يا دار ما دخلكِ شرّ

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

قصة قصيرة:

أنهى دحّام دراسة الثانوية العامة دون أنْ تطأ قدماه يومًا أرضا خارج بلده. وحدها الأقدار ساقته إلى أوكرانيا ليتخرّج طبيبًا في إحدى جامعاتها، وهي ذاتها التي كتبت له أنْ يولد ويكبر ويحتفل بزفافه هناك على كتف الصحراء غير بعيدٍ عن العاصمة، حيث غرست قبيلة الشيخ سطّام مضاربها منذ قرون على أرض اختلط ترابها بدم فرسانها وهم يصدّون عنها الغزاة، يوم لم تكن هناك دولة لها شعب تحميه.

في هذا المكان أقام الشيخ سطّام وليمةً كبرى ذات ليلة ربيعية احتفالًا بزواج ابنه الدكتور دحّام. لم يكن المدعوّون من القبيلة أو من القبائل المجاورة فحسب، بل جاءوا من العاصمة أيضًا: وزراء وأعيان، قادةُ أحزاب، رؤساءُ شركات كبرى، ومديرو مصارف. وحضر كذلك أناسٌ بعيدون عن السلطة والمال، بينهم أصدقاء دحّام القدامى. قرّبهم الشيخُ من مجلسه، فهم جزءٌ من المكان لا طارئون عليه. لقد اعتادوا زيارته في إجازاته الصيفية، وبعضهم زامله في المدرسة أو في دراسة الطب.

علا صوت الطبول، وانتظم الرجال في صفوف الدبكة. تداخلت الأهازيج في حلقة السامر مع الزغاريد التي تمرّدت على خيمة النساء. ومع الحماسة، أخرج الشبان بنادقهم: إيه كيه 47، إم 16، وغيرها، ولوّح بعضهم بمسدسات غلوك وبريتا. تناغم هدير الأقدام مع أزيز الرصاص، حتى غطّى دويّ الطلقات على قرع الطبول.

اقترب سامي، العائد من حلقة الدبكة، من الشيخ سطّام، حيّاه وقال:

– والله يا شيخ، الشباب الليلة لم يقصّروا، أشعلوا السماء نارًا… صارت مثل القليّة. اسمح لي، طال عمرك، أسأل: أما تخشون نفاد الرصاص؟

ابتسم الشيخ سطّام وردّ بثقة وهو يهزّ رأسه:

– إذا نفد الرصاص يا "وليدي"، فمخفر الدرك القريب لا يبخل علينا.

كان زفاف دحّام مهيبًا بحق. قبل الأهازيج والحداء جاء الغداء: مناسف لا تُعدّ ولا تُحصى، حملها الشباب من خيام الطهي إلى الصواوين التي امتلأت بالرجال عن بكرة أبيها. بعض الفضوليين توقّف عن العدّ عند الخمسمائة، وبعضهم واصل حتى التسعمائة، ومنهم من أقسم أنّها تجاوزت الألف. تبعتْ ذلك صحون الحلوى ودِلال القهوة التي تعبق برائحة الهيل. بعد انتهاء الحفل، غادر المدعوّون المكان محمّلين بأجمل الذكريات، وألسنتهم تلهج بالثناء وتبارك للشيخ سطّام وابنه دحّام.

أيام مضت، وجلس أصدقاء دحّام القدامى في مقهى "زبّطناكم" وسط العاصمة. أوراق "التريكس" مبعثرة على الطاولة، وكؤوس الشاي تفوح منها رائحة النعناع، ودلال القهوة تعبق بالهيل.

قال سامي وهو يستعيد حديثه مع الشيخ:

– هل تذكرون ردّ الشيخ يوم العرس؟ الرصاص إذا نقص… فمخفر الدرك عند مدخل القرية كفيلٌ بتعويضه.

أخذ سامر رشفةً من كأس الشاي، وأخذ الكلام:

- جلستُ يومها على طاولة مع بعض المعازيم الذين أمضوا معظم الوقت يتحدثون في السياسة. قال أحدهم: الشباب الليلة فتحوا جبهة، عليم الله أطلقوا رصاصًا أكثر مما أطلقتْ كتيبة من الجيوش العربية في حرب سبعة وستين. وأضاف: القبيلة لا تعاني من نقص في الرصاص، لكن الأحزاب تعاني من نقص في الأعضاء. دافعية الناس للانضمام إليها ضعيفة، فما زالت ذاكرة الأحكام العرفية حيّة، وبعض الكبار الذين طالتهم تلك الأحكام يحذرون أبناءهم: لا تصدقوا الحكومات. الأحزاب العلنية قد يحولونها في لحظة بابا للسجن.

وتابع آخر:

- إنهم لا يكتفون بذلك، خاصة مع اليساريين. على مشاركةٍ في وقفة احتجاجية أو منشور حادّ على الفيسبوك، يستدعون الشاب لشرب فنجان قهوة، كما يقولون، ثم ينفثون رسالتهم: يبدو أنّك تحبّ الظهور على وسائط التواصل الاجتماعي وإطلاق الكلام على عواهنه. أمورك طيبة حتى الآن، لكن انتبه لنفسك.

قاطعه ثالث:

– يا رجل، الأمر أبعد من هذا. صديقي موظّف كبير في مؤسسة حكومية أسرّ لي: انتبهوا، فهم يتتبعونكم. دعوني قبل مدة لشرب فنجان قهوة، ومن هون كلام ومن هناك سلام، ثم سألني "مُضيفي" بلطف عن ابني محمد ودراسته في الجامعة. عدّلت جلستي، محاولا إخفاء حنقي، وأجبت باقتضاب: مبسوط في تخصصه. تجنّب النظر إلي وقال: ممتاز، لكن ربما تحبّ أنْ تعرف أنّ محمد مع الحزب الشيوعي؟ قلت له: وما المانع؟ مرخّص وتحت أعينكم. هل تريد أنْ أنصحه بترك الحزب؟ ابتسم وقال بصوتٍ خافت: نحن لا نُملي عليك. أنت أبّ، وأنت أدرى بمصلحته.

قهقه حسّان وهو يرمي لسامر عشرة ديناري، وقال:

  – صدّقني الحكومة لا تريد الأحزاب أنْ تموت، بل تريدها ديكورًا فقط لإضفاء مسحة ديموقراطية على الحياة السياسية. وإذا نقص حزبٌ يحبّونه مئة عضو عن العدد المطلوب لاستمرار ترخيصه … زوّدته الحكومة بالتنسيق مع المعنيين بالمطلوب من عندها.

رفع صادق حاجبيه متعجبا: وكيف تزودهم بمئة عضو؟ أهي تعمل عندهم؟

ضحك حسّان، وأجاب وهو يلوّح بالترَس:

– يا رجل، الأمر أبسط مما تظن. يكلّفون أحد المتنفذين من جماعتهم. وبدل المئة يجعلها مئة وخمسين، ويذهبون واحدًا واحدًا إلى المقرّ ويملؤون استمارات العضوية. بل إنّ بعض الأحزاب تضع استمارات انتساب على الإنترنت: يملؤها الشخص، ويرفق معها صورة هويته، ويصبح عضوًا بعد مقابلة شكلية، وهكذا تُحلّ أزمة الحزب… ويا دار ما دخلك شرّ.

قهقه مالك، وقال :

ربّما لا ينتظرون أنْ ينقص العدد أصلًا عند بعض الأحزاب، فيتسللون إلى صفوفهم بالعدد الذي يريدون، وبعد سنتين أو ثلاث، يصيرُ هؤلاء قادة يُحسب لهم ألف حساب. فعلوها أيام الأحكام العرفية، لكنّ المهمة كانت أصعب! على أية حال، السرّية اليوم لم تعد مسألة معلومات فقط، بل إدارة ويقظة. وكما يعمل الخصم، على الحزب أنْ يظلّ يقّظًا يحافظ على أمنه الداخلي. وعندها لا يهم إنْ انضمّ مئة أو استقال خمسون.

لاحظ سامي أنّهم غرقوا في السياسة، فصاح:

اسمعوا! نحن لم نهرب من نسائنا يوم الخميس كي نخوض في السياسة. دعوا هذه الليلة تمضي على خير.

مرّ النادل يحمل صينية صغيرة عليها الوجبة الثالثة مما طلبوه من مشروبات. وهناك في زاوية المقهى كان التلفاز يبثّ نشرة أخبار لا يتابعها أحد. أما الرؤوس فأطاعت العيون التي راحت تتفحص أوراق اللعب علّها توحي لصاحبها بالقرار.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية