الشاعرة سعاد الصَّباح مَبخرة القصيدة الأنثويّة الغاضبة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

صوت الأنثى الغاضبة الرافضة

الشاعرة الدكتورة سعاد الصباح حملت في اشعارها الغاضبة، صوت الهمّ الجمعيّ للمرأة، في المجتمعات الذكورية القامعة والمغيّبة لها، كما أبدعت في وصف مشاعرها وعوالمها الداخلية، بأسلوب مباشر وجريء، مُشعلة المسك والبخور في جسد القصيدة الأنثويّة، المنطفئة منذ دهور. وهي الناثرة في قصائدها حروف الرفض والنهي والنفي، كما في قصيدة «أُنثى 2000»، «قد كان بوسعي/ أنْ لا أبتلع الدمعَ/ وأن أبتلعَ القمعَ/ وأن أتأقلمَ مثْلَ جميعِ المسجونات». والمستبشرة تفتّح أكمام الزّهر تحت الخراب " سوف أبقى دائمًا. /أبحث عن صفصافة عن نجمة /عن جنة خلف السّرابْ / سوف أبقى دائمًا../ أنتظر الورد الذي / يطلع من تحت الخرابْ ".(إنّ جسمي نخلة تشرب من بحر العرب).

سعاد الصباح شاعرة الرفض والتمرّد، على الطقوس العائليّة، المهمّشة والمهشّمة للمرأة الشرقيّة "هذي بلادٌ لا تريدُ امرأةً رافضةً../ ولا تريدُ امرأة غاضبةً / ولا تريدُ امرأة خارجةً / على طقوُسِ العائلةْ / هذي بلادٌ لا تريدُ امرأةً../ تمشي أمامَ.. القافلَةْ.." (رافضة ، وهي صوت المرأة الاستثناء، الغريبة، الخارجة عن السّرب، المتمسّكة بمواقفها، لا تتزحزح عنه قِيد أنملة "أنا امْرأةٌ من فَضاءٍ بعيدٍ / ونجمٍ بَعيدْ / فلا بالوُعودِ ألينُ../ ولا بالوَعيدْ / أنا لستُ أُنْثاكَ.. يا سيّدي/ فنحنُ نقيضانِ في كُلِّ شيءٍ../ ونحنُ غَريبانِ في كلِّ شيءٍ../..../ سأنسِفُ../ هذي السّماواتِ../ نجماً.. فنجما../ ولن أتنازلَ عمّا أريدْ.." (لن أتنازل).

سعاد الصباح حملت الصّوت الأنثويّ الغاضب الرّائد، داخل شراعها الشعريّ المُموْسق، ومخرت فيه البحار، غير آبهة بالرياح والعواصف والحيتان وأسماك القرش وذكور القبيلة المترصّدين لها، لترسو بالقصيدة العابقة بمزامير الأنثى العربيّة، في شاطئ الأمان المنشود." وأعرف أن القبيلة تطلب رأسي/ وأن الذكور سيفتخرون بذبحي / وأن النساء / سيرقصن تحت صليبي (في البدء كانت الأنثى) شعرها رافض سَطْوَةَ شهريار وتابوهاته، و مشحون بـ «لا» الجريئة المتمرّدة لأنّها لا تخاف مواجهة الرجل والسجال معه، وهو المنعوت في قاموسها بهولاكو المغوليّ اللامتناهي، رمز القوة والدمار "يا هولاكو الثاني/ يا هولاكو التاسع والتسعين / لن تدخلني بيت الطاعة / فأنا امرأة تنفر من أعمال النهي/ وتنفر من أفعال الأمر".

سعاد الصباح الناهية عن تفتيت المرأة. في «فتافيت امرأة»، سكبت جرعات بان وعلقم، في تغييب المرأة وتذويبها في المجتمعات الشرقيّة الذكوريّة، فاتّشح الديوان في معظمه، بمناخ حزين وقافية ساكنة، وفيه تتمظهر الأنثى المفتّتة، السلبية المُستسلمة والمسلوبة جسدًا وروحًا، وهي تطلب إعتاقها من عبوديتها وتسريحها من سيّدها، الرجل الشرقيّ القامع " سيّدي، يا سيّدي / أيُّها اللابسُني ثوبًا من النار عليكْ / هل من الممكنِ.../أن ترفع عن صدري وأنفاسي يديْكْ / أحسنَ اللهُ إليكْ.../ هل من الممكن أن تعتقني/ فأنا لا أبصر الألوان دونكْ / وأنا لا أسمع الأصواتَ../ دونكْ..."، بعد أن كانت قبل زواجها لؤلؤة «إني كنتُ في بحر بلادي لؤلؤةْ / ثُم ألقاني الهوى بين يديْكْ / فأنا الآن فتافيتُ امرأةْ».

في قصائد أخرى، تحمل سعاد الصباح، صوت الأنثى، الثائرة بركان عشق، بينما الحبيب قطب متجمّدٌ، وهي المتمرّدة الرافضة النّواميس والوصايا العشر "يا حبيبي: / إنّني دائخةٌ عشقًا / فَلَمْلِمني بحقِّ الأنبياْءْ / أنتَ في القطبِ الشّماليِّ / وأشواقي بخطِّ الاستواء / يا حبيبي / إنّني ضدُّ الوصايا العشرِ.../ والتاريخُ من خلفي دماءٌ ورمال" (فتافيت امرأة).

 صوتها صارخٌ في البرية في وجه « فيتو على نون النِسْوَة»، مثل طير يغنّي في غير سربه، غير آبهٍ بالحواجز والقوانين القبليّة، ساخرة من أقوال التافهين، الواقفين أمام نهضة المرأة والمعارضين تحرّرها، إنّها في قممها الشّماء، تستشرف إشراقة الشمس المحتجبة وراء الغيوم " يقولون : / إنّ الأديباتِ نوعٌ غريبٌ / من العشبِ.../ ترفضهُ الباديهْ / وإنّ التي تكتبُ الشّعرَ../ ليست سوى غانيهْ !!/ وأضحك من كلّ ما قيل عنّي /وأرفضُ أفكار عصر التنكْ/ ومنطق عصر التنكْ /وأبقى أغنّي على قمّتي العاليهْ ".سعاد الصباح تحمل صوت المرأة الرّافضة التغييب، المؤمنة برسالتها التنويريّة وأيقونتها الشعريّة، والتي في سبيلهما مستعدة للفداء والتضحية، مقتديةً بالسيّد المسيح "وإن صَلبوني.. فشُكْرًا لهم/ لقد جعلوني بصف المسيح».

المرأة الكويتيّة مغناتها

أشعارها عابقة بالحب الكبير، مُضمّخة بالكحل والبخور وعطر النّارنج، محتفية بالمرأة الكويتيّة، المسكونة بالمشاعر الشفيفة، الوفية المتيّمة بحبيبها، المصبوغ بهالة القداسة " هذا يوم قدّيسي الحب....فالنتاينْ / وسأذهب إلى معبدك أنتْ../ لأقدّم نذوري../ وأحرشق بخوري / وأغسل قدميْك بعطر النّارنج / ليس عندي مكانٌ آخر أذهب إليهْ / فكل الدروب توصل إليْكْ "( قصيدة حب رقم 5 )، لكنّها حين تغضب، تصبح إعصارًا و تتّقد اشتعالًا، مثل عود ثقاب " يا صديقي : / الكويتيّةُ –لوْ تفهمُها -/ نهرٌ من الحبِّ الكبير../ والكويتيّةُ إعصارٌ من الكحلِ،/- حماكَ اللهُ من أمطار كُحلي وعُطوري- / والكويتيّةُ تهواكَ بلا عقلٍ.../ فهل تعرفُ شيئًا عن شُعوري ؟ / فأنا في غضبي عودُ ثقابٍ / وأنا في طربي غزلُ الحرير../ يا صديقي: / الكويتيّةُ تبقى دائمًا صامتةً / فمتى تقرأ ما بينَ السطور / فتمدّد تحت أشجار حناني / وتعطّر ببخوري.." (من قصيدة: كويتيّة)

رسمت سعاد الصباح المرأة الكويتيّة في أبهى صورها، في ثنائية الهدوء والغضب، مديحًا لطباعها وجرأتها، ومواقفها الموائمة للظروف والمناسبات، ويتأتّى ذلك في تحذير، من يريد أن يتعرّف إلى كويتيّة، بالتريّث في دراسة طبعها ومكوّناتها النفسيّة "يا صديقي :/ في الكُويتيّات شيءٌ من طباع البحر،/ فادرُسْ /-قبلَ أن تدخلَ في البحرِ- طِباعي../ يا صديقي: / لا يغُرَّنْكَ هُدوئي../ فلقد يولدُ الإعصارُ من تحتِ قِناعي../ إنّني مثلُ البحيراتِ صفاءً / وأنا النّارُ.. بعَصْفي / واندلاعي ".

المرأة في قاموسها، حينًا غاضبة متمرّدة، وحينًا تحاور الرجل بسلاسة ورومانسية لترويضه بأنوثتها السّاحقة، مشبّهةً نفسها وردة أنثى، تتضوّع رحيقًا، لكنّها مسكونة بالبروق والرعود،ولأنّها أنثى فوّاحة العطر ستفوز، فلا أحد يعاقب وردةّ فواحةً. والشاعرة تفخر بخروجها عن الثلم الاجتماعيّ القاسي " ما لِجُنوني أبداً حُدودْ../ ولا لِعقلي أبداً حُدود../ ولا حَماقاتي على كثرتِها / تحدُّها حُدودْ../ يا رجلاً يُغْضِبُهُ تطَرُّفي / مَنْ الذي يغضَبُ من تطرُّفِ الوُرودْ؟ / هذا أنا.. من يومِ أنْ خُلِقتْ / أُنوثتي ساحِقةٌ../ شواطئي تضرِبُها البروقُ والرّعودْ..". (أنوثة الورد ). كما رسمت صورة المرأة الدافقة أنوثة الأنيقة، المُشتهاة من منظور حبيبها، بأسلوب رومانسيّ مزركش بمناظر الطبيعة " يُحِبُّ أنْ يلمحَ شِعْري كالرَّبيعِ مُزهِرا / وكالصَّباحِ مُشرقاً.. وكالرِّياضِ أخضَرا / وكالغِناءِ مُسعداً.. وكالسُّلافِ مُسكِرا / وكالشُّعاعِ ضاحِكاً.. وكالنُّجومِ نيِّرا" (إيمان)

وفاء المحبّيْن

تناغي الحبيب الوفي ناعتةً إيّاه بالأمير المُشرق، بأسلوب غنائيٍّ جذّاب، منتظرة لقاءه في يوم عيد ميلادها بشوقٍ وشغف كبير، وهي متسربلة أبهى الملابس وأحلاها " عِيدي غداً، وأميري ليس يَنساهُ / ما أسعدَ العيدَ باللُّقيا وأَحلاهْ / هل تُشرقُ الشمسُ إلّا من مطالعِهِ / أو يجمُلُ العيدُ إلا عِنْد مرآهُ؟ / وقفتُ في وجهِ مِرآتي أُسائِلُها / بأيِّ ثوبٍ غداةَ العيدِ ألقاهُ؟ " (العيد)

صهيل القصيدة الأنثويّة

في أشعار سعاد الصباح صهيل الأنثى، الناثرة فاكهة حديقة جسدها المشتهاة، أمام حبيبها، المفتون بها بلا حدود، لجمالها الأخّاذ الذي يسلب العقول، بالذات ثغرها الذي يفيض شهدًا وسكّر، والذي لو رآه راهب الدير لسكر وهجر الدير والصلاة، كل ذلك من خلال الغوص، في تفاصيل وصف قبلة ثغر، بين حبيبيْن، بأسلوب قصصيّ شائق، "قالَ لي.. وهو بطَعْمِ القُبلةِ الحسناءِ أخبَرْ:/ إنّ في ثغرِك نافورةَ ياقوتٍ وعنبرْ / لو رَنا الوردُ إلى أنفاسِها الحَرَّى تبخَّرْ / أو دَنا الرَّاهبُ منها.. نسيَ الدَّيرَ ليسكَرْ/ كلُّ حرفٍ مِنْ جَنى ثغرِكِ مقطوعةُ سُكَّرْ/ كلُّ حرفٍ مِنْ جَنى ثغرِكِ مقطوعةُ سُكَّرْ / فاحذَري إنْ لامَسَتْها نسمةٌ أنْ تتكسَّرْ../ أنتِ يا فاتِنتي، أحلى من الدُّنيا وأنضرْ/ وابتساماتُكِ تجلو الكونَ كالفِردوسِ أخضرْ / أنتِ لي أمنيَّةٌ أحلى من الحُبِّ، وأكبرْ" (قُبلة).

كما تبوح أشعارها بجرأة، على لسان الأنثى، في وصف خارطة الأنوثة وفاكهتها، التي تشكّلت على أيدي الحبيب، ابن المجتمع الشرقيّ الذكوريّ، الذي يمتلك جسد المرأة وروحها ويشكّل لديها الوطن "أنا التي.../.كُنتَ تناديني، إذا أرَدْتني:/ يا قمرَ الزَّمانْ../ يا مَنْ على يدَيه قد تشكَّلتْ أُنوثتي / يا أيّها المسؤولُ عن هَنْدَسةِ الخصرِ../ وعن تموُّجِ الشَّعْرِ./ وعن مواسمِ المُشمُشِ، والرّمانْ./ يا رجلاً عوَّضني بحُبِّهِ. عن أجملِ الأوطانْ.. (وطني أنتَ).

الأنثى في أشعارها وفية محبّة جهرًا، لحبيبها الساكن أحناءها، ومزدهية به لشموخه وكبريائه وتمتدحه بصفات مُمَوْسَقة الإيقاع "أنا أهواكَ. وأهواكَ جِهارا / وأُغنّي بكَ زهواً وافتِخارا / أيُّها التائهُ كِبْراً واقتِدارا / أيُّها الشاهقُ كالشمسِ مَدارا" (أهواك) والحبيب في قصيدة (اسمك) يرسم ويسم اسم حبيبته العذب، بأحلى الأغاني، وبصدى الناي والكمان.

سعاد الصباح حملت في أشعارها ثنائية الهدوء والغضب، فهي في الحب والصّداقة هفهافة الموسيقى، عطرة الكلمات، تغمس يراعها بمحبرة من رحيق وبخور وطيب، فلو عُصرتْ أزهار قصائدها، لاستُخرجت منها قارورة عطر ثمينة، يعبق سِلسالّها في الشّعر العربيّ المعاصر سنوات وسنوات. وهي في غضبها وتمرّدها على المجتمعات الذكورية، القامعة والرافضة حرية المرأة، صاخبة هادرة، مثل صوت سوبرانو صادح في أوبرا.

قصائدها الجريئة الغاضبة، نفخت في القصيدة الأنثويّة روحًا وإيقاعًا وصوتًا جديدًا، ارتفع بالمرأة وأعلى من منزلتها، وزاد من حضورها في المشهد الشعريّ المعاصر. لقد أعادت للنهر المتجمّد هديره وجريانه.

كفى الشعر العربيّ فخرًا سمفونيتها العذبة، الحاملة صرخة المرأة الشرقية على مر العصور، الناشدة من الرجل الشرقيّ الصّداقة والسّلام " كُن صديقي، فأنا محتاجة جدًا لميناء سلام..".

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية