لقد ساهم السرد، من خلال ضمير المتكلم، في خلق مواجهة مباشرة بين المتلقّي والشخصيّة المركزيّة المشارِكة في سرد الأحداث، التي بذلت مجهودا كبيرا في كشف ما يدور في عقلها وفي وجدانها، إثر التحوّل في شخصية الزوج وخروجه المتواتر من دائرة تحمّل المسؤوليات وميله إلى الانعزالية والخمول الذي أوصل الزوجة إلى مرحلة الجفاء. لقد نالت منى رضا الوالد، رغم معارضة الأم، ونالت رضا القارئ المتلقّي الذي يطّلع على صوت آخر هو صوت جاد، الرجل العاشق، الذي يروي في مذكراته التحوّلات في مشاعره تجاه منى، فقد بدا رجلا متّزنا يجمع بين العقل والعاطفة الصادقة، ويحمل في الآن ذاته رؤى فكرية تجعله أقرب إلى منى. وكأن المشيئة هي التي قادتهما وجمعتهما ليكونا معا، ويحققا ما قُدّر لهما، رغم اختلاف المذهب الديني، ورغم أن السيّدة كانت لا تزال مرتبطة بزواج من آخر.
إن الخلاف الحقيقي، أو بالأحرى الاختلاف قد برز في مرحلة معينة بين الزوجين، منى وكريم. وقد كشفت الشخصية المركزية رأيها وموقفها من زوجها من خلال الحديث مع صديقتها الاختصاصية النفسية، ومن خلال كتابة مذكراتها، ومناجياتها، وحواراتها الداخلية، مما جعل الحوار يتمركز بين منى والمتلقّي، الذي لم يسمع صوت الزوج، فكان صمته هو صوته الحاضر دون المشاركة الفعلية في أي حوار إلا نادرا.
إن اختيار الروائية هذا الأسلوب في كشف دور الزوج السلبي نابع، بلا شك، من موقفها المنحاز لصوت منى النسوي. فهل يعني ذلك أن الرواية مونولوجية؟ وهل مسّ ذلك بجمالية الرواية؟
لقد حُيّد صوت الروائية كلّيا في القسم الأكبر من الرواية، ولم يقع القارئ على جمل فيها تعليقات جانبية، كما هو متّبع في الرواية المونولوجية، تكشف عن تسلّل إيديولوجيا الروائي أو الراوي إلى الأحداث، بالذات في القسم الثاني منها، الذي يكوّن الحيّز الأكبر من صفحاتها، والأهم أن لا تعليقات أو تدخّلات خارجية تحيد عن مؤهّلات الشخصيات وقدراتها ومعارفها وصورتها، بل إن ما يأتي على لسانها يتناسب مع بنائها ورسمها. وفيما يمكن للمتلقّي أن يرى تسلّلا خفيّا وغير بارز للراوي وللروائي في الفصل الأول من الرواية، فإن الصراع في القسم الثاني منها كان أكثر بروزا وحدّة وأكثر وقعا وتأثيرا في القارئ، حتى ليبدو بوضوح أن القسم الأوّل هو عبارة عن تمهيد لما سيأتي في القسم الثاني.
لقد غلب صوت الراوية/ الشخصية المركزية على أي صوت آخر، ومع ذلك فإن الحوار بينها وبين الزوج خرج من إطار الداخل إلى الخارج، بحيث يقف المتلقّي بإزاء تناقضات حادّة ومواقف متضادّة، برزت في تصرف كلّ من الزوجين، ما جعل الرواية تبدو أنّها تسير بين المونولوجية والديالوجية، مع ميل إلى الديالوجية. بل إننا لنجزم أن الروائية نجحت في نقل الصراع إلى المتلقّين الذين سينقسمون بين مؤيد ومعارض لهذا الموقف أو ذاك. ولقد تمكّنت اللغة الوصفية الشاعرية من اختراق المتلقي والتغلّب على الصوت الواحد وتغييبه بل وإذابته لما تحمله من رموز وإشارات ودلالات وإيحاءات.
