ذكّرتني صورة -أرسلها لي أحد الأصدقاء- لنبات العصفر في سهول بلدة "الشيخ مصطفى" القريبة من معرّة النعمان التي يرقد فيها منذ ألف عام فيلسوف المعرّة المُكنى بأبي العلاء المعرّي، بعد عودة أهلها إلى ديارهم من مخيمات النزوح على الحدود التركية، بحادثة قديمة استدعى ظُرفها الحديث عنها:
كان أبي راشد بن عثمان دحنون قد زرع خمسة خطوط من نبات العصفر عملها بفدّان مُفرد -المحراث اليدوي- يجره البغل صابر، وهذا اسمه، والذي خصّصه للفلاحة في أرضه القريبة من تل الرمان الأثري على طريق بلدة عين شيب إلى الجنوب الغربي من مدينة إدلب، وفي الصيف، وأظنّ ذلك في عام 1990، أمرنا أن نقطف بتلات العصفر في الصباح لأنها تكون طرية وبذلك يسهل جمعها حتى لا تتبدد من رقّتها. وتتفتح هذه الأزهار الرقيقة لأسبوع أو أسبوعين، وتجود كل زهرة بخيوط من خيوط الشمس المشرقة، هشة كالأحلام، تتطلب حصاداً يدوياً بلطف فائق قبل أن تلامسها أشعة الشمس في الهاجرة، وبعد القطف تجمع الخيوط بعناية، ومن ثمّ تجفف، فتتحول إلى كنز طيب العبير.
كانت أمي عيوش بنت مصطفى دهنين تساعدنا، نحن أولادها، وتشرف على عملية جني بتلات العصفر. والعصفر في الشمال السوري -إدلب وحلب- يُستعمل في الطبيخ، في أكلة واحدة هي القرمان -لبن زبادي مطبوخ مع لحم بعظمه- ولو نقعت العصفر في الماء فسوف يعطيك اللون الأصفر المشوب بحمرة خفيفة. وصبغته تلون أردية الأمراء بألوان الشمس، ويضاف إلى العطور والأصباغ.
بالمصادفة، في تلك الأيام، كنتُ أقرأ كتاب المستطرف الجديد الذي ألفه الباحث العراقي هادي العلوي صادر عن مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العلم العربي عام 1987. لفت نظري في الفصل الأول المعنون: في السياسة ونحوها، فقرة من عبث الخلفاء واسرافهم، وفي حاشية يشرح هادي العلوي بأنّ نبات العصفر هو عبّاد الشمس. وردت الفقرة على الشكل التالي: اشتهى عاشر خلفاء بني العباس جعفر المتوكل على الله أن يجعل كلّ ما تقع عليه عيناه في يوم من أيام شربه أصفر، فنُصبتْ له قبة مُذهّبة مجلّلة بديباج أصفر مفروشة بأرائك صفراء، ليظهر كلّ ما فيها أصفر. وحتى الماء المنساب إلى بركة وسط الخباء أمر أن يوضع فيه الزعفران ليصفرّ الماء في البركة. ولما نفد الزعفران من طول جلوسه وشربه أمر أن يوضع العصفر بديلاً عن الزعفران.
لا شك بأن العصفر يعبد الشمس من أيام جاهلية العرب الأولى، كأخيه الشقيق عبّاد الشمس، هما من أسرة واحدة، ولكن يختلفان في المضمون والمظهر، والمظهر في علم النبات: صفة النبات في المواسم المختلفة، فالمظهر الربيعي والخريفي والصيفي والشتوي، والجمع: مظاهر. فهل نبات العصفر هو نفسه نبات عبّاد الشمس؟ كلا يا سيدي، العصفر شيء وعباد الشمس شيء آخر، وسكان المدن من النادر أن يميزوا بين بتلات الزعفران والعصفر، والعصفر شُجيرة حولية متشعبة من الفصيلة النجمية، له فوائد طبية كثيرة، وبذوره تُشبه في مظهرها بذور عبّاد الشمس ولكنها صغيرة جداً، تُسمى بذور العصفر في المعاجم: قرطم.
حملت في صرّة من الورق بعضاً من نبات العصفر مع بذوره وتصويباً مكتوباً عن الفرق بينه وبين عبّاد الشمس وذهبت إلى دمشق أبحث فيها عن مكتب مجلة الهدف الفلسطينية التي أسسها غسان كنفاني في بيروت صيف عام 1969 وكنت قد نشرتُ فيها بعض القصص والمقالات. دلوني على مكتب مدير التحرير الأستاذ هاني حبيب، رحّب الرجل بي ترحيباً جميلاً، وحكيت له قصة العصفر ومعي الدليل القاطع، فنشر التصويب في أحد أعداد مجلة الهدف التي بقيت في مكتبتي في مدينة إدلب.






.png)


.jpeg)

