الزنجي في المخيلة البصرية الأوروبية – لعبة الغياب والحضور
نبدأ باللوحة الأولى لكي نبين كيف أنها تشذ عما كان متبعا في تقاليد الرسم الأوروبي عبر تاريخه الطويل، فهي واحدة من أندر التمثيلات الفردية المبكرة لرجل أسود وتكتسب أهميتها ليس فقط من موضوعها، بل من الطريقة التي تُقَدَّم بها الشخصية السوداء خارج أدوار العبودية أو الخدمة، المخصصة له. يظهر الأفريقي هنا بشخصية واثقة، يافعًا، ويواجه الناظر مباشرة. ويدل بملابسه الفخمة على علو مقامه الاجتماعي وكذلك الأمر بالنسبة لسيفه الذهبي. لا نعرف الكثير عن شخصية صاحب اللوحة وربما تعود للقديس موريس قائد الفرقة المسيحية القبطية التي ساعدت على احتلال سويسرا وفرنسا ونشر الديانة فيها. أو أنه "الزنجي الموريسكي"، الذي عمل سفيرًا أو مبعوثًا في البلاط الإسباني في فترة ما. من ناحية الأسلوب الفني تعتمد اللوحة على سمات المدرسة الهولندية في بداية القرن السادس عشر: التركيز على التفاصيل الدقيقة، ملمس الأقمشة، تعبير الوجه، وحيادية الخلفية إلى جانب استخدام الضوء والظل لتحديد ملامح الوجه بحيث لا يحمل طابعًا دراماتيكيًا بقدر ما يعكس مهارة تصوير واقعي متزن. تحظى هذه اللوحة باهتمام خاص من قبل الباحثين في دراسات ما بعد الكولونيالية وتمثيل العرق في الفن، نظرًا لأنها تمثل استثناءً نادرًا للحضور البشري الأسود في فن الرسم الأوروبي بوصفه فاعلًا لا تابعًا. وتُستخدم في معارض ومقالات كدليل على أن الفن الأوروبي لم يكن منغلقًا كليًا تجاه الآخر، لكنه أنتج تمثيلات بديلة نادرة لم تَسُد لاحقًا بفعل أنماط الهيمنة الاستعمارية.
رغم أن عصر النهضة الأوروبي (القرنان 15–16) يُحتفى به كفجر للفردانية، والعقلانية، والتمركز حول الإنسان، إلا أن تمثيل هذا "الإنسان" في الفنون البصرية ظل منحازًا عرقيًا. ففي معظم الأعمال الفنية، يُشكَّل الرجل الأسود لا كذات مستقلة، بل كعنصر بصري يُرسّخ تفوقَ الأبيض وهيمنته الطبقية والثقافية وحتى الدينية. وهكذا تزخر لوحات عصر النهضة بتصوير الزنجي كجزء من ديكور النبلاء الأوروبيين، وليس بوصفه ذاتا فردية قائمة بذاتها والأمثلة على ذلك تكاد لا تحصى ونسوق هنا لوحة تيتيان (مرفقة هنا) حيث تظهر سيدة بيضاء بكامل فخامتها يرافقها صبي أسود بملابس ملوّنة، يحمل أدوات الزينة أو المجوهرات. يظهر الخادم الأسود هنا كامتداد لممتلكات السيدة، وجزء منها هو كالقماش الفاخر والزخرفة المصاحبة لها. إن لون بشرته هو وصمة الانتماء الطبقية التي يتم التأكيد عليها من خلال موقعه السفلي في التكوين البصري، ووضعية جسده المائلة والمنحنية. وحتى في لوحة "الزفاف في قانا" للفنان باولو فرونزه، والتي من المفروض أن تصور حدثا دينيا لا يخص أوروبا وتقاليدها، تاريخيا، ورغم أن اللوحة تدّعي السرد الديني، إلا أن فِرونزه يملأها بإشارات فخمة لمجتمع البندقية الأرستقراطي. يتم استحضار الخدم السود وإدماجهم في المشهد، وهم يحملون الأباريق ويسكبون الخمر، لكن يبقون على هوامش المشهدية، بصمت وخضوع. هنا يتحوّل جسد الأسود إلى "عنصر حيّ" يجمّل المشهد دون أن يُشارك فيه.
يواصل الزنجي وجوده المشوه الهامشي في عصر النهضة المتأخرة أيضا. الزنجي هو دال بدون مدلول لا نعرف اسمه، ولا قصته، ولا أي مؤشر إلى فردانيته، إنه يدل على سيده إنه يوجد من أجله ولأجله فلولا وجود السيد لما وجد الزنجي فوجوده مشروط بموقع الآخر، الأبيض، مرتبط بدور التابع أو الخادم محبوس في نطاق الملكية الفردية لهذا السيد أو ذاك. لكن الفن هنا لا يكتفي بعكس الواقع، بل يُنتج واقعًا بصريًا جديدًا: فهو يعيد ترسيخ التراتب العرقي عبر الجماليات، ويحوّل جسد الآخر الأسود إلى ترس بصري في آلة تمجيد الذات الأوروبية. وبعيدا عن أية شراكة محتملة يبقى الزنجي كائنا يزين عظمة سيده الأبيض، في فن يعيد إنتاج الفوارق الطبقية العنصرية وتأكيد وتثبيت العبودية بوصفها قدره.
استمرت في القرنين 17 و18 صورة الأسود بوصفه خادمًا أو دلالة على "العالم الآخر" الغريب. وغالبا ما نراه في لوحات تصور حياة البلاط، برفقة نساء أرستقراطيات، وعشيقات الملوك والأمراء.
ورغم هذه اللمسة من الود الظاهري والألفة، أو على الأقل ما يبدو تواطؤًا بصريًا بين الشخصيتين، فهذه "الألفة" مصطنعة ومنمقة ولحظية وتهدف لتقديم صورة ناعمة للسلطة والثراء، وإضفاء هالة من الترف والغنى؛ وجود خادم أسود هو رمز من رموز الرفاهية والهيمنة الكولونيالية. وهو هنا يخدم هدفا جماليا أسلوبيا ايضا فيبرز بياض بشرة ونعومة ملامح السيدة البيضاء ويُبقيه كملحق جمالي زخرفي.
تواصل الأمر في القرن 19، ومع تصاعد الاستعمار الأوروبي، إذ أُعيد إنتاج الرجل الأسود كرمز لـ "البدائية"، والغرابة، وفي أحيان كثيرة كمادة للدراسة الإثنوغرافية أو التشريحية، لا كفرد. حيث يُمثل الأسود في هذا السياق لا كجزء من الذات الأوروبية، بل كنقيض لها: إنه "الآخر" الذي يعرّف ال "نحن".
.png)
مراجع:
-
Joaneath Spicer, Revealing the African Presence in Renaissance Europe, Walters Art Museum
-
The Wedding at Cana, Paolo Veronese, 1563, Louvre Museum, Paris
*الكرمل - تموز 2025







.png)


.jpeg)



.png)

