متى سينسانا التاريخ؟

A+
A-
فلسطينيون يحملون أمتعتهم ويفرون من حي التفاح شرقي مدينة غزة، يوم 29 حزيران/يونيو 2025. (شينخوا)

فلسطينيون يحملون أمتعتهم ويفرون من حي التفاح شرقي مدينة غزة، يوم 29 حزيران/يونيو 2025. (شينخوا)

التاريخ، هذه الكلمة الضخمة، التي يستعصي على مخيّلتك الإمساك بتلابيبها، فكلما حاول إدراكك أن يقبض عليها تنزلق من بين أصابعه ككرة زئبقية وتهوي على سطح التأويل تارة أو على سطح التلفيق تارةً أخرى، أو تسقط من بين يديك على أرضٍ من مصالح المدوّنين أو على بقعةٍ مصبوغةٍ بِغاياتٍ في نفوس المُنتصرين. 

التاريخ، تلك الرزمة من الدروس التي تعلّمناها بالمدارس ودرسناها بالجامعات، أو تلك النسخة المُبسَّطة من التاريخ الذي نتحدث عنه في شرفات حاراتنا وعلى طاولات مقاهينا، وقد نكون قرأنا عنه وحوله كُتبًا تحت أسماء وعنواين عملاقة بمسميّات على شاكلة "تاريخ العالم" أو "تاريخ الجنس البشريّ" كُتِبَ عادة على يد من يدّعون أنهم أساتذة التاريخ أو أساتذةٌ بالتأريخ (وذلك عادة ما كان ويكون تحت إشراف الجنرالات وتدقيق مجاهر الحُكّام المستبدين). 

 عوّدونا واعتدنا أن ننظر إليه كسلسلة محددة ومتتالية من المراحل والوقائع على أنها أحجار تبني هيكلًا نسمّيه "تاريخ الجنس البشريّ". إلا أن عالم الوقائع هذا يعج بما لا نهاية له منها. وهنا على وجه التحديد تكمن المغالطة؛ لأن كل لحظة من الماضي هي تاريخ، وكل واقعة حدثت وتحدث الآن في الزمكان هي جزء من التاريخ تترك أثرًا ما، مهما كان صغيرًا أو هامشيًا، لكن له وقعه على الواقع، فما كان علينا، أو بالأحرى، لا مناص لنا، إلا من الانتقاء -انتقاء تلك الوقائع والمراحل التي نراها مِفصليّة أو نعتبرها نقاط انعطاف بمسار ذلك التاريخ المزعوم. 

 لكن من الذي يقرر ما هي هذه النقاط وما هي أصلًا ماهيتها، ولماذا هي تحديدًا دون غيرها، وما هو بردايغم العمل الذي ندرس وندوّن بموجبه هذا التاريخ، وأن كانت كذلك، أي أنها فعلًا مراحل مفصليّة ونقاط انعطاف، هل تم فعلًا نقلها بموضوعيّة وبدون انحيازات أيدولوجيّة أو دينيّة أو طائفيّة...هل يمكن بالفعل للمراقِب أن يكون محايدًا، وهل يمكن لفعل الرصد أن لا يكون مُثقلًا بالنظريات؟ 

إذ بوسعنا مثلًا أن نكتب التاريخ كلٌ وفقًا لاهتمامته وعبر موشوره الذي يرى من خلاله التاريخ، عن تاريخ "العمل" مثلاً بصفته آلية تحرُّك البشر والعامل المُحدِّد (أو من أهم العوامل) التي تُبلور دينامكيّة العلاقات والتفاعل بينهم، وذلك بدءًا من الثورة الزراعيّة حتى الثورة الصناعيّة الرابعة و"إنترنت الأشياء"، أو تاريخ "الفن" أو تاريخ "اللغة وتطورها" أو تاريخ "الأمراض وتداعياتها على المجتمعات البشريّة" او تاريخ "العادات الغذائيّة"... كلها عوامل لعبت دورًا محوريًا في هيكلة الحضارة البشريّة، لكن يقينًا ليس واحدًا منها هو تاريخ الجنس البشري (ولا كلها مجتمعة).

 أما الذي يقرُّ في أذهاننا عمومًا عندما نتحدث عن تاريخ الجنس البشري، فهو تاريخ الإمبراطورية البابليّة والمصريّة والرومانيّة والمقدونيّة و سلالة زو الصينيّة وأشخاص كالإسكندر الأكبر ويوليوس قيصر وجنكيز خان … وهكذا على هذا المنوال وصولاً إلى يومنا هذا.

 إننا إذًا نعتقد أننا نتحدث عن تاريخ الجنس البشري لكننا نعني تاريخ "السلطان السياسيّ". 

