هذا ليس شغلك... اهتم بما يعنيك. إذا تساهلنا مع سارق حفنة زيتون، نجعل الفلاحين يطمعون فينا، يسرقوننا وعيوننا مفتحة. العدل ملح الأرض! من يسرق يُعاقب، ونحن نعاقبه لأنه سارق.
ملح الأرض!؟ فكرت بالعدل الذي هو ملح الأرض!!! وبهذه العينة منه تساءلت: من الذي يعرف العدل ويطبّقه؟ القاضي موظف في السلطة، والسلطة بيد الأسياد، والعدل إذن عدلهم ولمصلحتهم، وليس للفقراء والمضطهدين أمثالنا.
بهذا يلخص كاتبنا الراحل حنا مينة، أيقونة الأدب العربي والسوري، ما أراد أن يرسله من مغزى ورسالة من خلال هذه الرواية الرائعة التي تتحدث عن معاناة عائلته التي هُجّرت قسرًا من لواء الإسكندرون إلى مدينة اللاذقية. وهي حكاية الجرح النازف لآلاف العائلات السورية التي هُجّرت بصورة همجية، بعد أن تم وبموافقة دولية منح تركيا هذا اللواء السوري الأصيل وتهجير أهله من دون أي اعتبارات إنسانية أو أخلاقية، بعد أن طُردوا من بيوتهم وأرضهم حفاة عراة، مجردين حتى من ملابسهم، لكي يتحولوا إلى لاجئين مشرّدين في مدينة اللاذقية وحواريها. وقد تطرّق الكاتب إلى هذه المأساة في أكثر من رواية، وهي تحمل همومه وهموم أهله وأبناء وطنه السوريين الذين أصبحوا لاجئين في أرض الوطن.
وهنا، في هذه الرواية، يروي قصة العذاب والمعاناة التي يواجهونها في سبيل الحصول على كسرة خبز وحبة زيتون من أجل استمرارية العيش والبقاء.
ونحن نقترب من موسم الزيتون، فهذه الرواية تروي مأساة هذه العائلة المكوّنة من أب وأم وأختين والكاتب نفسه، وكيف أجبرتهم قسوة الحياة على العمل بما يشبه السخرة لقاء فتات بالكاد يوفّر الحد الأدنى من وسيلة العيش واستمرار الحياة.
وكلما تعمّقتَ في قراءة هذه الرواية تجعلك تعيش الحدث وتتفاعل مع شخصياتها من عائلة الكاتب وغيرها من آلاف العائلات التي تتحول إلى وسيلة رخيصة يحوّلها الإقطاعي إلى أداة من أجل جني الأرباح وتكديس الأموال على حساب كرامة وعرق هؤلاء الغلابة والمعترين.
ويثبت حنا مينة أنه ابن بار وأصيل لشعبه السوري، وعلى الأخص لكل هؤلاء الغلابة والمعترين، من خلال وصف دقيق وواقعي لهرمية الأشخاص التي تتحرك مع الإيقاع الدرامي لهذه الرواية: عائلة الكاتب نفسه، وعمال المزرعة، وعلى الأخص أولئك الذين أوكلت إليهم مهمة جني وحفظ هذه الشجرة المباركة، التي تحوّلت بفعل أسلوب الاستغلال إلى لعنة على هؤلاء العمال الأجيرين، الذين هم مجرد وسيلة لإغناء أصحاب الكروم والسادة، الذين همهم الوحيد جني الثراء والأرباح حتى من دون أي تواجد فعلي لهم، لأنهم أوكلوا الأمر إلى طبقة من العملاء والمشرفين من أمثال المطعون والشوباصي والحراس المسلحين، الذين يستخدمون كل أساليب القمع والملاحقة تجاه العمال، أو بالمعنى الأوسع: عمال السخرة. يعملون وفق قواعد تشبه إلى حد كبير عمال وعبيد الإقطاع في ولايات الجنوب الأمريكي، وكيف تحوّل الإنسان إلى مجرد أداة لتحقيق الربح، من دون أي اعتبار لقيم أو أخلاق أو الحد الأدنى من إنسانية الإنسان.
«القطاف» هي رواية تعيش معك على مدار كل جملة وكل حدث، لأنها تغوص عميقًا في الهم الإنساني وصرخة مدوّية ضد الظلم ومن أجل تحقيق العدل. وكفى أن يستمر الإنسان في أن يكون آلة ووسيلة لتحقيق الغنى والربح على حساب كرامته وإنسانيته.
ولقد تحوّلت العديد من روايات حنا مينة إلى دراما تلفزيونية مميزة، مثل: نهاية رجل شجاع، المصابيح الزرق، والشمس في يوم غائم. وكنت أتمنى على المبدعين السوريين من مخرجين وممثلين أن يقوموا بتحويل هذه الدراما إلى مسلسل، لأنه يحمل من قيمه الإبداعية كل الإمكانات الدرامية التي من الجدير أن تتحول إلى أيقونات فنية تجسد فكر وإبداع هذا الكاتب العملاق، الذي سيبقى خالدًا في قلوب كل عشاق الفن والأدب الأصيل، خاصة أن تجربة الراحل حنا مينة أثبتت مصداقيتها في حمل هموم وطموحات الشعب السوري وكل المعترين المقهورين في هذا الوطن العربي.
وبعد يومين، غادرنا البورة، تركنا الريف وراءنا، وقالت الوالدة ونحن في الطريق إلى المدينة:
– تنذكر ولا تنعاد.
وقال الوالد:
– لعل الله يكتب لنا رزقًا في المدينة.
وقلت في ذاتي: «كانت تجربة مفيدة على كل حال».
أما الأخت فقد لزمت الصمت، لأنها كانت تشك في قدرة الوالد على الصدق والإقلاع عن الترحال، وفي خلاصنا من التشرد معه حيثما ارتحل.







.png)


.jpeg)


.png)

