم، وليس بحلف الدم الكاذب والمزيّف والمختلق، حلف يقضي بالفرقة والتشرذم بين العرب وتقسيمهم إلى فرق ومذاهب طائفيّة ليسهل التحكّم بهم كلّاً على حدة، وبخلق الفتن فيما بينها، وهو الأمر الذي أدركه الكاتب، وهو العقبة الكأداء أمام إنجاز المشروع الوطنيّ والقوميّ بإفشال المخطّط الصهيونيّ للاستيلاء على الأرض في "التوفانيّة" في يانوح – جث وفي "الزابود" في بيت جنّ وفي "الروحة" في أمّ الفحم، وهذه نماذج فقط، وذلك باسترجاع الحقّ وإعادة الثروات والممتلكات لأصحاب الأرض العرب الأصليّين، في المنطقة الصناعيّة "التيفن" لمنطقة نفوذ المجلس الإقليميّ أو المحلّيّ، وقد أشغلت هذه القضيّة وكتب عنها وأعادها كي يرسّخها في أذهان ووجدان المفرّطين بها من أبناء جلدتنا، وفي أذهان ووجدان المناضلين من جيل الكاتب والأجيال الناشئة كي لا تنطفئ جذوة الكفاح المثابر ولا تفتر العزيمة النضاليّة، وقد أعدّ لها الكاتب عدّتها كعارف عن كثب وعالم بكلّ التفاصيل ومدرك للفريقيْن: المكافح والمتخاذل.        

ولعلّ أسوأ ما تجلّت عنه الممارسة الصهيونيّة ضدّ الأخوة الدروز الموحّدين هي سياسة "فرّق تسد"، التي حذّر منها الكاتب مراراً وعمل على محاربتها وتجلّت عن سنّ قانون "التجنيد الإجباريّ" سنة 1956. وهو قانون صهيونيّ جائر، ما كان لينجح ويجري تنفيذه لولا تواطئ شخصيّات درزيّة، لها علاقاتها بالدوائر الأمنيّة الإسرائيليّة الرسميّة لتحقيق مصالح ذاتيّة واهية وأطماع شخصيّة خاصّة، ضيّقة على حساب الطائفة الدرزيّة بشكل عامّ، وعلى حساب الأرض والممتلكات والثروات الجماعيّة للأخوة الدروز الموحّدين العرب، وهو أمر نبّه له الكاتب في كثير من خواطره وموادّه المكتوبة، لأنّ الأمر يظهر الأخوة الدروز الذين هم من لحمنا ودمنا، يظهرهم كمرتبطين ومتعلّقين بالمؤسّسة الصهيونيّة، وينتمون إلى المؤسّسة التي ظلمتهم أكثر من الانتماء لأخوتهم العرب المظلومين مثلهم. وقد نادى الكاتب بشكل صريح من خلال انتمائه للحزب الشيوعيّ وللجبهة الديمقراطيّة للسلام والمساواة ومن خلال نشاطه ضمن لجنة المبادرة العربيّة الدرزيّة، نادى إلى اعتبار قضيّة الانتماء لدى الدروز ليست قضيّة درزيّة بل هي قضيّة عربيّة قطريّة، يكافح من أجل هذا الانتماء الأصيل للدروز الموحّدين كلّ المجتمع العربيّ ومعه القوى الديمقراطيّة والتقدّميّة بين اليهود. فمحاربة التجنيد لدى الأخوة الدروز نهج وطنيّ وعمليّة جماعيّة ومهمّة عربيّة وطنيّة واحدة.

ولعلّ ما أعاده وكرّره الكاتب مرارًا، ليس بهدف التكرار والإطالة بل بهدف توصيل الفكرة وترسيخها في الأجيال القادمة التي لم تعش التجربة بشكل عمليّ وحقيقيّ، ولذلك اهتمّ الكاتب بهذا الجانب وأظهر قدرًا من الاهتمام والتخوّف على الأجيال من الضياع في دروب من المجهول، ومن هنا ذكّر بضرورة توصيل هذه الوثائق لتلك الأجيال كي تدرك الأخطار الناجمة من التخاذل القاتل.

ولعلّ القضيّة التي تناولها الكاتب في محور كتابه وهي قضيّة الأرض وأصحابها من الفلّاحين، وفي صميمها ومن الطبيعيّ التمسّك بها، لأنّ الأرض للفلّاح هي الروح وهي القيم وهي العِرض، وفي التفريط بها انهيار لكلّ القيم الأخلاقيّة التي تربّى القرويّون على صيانتها كبؤبؤ العين، وهي القضيّة الّتي أضفت أجواء قرويّة تراثيّة على مادّة الكتاب، زيادة على أنّها قضيّة وطنيّة سياسيّة تتعلّق بالوجود والملكيّة والمصير المهدّد، وبالوجدان الفلّاحيّ المتشبّث بالتراب كقيمة معنويّة، عاطفيّة ورمزيّة. انبثقت هذه الأجواء من صميم التراب الفلسطينيّ ومن صخور جبال الجليل ومن عذوبة ماء وديانه ومن بساطة الحياة الفلّاحيّة وطيبة فلّاحيها، فجاءت على شكل كلام يفيض بروح القصّة الشعبيّة وفطرة الأمثال الشعبيّة وتجاربها العميقة. ولقد أدرك الكاتب هذه التجربة والفطرة وتعمّد الإتيان بها كي تخرج الحقائق والأحاديث مفعمة برائحة تراب الأرض والفلّاح والوطن.   

ولا بدّ من كلمة في الجانب الذاتيّ للكاتب الرفيق غالب سيف، فهو كما عرفنا من سيرته ومقالاته من عائلة فلاحيّة مناضلة، عرفت طريقها إلى اكتشاف الظّلم والظالمين وعرفت طرق الحقّ، ولذلك وجد الرفيق طريقه نحو الانتماء الأمميّ للحزب الشيوعيّ، ومن خلال صفوفه انخرط بالنشاطات الكفاحيّة ضد سياسة التجهيل والمصادرة والتمييز والعنصريّة والحرب، ولقد عانى الكثير جرّاء انتمائه ذاك، بالإقصاء والاتّهام بالتطرّف وبالإبعاد من الوظائف وغير ذلك من الممارسات الكيديّة الظالمة. وعلى المستوى الأسريّ لعلّ أشدّ ما عانى مؤخّرًا، كان هول المصيبة التي ألمّت به وبأسرته وعائلته الواسعة وأبناء "يانوح"، لم تعادلها أيّ مصيبة، وهي وفاة نجله الطبيب د. فوزي غالب سيف والذي تلقّى تعليمه في جمهوريّة كوبا الاشتراكيّة وتخرّج منها بامتياز وعاد إلى البلاد وعمل في مجال الطبّ، وكان من أنجح الأطبّاء العرب وغير العرب، رحل د. فوزي مأسوفًا على شبابه الغضّ وعلى نشاطه العلميّ المميّز، وقد بكاه الوسط العربيّ كلّه من النقب إلى الجليل، فإلى جنّة الخلد يا فوزي! وألهمك وأسرتك وألهمنا جميعاً الصبر أيّها الرفيق العزيز غالب "أبو سلمان"، ونرجو الله أن يسقيكم كؤوس الصبر ويلهمكم السلوان ويرعاكم بحسن العزاء، رغم فداحة المصاب.

وليس غريبًا بل من الطبيعيّ أن يخصّص الأب الثاكل فصلاً والكثير من الصور لابْنه الراحل الذي كان علامة مميّزة وفقدانًا لا يعوّض ليس لأسرته فقط ولا ليانوح ولا لطائفته بل للمجتمع العربيّ والفلسطينيّ. وليس غريبًا أن يجعل كتابه تخليدًا لروح ابْنه المرحوم الشهيد، الدكتور فوزي غالب سيف. رحمه الله وطيّب ثراه.

*مقدّمة كتاب حكايات نضاليّة قرويّة

*رئيس تحرير مجلّة "آفاق فلسطينيّة" والنّاطق الرّسميّ للاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية