كوريا الجنوبية تمنح العمال الهشّين حق المفاوضة الجماعية بعد 20 عاماً من النضال
سبق وتابعنا العديد من النضالات النقابية التي قادتها الحركة النقابية في كوريا الجنوبية، ومنها تنظيم إضراب عام ضد إعلان الأحكام العرفية من قبل الرئيس يون سوك يول، مطالبًا بعزله، في كانون أول 2024.
إلا أن هذا النضال لم يتوقف على الجانب السياسي فقط، بل قادت الحركة النقابية الكورية العديد من النضالات النقابية في مختلف المجالات، ونظمت الإضرابات المطلبية، ووقفت هذه الحركة في مقدمة تلك النضالات من إضرابات ومظاهرات، جرى قمعها بالعنف السلطوي، واعتقال القادة النقابيين وتقديمهم للمحاكم، في محاولة لردعهم وثنيهم عن مواصلة النضالات النقابية، إذا كان ذلك في القطاع العام أو في القطاع الخاص الذي تسيطر عليه كبرى الشركات والقوى الرأسمالية الكورية.
/تحقيق نصر نقابي بعد نضال دام 20 عاماً
أقرت الجمعية الوطنية في كوريا الجنوبية تعديلات على المادتين 2 و3 من قانون علاقات العمل وتسوية المنازعات العمالية، وهو القانون الأساسي المنظم لعلاقات العمل. وجاءت التعديلات بثلاث إصلاحات رئيسية:
توسيع تعريف “صاحب العمل": كانت الشركات الكبرى تلجأ إلى التعاقد الشخصي مع العامل أو التشغيل غير المباشر للتهرب من المسؤولية. الآن أصبح على المقاول الرئيسي أو الشركة المتعاقدة التفاوض مباشرة مع العمال غير النظاميين والعمال عبر المقاولين.
توسيع نطاق “النزاع العمالي": في السابق كان النزاع العمالي يقتصر أساساً على الأجور وساعات العمل. الآن يشمل أيضًا قضايا إعادة الهيكلة، والفصل من العمل، ونقل مواقع العمل.
تقييد مسؤولية النقابات عن الإضرابات: لطالما استخدم أصحاب العمل دعاوى التعويض بمبالغ طائلة لإرهاب النقابات ومنعها من التحرك. بموجب التعديل الجديد، لم يعد بإمكان أصحاب العمل المطالبة بتعويضات ضخمة ضد النقابات والعمال بسبب الإضرابات.
//اليوم ليس نهاية، بل بداية جديدة
وعن هذا الإنجاز أصدرت كونفدرالية نقابات العمال الكورية (KCTU) بياناً لها يوم 24 آب/أغسطس 2025 تؤكد فيه:
"أن اليوم ليس نهاية، بل بداية جديدة. حتى نضمن حقوقاً عمالية شاملة لكل العمال، وحتى نكسر قيود اللامساواة، وحتى نفتتح عالماً يكون فيه العمال هم السادة، فإن نضالنا لن يتوقف.
لقد كنا شهوداً على صناعة التاريخ. وصلنا إلى هذه اللحظة عبر الدماء والعرق والتضحيات. والطريق أمامنا لن يكون أسهل. ومع ذلك، ستواصل الكونفدرالية النقابية التقدم بخطوات ثابتة حتى النهاية. ضد كل القوى التي تدوس حقوق العمال، سنسير قدماً نحو تحرير أعظم وأكمل".
وأضافت في بيانها: "لأول مرة، يؤكد القانون بوضوح حقيقة بسيطة: لكل عامل الحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية مع صاحب العمل الحقيقي. هذه القاعدة، التي طالما أُنكرت، أصبحت أخيراً منصوصاً عليها في القانون. وعلى هذا الأساس، سنمضي قدماً نحو توسيع حقوق العمال بشكل أكبر.
تُعلن الكونفدرالية النقابية (KCTU) فوراً عن إطلاق الحملة لتحقيق حق المفاوضة الجماعية مع أصحاب العمل الرئيسيين. واعتباراً من مارس/آذار 2026، حين يدخل التعديل حيّز التنفيذ، سنضمن أن يعيش روح القانون ويتنفس في كل مكان عمل. ولنجعل من عام 2026 “عام الحقوق العمالية الأساسية للعمال الهشّين”، سنخوض نضالاً شاملاً لضمان حقوق المفاوضة وتوسيع صفة العامل القانونية".
كما أصدر اتحاد نقابات العمال الكوري (FKTU) وهو القوة النقابية الثانية في البلاد، بياناً أيضاً يرحب فيه بهذا النصر وأنه سيواصل النضال من أجل تحقيق وتنفيذ بنود القرار. وأصدر الاتحاد الدولي للنقابات العمالية في منطقة آسيا ومقره أيضاً في بروكسل بيانات تُشيد بهذا النصر النقابي، وفي بيان الأخير جاء ما يلي:
//لماذا هذا النصر مهم؟
بالنسبة للعمال: العمال غير النظاميين (المؤقتون، المتعاقدون، عمال المقاولات) يحصلون الآن على قوة تفاوضية وحماية قانونية حقيقية.