الزمن الروائي
للزمن دور مهمّ جدا في تشكيل البنية السرديّة للرواية وقد عدّه البعض العنصر الأهم في بنائها، إذ لا تقوم الرواية بغير الزمان. وكان من أوائل من التفت إلى هذا العنصر وعرف قيمته مدرسة الشكلانيين الروس التي ميّزت بين المتن الحكائيّ أو الفابولا والمبنى الحكائيّ أو السوجيت، فالمتن عندهم لا بدّ أن يتقيّد بزمن ومنطق يُنظِّم الأحداث التي يتضمّنها، وهو المادّة الأوّلية للحكاية كما يفترض أنها جرت على أرض الواقع، أمّا المبنى فلا يتقيّد بالقرائن الزمنيّة والمنطقيّة قدر اهتمامه بكيفيّة عرض الأحداث وتقديمها للقارئ كما ظهرت به في العمل، إنه بكلمات أخرى العرض الفنّيّ المنسَّق للعناصر المكوِّنة، وهو يختلف من قصّة لأخرى إذ ليس من الضروريّ أن يتقيّد بالترتيب الزمنيّ والحدثيّ للقصّة كما جرت في الواقع، أو كما يُفترض أنّها وقعت على أرض الواقع. ومن الوسائل الفنّيّة التي تستخدم في بناء السوجيت: الموازاة، التقديم والتأخير، الإيجاز، الاستطراد، الإرجاء. (لحمداني، 1991، ص21)
تكمن صعوبة دراسة عامل الزمن لاختلافه عن بقية عناصر الرواية مثل الراوي والشخصية والفضاء، فهذه عناصر يمكن تخيّلها وبناء تصوّر لشكلها وصورتها عبر اللغة وقدرتها على التوصيف. أما الزمن فنتعرف إليه من خلال تأثيره على هذه العناصر، وعلى بناء الحبكة، أثناء عملية تحرّكه الخفيّ.
كثرت الدراسات في الآونة الأخيرة حول الزمن ودوره المهم في بناء الرواية، ففي كل رواية زمنان رئيسيان: الزمن الخارجي الذي يؤطّر الأحداث، والزمن الداخلي الذي يبنيها.
الزمن الخارجي
هناك عدة أزمنة خارجية تتعلق بعملية القص، ما يهمّنا منها هنا هو الفترة التاريخية التي وقعت فيها أحداث الرواية ومدّتها. فقد أشرنا سابقا إلى أن الروائيّة دعاء زعبي لا تحاول الفكاك من سطوة البيئة وارتباطها بالزمان والمكان الواقعيّين، وهو ما يتكرّر في هذه الرواية أيضا. يمتدّ سرد الأحداث على فترة زمنية طويلة تبدأ من سنة 1969؛ أي بعد مرور سنتين على حرب حزيران (1967)، وتنتهي سنة 2020. فهل لهذا الإطار الزمني من أثر على مسار الأحداث؟
إنّ الموضوع الرئيسي في الرواية وما يرافقه من مواضيع ثانوية هي كلّها مواضيع اجتماعية بحتة، بحيث يمكن عرضها دون علاقة بأي حدث تاريخيّ أو سياسيّ. لكن يبدو أن الظروف السياسية التي مرّ بها الفلسطينيّ، ولا يزال، منذ أكثر من قرن، باتت تلازمه كظلّه؛ فإن أحبّ أو تزوّج وولد ابنا، أو إن بنى بيتا أو زرع شجرة فإنّ كلّ ذلك لا بدّ أن يتداخل بطريقة أو بأخرى مع الأحوال السياسية، وكأنّ الأمور الاجتماعية التي تشغل الفلسطيني لا تتحرّك إلا في إطار السياسة التي دخلت حياته من الأبواب والشبابيك، وعبر الهواء والماء في كل زمان ومكان، حتى ليبدو وكأنّ التعارف بين الشاب من الميمونة والصبية التي من القدس ما كان ليحصل لولا هذه الحرب (حزيران 1967) التي كان من مفارقات نتائجها الجمع بين فلسطينيّي ال 48 وفلسطينيّي ال 67.
تسرّبت الأحداث السياسية، كما ذكرنا، من الباب الخلفي بسلاسة، وجمعت بين الحبيبين، في الفصل الأول من الرواية، وكشفتْ بعضَ التفاصيل التي تُبيّن ما تسبّبت فيه الحرب من أذى لسكان الأراضي المحتلة سنة 1967. أما في القسم الثاني من الأحداث الروائية التي تشمل الموضوع الأكثر أهمية فإن فاعلية الزمن الخارجي كادت تختفي عن ناظريّ المتلقي، وإن كانت ولادة الشخصية المركزية، منى، "في السادس من أكتوبر عام 1973" (الرواية، ص55)، إلى أن كانت النهاية مع عزف الطفل رامي ابن الشخصية المركزية، منى، الذي يعاني من اضطراب طيف التوحد، وتزامُن ذلك مع خبر مقتل الفتى الفلسطيني إياد الحلّاق سنة 2020 الذي كان يعاني من اضطراب طيف التوحّد، إثر إطلاق جنديّ إسرائيليّ النار عليه.
لقد جمع الحب في الفصل الأول بين شاب وصبية من بيئتين فلسطينيتين مختلفتين، فتزوجا وبنيا عائلة. تابع الأبناء مسيرة الآباء، بعد أن سار الزمن إلى الأمام خمسة عقود، وكأنّ لا شيء قد تغيّر. وكما وحّد الحبّ أبناء الشعب الواحد في ظل الاحتلال فقد جمع الهمّ والأسى بينهم أيضا، وتذوّقت الأجيال الصاعدة الوجع ذاته والظلم ذاته. لم يكن اختيار زمني البداية والنهاية عفويّا، فقد جاءت النهاية لتؤكّد على أنّ الاحتلال الذي بدأ قبل خمسة عقود ونيف، هو السبب في مقتل هذا الفتى، وأنّ الفلسطينيّ يبدع وينتج ويعزف أجمل الألحان بالرغم من هذا الإطار الضيق والصعب. وفي ظل هذه الظروف القاسية كانت النهاية التخييلية التي تصل تخوم الفانتازيا، تحمل الأمل والنور المنبثق من وسط الظلم والظلام: "في هذه اللحظة تحديدا يُسمع دوي انفجار عنيف تهتزّ له أرجاء البلدة القديمة ومحيطها، تضيء السماءَ بنور يخطف الأبصار لم تشهد مثله القدس من قبل، وينطلق صوت من كنيسة القيامة يصيح من بعيد:
أيّها الناس، يا أهالي القدس.. إنها إشارة من السماء تبشّر بفرح عظيم قادم سيملأ بيوت القدس وزقاقاتها عدلا ومسرّة وحبورا. فلتهللوا معي أيها الناس... هللوا معي وردّدوا... لتكن مشيئتك". (نهاية الرواية، ص207)
بدأت الأحداث من القدس وانتهت بها، وبالتحديد من كنيسة القيامة وفي عيد القيامة، وانتهت بصوت ينادي من كنيسة القيامة بالذات، بما يحمله هذا الاسم من دلالات وإشارات. تجب الإشارة هنا إلى أن ذكر أحداث من أرض الواقع هو جزء من التخييل، ومن شأن ذلك أن يثير القارئ ويجذبه ويشوّقه لمتابعة ما يجري. حتى ليبدو وكأنه مشارك في الأحداث، فتتحقق إحدى وظائف الراوي الرئيسية إقناع القارئ بوجهة نظره.
إن كان هذا هو الزمن الواقعي أو ما اصطلح بعض الدارسين على تسميته "زمن القصة" الذي يمتد على عقود خمسة ونيف، فكيف وزعته الروائية في "زمن الخطاب"؟
الزمن الداخلي
نذكّر مرة أخرى أن الرواية عبارة عن قسمين رئيسيّين يبدأ الأول من سنة 1969 وينتهي مع ولادة الابنة منى سنة 1973، وبالتحديد في أجواء حرب أكتوبر من تلك السنة. أما القسم الثاني فيمتدّ من سنة 1973 وينتهي سنة 2020. تختلف زاوية الرؤية السردية بين القسمين، إذ يسرد الراوي الكليّ المعرفة، عبر ضمير الغائب، كل الأحداث في القسم الأول من الرواية مسيطرا على كلّ صغيرة وكبيرة غير ملتزم بالتسلسل الزمني التعاقبي، موظّفا تقنيّات عدة تساهم في التقديم والتأخير مثل الفلاش باك والمناجاة والحلم، ما أتاح له التنقل بين الأزمنة بسهولة، ولعل خير مثال على ذلك ما جاء في الصفحات الأولى من الرواية، حيث تبدأ الأحداث من زمن متقدّم نرى فيها الزوجين سعيد وروز يصلان إلى الكنيسة لنيل بركة الكاهن، ثمّ في الصفحات التالية يكتشف القارئ أن هذه الزيارة جاءت إثر حلم أزعج الأم الحامل قبل ليلة فقرّرت أن تقوم بزيارة إلى الكنيسة. يتكرّر ذلك على مدار الرواية، ما يثبت أن الروائية تجنبت السرد الزمني الذي اتبعته الروايات الكلاسيكية ونحت باتجاه تكسير الزمن في التقديم والتأخير وخلق المفارقات السرديّة التي قد ترهق القارئ، من ناحية، لكنها تقتل الرتابة، من ناحية أخرى، وتجذب المتلقي وتشدّه لمتابعة الأحداث وملء الفراغات. إن هذه التقنيات، بإيجاز شديد، هي عامل تشويق مهم جدا في مبنى الحكاية وسردها الروائي.
ولو تتبّعنا المبنى الزمني الكليّ لهذا القسم لوجدنا أن الأحداث تبدأ من الأقرب مستغرقة ست سنوات يتنقل فيها السرد بشكل ملتوٍ بين الحاضر والماضي بشكل متقطع، يبطئ أحيانا ويسرع أحيانا أخرى.
تتسلّم الشخصية المركزية السرد في القسم الثاني من الرواية، كراوية مشاركة في الأحداث، من نقطة زمنية متقدمة، بعد أن لجأت إلى تقنية الحذف (القطع): "ولدت في السادس من أكتوبر عام 1973، أي قبل حوالي أربعة عقود من اليوم" (الرواية، ص55). تكشف فيه عن تأزّم العلاقة بينها وبين الزوج، موظّفة جميع التقنيّات التي وُظِّفت في القسم الأول من الرواية، لكن من زاوية نظر داخلية. أتاحت هذه التقنيّة للراوية أن تتحرّك بسلاسة بين الأزمنة وأن تكسر أفق توقّعات القارئ الذي ينتظر بشوق ما يمكن أن يحدث في الصفحات التالية، ومسبّبات ما قد حدث. واللافت فعلا أن عدد الصفحات التي تمتد من الفصل الثاني حتى السادس تبلغ مائة وثماني وأربعين صفحة من أصل مائتين وسبع صفحات (انظر الرواية: ص، 51-199) لا تستغرق الأحداث فيها إلا بضعة أشهر، وهي مدة زمنية قصيرة إذا ما قيست بزمن القص الذي يربو على عقود خمسة، لكنّه يبدو طويلا جدا لأنه زمن نفسيّ أكثر منه زمن واقعيّ، يصوّر ما يدور من قلق وأرق وتردّد في داخل الشخصية المركزية. يتلو ذلك ما أطلقت عليه الروائية "فصل الختام" الذي يمتدّ على أقل من خمس صفحات، ويستغرق ثماني سنوات، لذلك تكثر، هنا، الإشارات إلى مرور الزمن في هذا الفصل القصير بالذات: "بعد مرور عامين على ذلك الزمن" (الرواية، ص 203)، "بعد مرور ست سنوات" (الرواية، ص205).
تساهم التقنيّات السرديّة، مثل الفلاش باك، والمناجاة، والذكريات، إضافة إلى ذكر تواريخ بعينها، في عملية الإيهام بالواقع، ويرافق المتلقّي الراوية في زمن السرد ومفارقاته متحرّكا من الزمن الحاضر، تارة إلى الوراء، وأخرى إلى الأمام، لكنّ الفارق كبير بينهما، حيث إنّ الراوية هي التي تحرّك المتلقّي حين تكشف له معلومة وتخفي أخرى، فيزداد تشوّقا لمعرفة ما تخفيه، أو ما قد يحدث. وتقوم لغة الوصف الشاعرية التي وظّفتها الروائية في تحريك الزمن. ولنا على ذلك أمثلة عدة، نكتفي بالنصين التاليين اللذين يكشفان عما يدور من تبدّل وتحوّل في مشاعر منى:
"عدنا ثلاثتنا إلى بيتنا. إلى العشّ الذي كان يوما هو الأجمل قبل أن يصفعنا الزمن صفعته المدوّية ويقلبنا رأسا على عقب. كان البيت باردا جدا حين دخلنا. برودة لئيمة تنخر في عظام القلب والروح وفي كل تفصيل صغير حولنا...". (الرواية، ص107)
"بضعة أيام من تغيّبي عنها، ومطر طفيف زارها أمس وأول أمس، كانا كفيلين بإشعال تغيّر ملحوظ في الأجواء المتاخمة للنبعة [...]. أقوم بفتح نافذة السيارة لأبدأ رحلتي مع نفسي ومع الطبيعة. بعض الأشجار قد تعرّت من أوراقها، وأخرى غيّرت ألوانها، وأوراق كثيرة تطايرت وتناثرت هنا وهناك محدثة خشخشة خفيفة في الجو وصلتني سمفونية ربانية في غاية الجمال. السماء داكنة قليلا تكسوها بعض الغيوم الرماديّة، وشمس أيلول تصرّ على الخروج مشرقة من دكنة الغيم مغسولة ببعض أمطار غيم أمس". (الرواية، ص133)
هناك فرق بين "العش" و"النبعة"، فالأول مكان باهت وبارد وجاف، والثاني مكان هادئ وساحر وملهم. في الأول يعيش الزوج، وفي المكان الثاني يتواجد الحبيب. هذا الوصف المكاني يحمل في داخله إشارات إلى تبدّل ليس فقط في الشكل وفي المشاعر، بل هما زمنان مختلفان أيضا، الأول هو السابق، والثاني هو اللاحق، من ناحية، كما أن ما كان عليه المكان لم يعد كما كان، من ناحية أخرى. لقد وظّفت الروائية التوصيف المكانيّ للحديث عن التقدم في الزمن، بديلا عن وسائل وتقنيّات فنية معروفة مثل "الخلاصة" أو القطع"، أو استعمال ظرف الزمان، مثل بعد وقبل، للإشارة المباشرة إلى الدخول في زمن جديد. إن التوصيف المكاني، هنا، ليس توصيفا لمكان ثابت وجامد بل هو، في الحالتين أعلاه، أشبه بالتصوير السينمائي الذي يشير إلى حركة الفعل وإلى تبدل في الزمان.
إن تكسير الزمن وعملية التقديم والتأخير زادت من منسوب التشويق لدى المتلقي، وقتلت عملية الرتابة لأن توظيف هذه التقنيّات التي أشرنا إليها تفعّل المتلقي فيتحوّل إلى متلق إيجابي لا مجرد متفرج جانبي.
خلاصة
تطرح دعاء زعبي موضوعا شائكا ومثيرا وحسّاسا، عرضتْه على القرّاء مكشوفا دون مواربة ودون أغطية تستره أو تخفيه، مما يفتح باب الحوار على أوسع أبوابه. وسواء قصدت ذلك أم لا فإن الموضوع من شأنه أن يثير حوارات مستفزّة بين مؤيّد ومعارض. لم تذهب الروائية بعيدا للبحث عن موضوع تطرحه، بل دخلت في عمق قضايا الأسرة وما يشغلها في حياتها اليومية. ومما جعل الموضوع حارقا وحسّاسا هو إقحام قضيّة طيف التوحّد وما يجلبه من تبعات وتأثيرات على العائلة كلها.
"لتكن مشيئتك" رواية اجتماعية، تطرح أكثر من موضوع واحد، يقع في صلبها موضوع التفاهم بين الزوجين، الذي يقاس من خلال التجربة الحياتية، وبالذات، في وقت الشدائد والأزمات. إن الدعامة الأولى لاستمرارية هذه العلاقة تقوم على الحب والتفاهم بكل ما تحمله هاتان الكلمتان من معان واسعة، أما في حال ضعفهما أو تلاشيهما فإن كلا من الزوجين لا بد أن يبحث عن ذاته في مكان آخر وعند شخص آخر.
تنتمي كل الشخصيات المحوريّة في الرواية للطبقة المتوسّطة من سكان المدينة، وبالتالي فهي كلّها، دون استثناء، شخصيات متعلّمة ومثقّفة. يتجلّى ذلك من خلال تصرّفاتها وملبسها وحواراتها. إن انتماء الأب والأم لهذه الطبقة الوسطى المثقّفة جعل عملية انفصال ابنتهما عن زوجها المسيحي وارتباطها بعلاقة زواج من رجل مسلم سهلة نسبيا. ورغم معارضة الأمّ هذه الخطوة إلا أنّ ذلك لم يوصل إلى القطيعة، كما يحدث عادة في مثل هذه الحالات، إذ سرعان ما رقّ قلبها وقبلت بالواقع.