ليس هناك "تاريخ الجنس البشري"، بل هناك عدد لا حصر له من تواريخ الجوانب المختلفة من الحياة البشريّة. وما التاريخ السياسيّ (أو تاريخ السلطان/الصراع السياسيّ) سوى واحد من هذه التواريخ، غير أنه رُفع لمكانةٍ يكون فيها هو "تاريخ العالم" (يا لها من إهانة لكل تصوّرٍ سامٍ عن الجنس البشريّ)، ذلك أن تاريخ النفوذ السياسيّ ما هو إلا تاريخ الجرائم الدوليّة الحديثة وفظائع الإمبراطوريات القديمة والقتل الجماعي والإبادات مع سبق الإصرار والترصد والتخطيط، وهذا ما نتعلّمه في المدارس ونُحمل على تمجيد حُفنة من السيكوباثيين وعُتاة المجرمين بوصفهم أبطاله. هذا ما جعل فلاسفة معاصرين أمثال كارل بوبر يدّعون أن ليس للتاريخ معنى وبأن التاريخ الذي يتحدث عنه معظم الناس لا وجود له¹.

وأنوّه أنني لست هنا لأكتب عن معنى التاريخ، ولا لأقترح نموذجَ عملٍ جديدٍ لتدوينه، أنا هنا لأني  أخشى أن ينسانا التاريخ، وأخشى أن يختزل التاريخ غزة ودماءها وعذاباتها بسطور تلخّص صراعًا بين حركة مقاومة دينيّة غيبيّة ودولة استعمرت، تضرب وبيدها اليسرى سلاح أمريكي وباليمنى أسفار من التوراة.

 اتفكّر واتوجّس كيف سيصف التاريخ غزة بعد قرن من الآن، هل سيسمع قارئ التاريخ صرخات العالقين تحت أنقاض المباني، هل ستعكس السطور لون دمائهم، هل يستنشق قارئ التاريخ حينها رائحة الموتى، هل يبصر أحلام من تبخّرت أحلامهم، هل سيتخذ التاريخ بضعًا من فصوله يوصف بها احتراق قلوب الأمهات، وهل يلذع لهيب الجوع أصابع من يقلّب صفحاته، أم سيعتصر كل هذه المآسي بأسماء السلاطين ونفوذ الإمبراطوريات؟ 

أم يا ترى سيُكتب التاريخ بعد قرنٍ من الآن كسردٍ مسرحي كابوسي على مسرحٍ لا يرضى أن تَقل مساحة خشبته عن ٣٦٥ كم². يعرض لنا مسرحيةً من شدة تراجيديتها ومرارتها وجنونها تكاد تصبح عرضًا اعتباطيًا، هزليًا وساخرًا من كل ما قد أدركناه، مسرحًا خاليًا من المجاز، بلا استعارة، فارغًا من كل تعبيرٍ مجردٍ يمكن أن يراود الذهن. وهنا سيفقد التاريخ معناه، لكن ليس بالمعنى البوبريّ، إنما لزخم الحبكة وبأسها من جهة وشح اللغة من الجهة الأخرى. حيث لن يبقى في قواميس الإخراج من الكلمات إلا المحسوسة منها، أما تلك المُجرّدة، فقد فُقدت هناك، بمكان ما بين دموع ألمى وصراخ هند...

  وما على التاريخ حينها إلا أن يتخيّل المصطلحاتَ، والشعر والأدب والمجاز كلها تطوف كالأشباح على مسرح ال ٣٦٥ كم²، يبحث عن طفل ليستعير منه كلمة قد ابتكرها، لعله يجد لنفسه معانِيَ جديدة، أو ربما إعادة تعريف... هناك…في بلاد العجائب، سيُكتبُ تاريخٌ من نوعٍ آخر، يصوّر مشاهد ما بعد سيرياليّة في مسرحِ يفيض باللامعقول...

ويبقى السؤال المهم الذي اتوجّسه، من سيكتب هذا التاريخ، وربما السؤال الأهم من سيقرأ هذا التاريخ، ولكن أكثر ما أخشاه هو كيف سيُقرأ هذا التاريخ؟ 

/هوامش

١. للمزيد أنظر كتاب "عقم المذهب التاريخي"، كارل بوبر.

قد يهمّكم أيضا..
featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:47:52

يجيل ليفي: لماذا دعم اليسار الصهويني جرائم الحرب في غزة ؟

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:41:16

كاتب أمريكي: ترامب يشن حرب هيمنة على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذج

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-04 15:36:48

المسألة الفنزويلية والإمبراطورية الأمريكية