بالنسبة للنقابات: يمكنها تنظيم الإضرابات والنضال العمالي دون الخوف من الإفلاس بسبب التعويضات الباهظة.
على مستوى الديمقراطية وحقوق العمال عالميًا: يُعتبر هذا الإصلاح محطة تاريخية في مواجهة العمل الهش وأساليب الشركات في التهرب من المسؤولية.
وكانت الخلفية التاريخية لهذا الموضوع تعود إلى النضال والإضراب لعمال شركة “سانغيونغ موتور” عام 2009، حيث جرى تجريم العمال المفصولين غير النظاميين، وفرضت عليهم مطالبات تعويض ضخمة، وانتهى الأمر بوفاة بعضهم انتحارًا تحت الضغط. ومنذ ذلك الوقت، خاضت النقابات الكبرى مثل كونفدرالية نقابات العمال الكورية واتحاد نقابات العمال الكوري، معركة طويلة، بدعم من التضامن الدولي، حتى تحقق هذا التغيير في 2025.
إلا أنه كما جاء في بيانات الحركة النقابية الكورية، ورغم الاحتفال بالانتصار، إلا أنها حذرت من أن أصحاب العمل قد يحاولون الالتفاف على القانون أو عرقلة تطبيقه. وعليه، فهي ترى أن التحدي الأكبر الآن هو تنفيذ هذه الإصلاحات على أرض الواقع وضمان استفادة العمال غير النظاميين منها فعلاً.
//ترحيب نقابي دولي
وقد رحب الأمين العام للاتحاد الدولي للنقابات، لوك تراينغل، بهذا الإنجاز النقابي وقال: "لأكثر من عقد، خاضت النقابات الكورية، وبدعم من المجتمع الدولي، معركة ضد الظلم والقمع لتأمين حقوق العمال غير النظاميين. إن إقرار هذه التعديلات يعني أن أصحاب العمل لم يعد بإمكانهم الاختباء خلف سلاسل التعاقد من الباطن، وأن العمال لن يُسكتوا بعد اليوم عبر دعاوى التعويض المدمّرة. إنه انتصار للديمقراطية، وللعدالة، وللكرامة في العمل. هذا جزء من النضال العالمي ضد العمل الهش، ومن أجل الديمقراطية. عندما تناضل النقابات، ينتصر العمال – في كوريا وفي كل مكان.".
/عاش التضامن العمالي
إننا ننظر ببهجة إلى هذا النصر الذي حققته الحركة النقابية في كوريا الجنوبية، والذي تحقق بفضل وحدتها أولًا ونضالها المثابر ثانيًا، الذي استمر لفترة طويلة دون تراجع أو كلل، رغم القمع السلطوي والعسكري الذي تعرض له النقابيون والطبقة العاملة.
ونحن على ثقة، ومن خلال معرفتنا بنضال هذه الحركة التي تضم قوى تؤمن بالنضال الطبقي – أي الشيوعية – بأنها ستتمكن من تنفيذ التعديلات القانونية لصالح الفئات العمالية الهشة في سوق العمل الرأسمالي. إن وحدة الحركة النقابية الكورية من جهة، ودعم الحركة النقابية العالمية من جهة أخرى، لا بد أن يُسفرا عن تحقيق هذه المكتسبات لصالح العمال المهمشين.
_________________________________________
لمحة عن الحركة النقابية الكورية الجنوبية
الاتحاد الوطني للنقابات الديمقراطية في كوريا الجنوبية (KCTU)هو أكبر اتحاد نقابي في البلاد، تأسس في 11 نوفمبر 1995، ويُعد أحد أبرز المنظمات العمالية في كوريا الجنوبية. يُعرف بالاسم الكامل “الاتحاد الوطني للنقابات الديمقراطية” ويُختصر بـ KCTU.
المقر الرئيسي: سيول، كوريا الجنوبية
عدد الأعضاء: حوالي 1,134,056 عضوًا حتى عام 2020
الرئيس الحالي: يانغ كيونغ-سو (Yang Kyung-soo)
الانتماء الدولي: عضو في الاتحاد الدولي للنقابات (ITUC)
المبادئ الأساسية: يرتكز KCTU على مبادئ الديمقراطية، السيادة الوطنية، والتضامن. ويُعتبر استمرارًا لنضال الحركة العمالية الديمقراطية في كوريا الجنوبية ضد القمع والظروف الصعبة التي مرّ بها العمال في العقود الماضية. كما يُعرف بنشاطه السياسي والاجتماعي القوي.
/الهيكلية والانقسامات
يتألف الاتحاد من ثلاث قوى رئيسية:
الفصيل الوطني: يميل إلى دعم الأحزاب التقدمية مثل الحزب الديمقراطي وحزب التقدم.
الفصيل المركزي: يتبنى توجهات يسارية اجتماعية ويدعم الحزب العدلي.
الفصيل النشط: يدافع عن الاشتراكية الثورية والتروتسكية، وله تأثير قوي في الاتحاد رغم قلة عدد أعضائه.
ومنذ عام 2020، يقود الفصيل المركزي الاتحاد بعد فوزه في الانتخابات القيادية.
النشاطات والنضال: الإضراب العام ضد الأحكام العرفية (ديسمبر 2024): نظم KCTU إضرابًا عامًا ضد إعلان الأحكام العرفية من قبل الرئيس يون سوك يول، مطالبًا بعزله.
إضراب عام مفتوح (يناير 2025): دعا الاتحاد إلى إضراب مفتوح حتى استقالة الرئيس، معتبرًا ذلك خطوة لإنهاء الفوارق الاجتماعية والاقتصادية.
حماية حقوق العمال المتعاقدين (أغسطس 2025): دعم التعديلات القانونية التي تسمح للنقابات بمخاطبة الشركات الرئيسية مباشرة، والمعروفة باسم قانون الظرف الأصفر (Yellow Envelope Act).
دعم العمال الأجانب: أسس أول نقابة للعمال الأجانب عام 2001، وأطلق في مايو 2024 نقابة للمعلمين الأجانب.
الأنشطة الرقمية: يمتلك حسابات نشطة على وسائل التواصل الاجتماعي، أبرزها فيسبوك، للتواصل مع العمال ونشر المواقف النقابية.
في يناير 2023، داهمت أجهزة الأمن مقر KCTU في سيول، ما أثار احتجاجات داخلية ودولية ضد ما اعتبرته النقابة محاولة لقمع الحركة العمالية.
اتحاد نقابات كوريا (FKTU)
يُعتبر أكبر وأقدم اتحاد نقابي في كوريا الجنوبية، تأسس عام 1960، ويقع مقره في سيول. يُعرف بأنه اتحاد معتدل ويمثل تيار النقابات المرتبطة بالشركات، بخلاف KCTU الأكثر نضالية.
الاسم الكامل: اتحاد نقابات كوريا
تاريخ التأسيس: 1960
المقر الرئيسي: سيول، كوريا الجنوبية
عدد الأعضاء (2020): حوالي 1,153,863 عضوًا
الانتماء الدولي: عضو في الاتحاد الدولي للنقابات (ITUC)
الخلفية التاريخية: كان FKTU الاتحاد النقابي الوحيد المعترف به قانونيًا حتى عام 1999، عندما حصل KCTU على الاعتراف القانوني.
خلال فترة حكم بارك تشونغ هي، تم حل الاتحاد العام لنقابات كوريا الجنوبية، وأصبح FKTU تحت إشراف السلطات العسكرية.
في عام 1996، نظم FKTU أكبر إضراب في تاريخ كوريا الجنوبية بمشاركة 1.2 مليون عامل، مطالبين بتحسين الأجور وظروف العمل.
/الأنشطة والمواقف
النهج العام: يوصف بأنه أكثر اعتدالًا وبراغماتيًا، مفضّلًا الحوار الثلاثي (الحكومة – أصحاب العمل – العمال) بدلًا من الإضرابات الطويلة.
الحد الأدنى للأجور: يطالب برفعه تدريجيًا مع مراعاة قدرة الشركات الصغيرة.
ساعات العمل: يضغط لتقليص ساعات العمل وضمان تطبيق قانون 52 ساعة عمل أسبوعيًا.
قضايا الشباب والعمال غير المستقرين: يركز على تحسين حماية العاملين بعقود مؤقتة أو جزئية.
العلاقات الدولية: نشط في الاتحاد الدولي للنقابات (ITUC)، وشارك في مؤتمرات دولية عديدة.
/التاريخ والتطور
1960: تأسس بعد سقوط حكومة سينغمان ري.
الستينيات – الثمانينيات: كان تحت هيمنة السلطات العسكرية.
التسعينيات: ظهور KCTU كاتحاد بديل أكثر راديكالية.
1996: قاد أكبر إضراب عمالي في تاريخ كوريا.
التحديات الحالية لـ FKTU
تراجع العضوية: نسبة العمال المنظمين نقابيًا منخفضة (حوالي 14%)، خصوصًا بين الشباب والعاملين في اقتصاد المنصات.
ضعف تمثيل العمال غير المستقرين: يتركز أعضاؤه في الشركات الكبرى، فيما يصعب تمثيل المستقلين وعمال التوصيل.
المنافسة مع KCTU: حيث يحظى الأخير بشعبية أكبر بين الشباب والنشطاء.
العلاقة مع الحكومة: يُنظر إليه أحيانًا كقريب من السلطة مقارنةً بـKCTU الأكثر نضالية.







.png)


.jpeg)



.png)