تدور أحداث الرواية في ظل واقع سياسي ذي تأثير كبير على الإنسان الفلسطيني. وبالرغم من أن الموضوع الرئيسي لا يمتّ إلى السياسة بصلة، إلا أنها تسرّبت من الباب الخلفي؛ إذ مهما تحاشى الروائي الفلسطيني واقعه فإن ذلك سرعان ما يقتحم البيوت وساكنيها. إن التأطير التاريخي أضفى على الأحداث صبغة واقعية ساهمت في عملية الإيهام بالواقع، وتقريب الخيال من الحقيقة.
تمكنت الروائية أن تتيح المجال للشخصيات بالذات في القسم الثاني، القسم الأكبر من الرواية، أن تتحدّث بصوتها هي وبلغتها هي، وقد ساهم أسلوب المونولوج والمناجاة والفلاش باك، فضلا عن أسلوب كتابة المذكّرات من تعزيز تعدّد الرؤى وكشف مميزات الشخصيات من الداخل والخارج، دون تعليق من الراوي أو الروائي، ما ساهم في تحييدهما بشكل ملموس وفتح الباب لتعدّد الأصوات وتعدّد اللغات، إذ يمكن للمتلقي الذي يعاين اللغة بتروّ أن يقع على فروق تمايز بين صوت الراوي عبر ضمير الغائب ولغته، وبين صوت الراوي بضمير المتكلم ولغته، فالراوي بضمير الغائب تغلب عليه اللغة التصويرية الخارجية، التي تنقل الأخبار إلى المتلقي بصورة أكثر مباشرة، فيما أن لغة الراوي بضمير المتكلّم أكثر وجدانية.
اعتمدت الروائية وسائل فنية تساهم في تكسير الزمن مما يثير القارئ ويحثّه على متابعة القراءة ومحاورة النص، كما ساهمت اللغة الإيحائية التصويرية في عرض مشاهد متحرّكة أشبه بالمشاهد السينمائية، ما يجعل الرواية قابلة لتحويلها إلى فيلم سينمائي، أو إلى عمل مسرحي، بفضل الوصف الدقيق والتأثيث المكاني الذي يشبه الديكور المسرحي. (انتهى)
/المصادر والمراجع
زعبي، دعاء. لتكن مشيئتك. دمشق: دار ورد، 2025.
بوطيب، عبد العالي. "مفهوم الرؤية السردية في الخطاب الروائي بين الائتلاف والاختلاف". فصول مج 11 ع 4 (1993)، 68-76.
تودوروف، رولان، وأوئيليه ريال. عالم الرواية. ترجمة نهاد التكرلي. بغداد: وزارة الثقافة والإعلام، 1991.
عزام، محمد. "الراوي والمنظور في السرد الروائيّ". موقع ديوان العرب. (21.4.2016).
قاسم، سيزا . بناء الرواية، القاهرة: الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1984.
قاسم، سيزا. مقدمة ترجمتها لمقالة فكتور شكلوفسكي، "بنية الرواية وبنية القصة القصيرة"، فصول، مج 2 ع 4 (1982)، 33-34.
لحمداني، حميد. أسلوبية الرواية- مدخل نظري. الدار البيضاء: منشورات دراسات سال، 1989.
لحمداني، حميد. بنية النص السردي -من منظور النقد الأدبي. بيروت: المركز الثقافي العربي،1991
مرتاض، عبد الملك. في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد. الكويت: سلسلة عالم المعرفة، 1998.
يقطين، سعيد. تحليل الخطاب الروائي. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1989.
Kenan, S. R. Narrative Fiction, Contemporary Poetics. London: Methuen, 1983.
Selden, Raman. A Readers Guide to Contemporary Literary Theory. Great Britain: The Harvester Press, 1985.
Wellek, Rene, Warren, Austin. Theory of Literature. Harmondsworth: Penguin Books Ltd, 1966.







.png)


.jpeg)


.png)

