كنتُ قد كتبت عن ابن هذه العائلة الكريمة المناضلة الشَّريفة يوم رفض ابنها الرَّفيق عروة التَّجنيد الإِجباري بكلِّ شجاعة وإِباء، ودفع ثمن رفضه السِّجن والمضايقات والتَّعب..
لإِنَّه عروة غالب سيف القدوة..
فمن شابه أَباه فما ظَلَم، في السًّلوك والصِّفات والإِباء والتَّضحية والوعيِّ والوطنيَّة..
طريقنا وعرة يا رفاقي ويا رفيقي عروة وعلينا العمل والمثابرة والثَّبات وإن كان "قليلٌ عديدنا" فيقول الإِمام عليٍّ "لا تَسْتَوْحِشنَّ طريق الحقِّ لِقِلَّةِ سالكيه"..
إنَّ طريق عروة هو طريقنا وعروتنا ﴿الوثقى التي لا انفصام لها﴾، ﴿لا غالب﴾ لها إلا الرَّفيق الأعلى، إِن عرفنا كيف تؤكل الكتف، وكيف نستعمل سيفها البتَّار لاستئصال بثور وبذور الفتنة ليبقى الجسم طاهرًا نقيًّا معافىً ويعرف كيف يُحرق الزُّؤان بعد حصاد السَّنابل ويُفرِّق بين الغثِّ والسَّمين، بين الرَّخيص والثَّمين..
يقول شاعرنا سميح القاسم: مِن يَدي لن يقفِزَ الموتُ لصدرِ عربيٍّ يحرسُ الفجرَ الذي طافَ على الشَّرقِ الأبيِّ..
وحين اشتدَّ خناق المضايقات العنصريَّة على رقبة شهيدنا د. فوزي غالب سيف، ابن رفيقنا الحبيب الشَّيخ غالب سيف، خرِّيج كلِّة الطِّبِّ من جامعات كوبا الأَبيَّة الإِشتراكيَّة الشَّوكة في عين الإِستعمار، رافض التَّجنيد الإِجباريِّ، غادرنا شهيدًا للموقف المشرِّف والشَّريف والملتزم بهموم شعبه وقضاياه، فقد كنتُ قد حاولتُ مساعدته في إِيجاد مكان للعمل في قسم التَّأهيل لكنِّي لم أَنجح..
"شابٌّ ذكيٌّ ومقدامٌ وصاحبُ تحصيلاتٍ علميَّة عالية جدًّا وبكلِّ المعايير" (ص 315)..
"مميَّز بالشَّكل والمضمون داخل الأُسرة ومع البيئة ومع أَترابه في المدرسة والحارة."(ص 316)..
"ترى فيه إِنسانًا عبقريًّا ومهذَّبًا وخلوقًا.."(ص 317)..
"نحرَته المضايقات" (ص 315)..
آسف يا رفيقي..
إِنَّها كلمات في حقِّ الرَّفيق الشَّهيد د. فوزي غالب سيف..
قال الشَّاعر والمناضل داود تركي من سجنه في قصيدته "يا رافض
التَّجنيد" من ديوان "ريح الجهاد":
يا رافضَ التَّجنيد في جيش العِدى حيَّاك في قيدِ العِدى ثوَّارُ
ارفع جبين المجد لا تخشى الرَّدى أَنتَ الجميلُ ومثلُكَ الأَبرارُ
يتساءَلون من الدُّروز؟ أُجيبُهم بعروبَتي الأَقحاحُ والأَخيارُ
يا رافضَ التَّجنيدِ إِن هانَ الحِمى هنَّا وهانَت للعِدى أَدوارُ
الرَّفيق الشَّيخ غالب سيف، ابن قرية يانوح الجليليَّة الجليلة، سلام عليك..
أَقتبسُ ما جاء في مقدمة الكتاب من كلمة الرَّفيق الشَّاعر علي هيبي العائد حتمًا إِلى قريته ميعار، عن الكاتب الشَّيخ غالب سيف "من عائلة فلاحيَّة مناضلة عرفت طريقها الى اكتشاف الظُّلم والظَّالمين وعرفت طريق الحقِّ ولذلك وجد الرَّفيق طريقَه نحو الانتماء الأُمميِّ للحزب الشُّيوعيِّ، ومن خلال صفوفه انخرط بالنَّشاطات الكفاحيَّة ضدَّ سياسة التَّجهيل والمصادرة والتَّمييز والعنصريَّة والحرب. وقد عانى الكثير جرَّاء انتمائه ذاك، بالإِقصاء والإِتِّهام بالتَّطرُّف وبالإِبعاد من الوظائف.." (ص 15)، ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾..
يستشهد كاتبنا بدايةً بمقولَتَين الأُولى لناجي العلي انهضوا أيها العبيد، فإِنَّكم لا ترونهم كبارًا إِلا لأَنَّكم ساجدون، والمقولة الثَّانية لكارل ماركس، الفقر لا يصنع الثَّورة. إِنَّما وعي الفقير هو الذي يصنع الثَّورة. الطَّاغية مَهمَّته أَن يجعلك فقيرًا. وكاهن الطَّاغية مَهمَّته أَن يجعل وعيك غائبًا. لقد كان يعرف رفيقنا الشَّيخ بحكمته وثباته ومثابرته وشجاعته كيف يجمع الأقطاب المتنافرة من أَجل قضيَّة بلده العادلة جدًّا جدًّا في أَرض "التِّيفن" ليستعيدها لمنطقة نفوذ يانوح وجت وكسرى وكفر سميع، فقد جمع بين الرِّفيق دوف حنين ورفاقه وبين المفدال حزب المتديِّنين، برئاسة زبولون أُورليف.. فكانت "هزَّة سياسيَّة" (ص 434) أَثارت احترام الجميع "ما عدا..أَهل بلدي" (ص434)، لا نبيٌّ في وطنه..
لقد قاموا بمصادرتها وبإِقامة مصانع عليها وحرمان هذه القرى العربيَّة من أَراضيها ومسطَّحاتها واستثمار أَملاكهم..
على رجل الدِّين أَن يقف مع شعبه ويناصره ويدافع عنه بل ويرشده إِلى الذَّود عن حقوقه، ويقف إِلى جانب المنكوبين والمضطَّهدين والمظلومين والمستضعفين وأَن يناشدهم "يا عمَّال العالم إِتَّحدوا" و"يا أَيَّتها الشُّعوب المضطَّهدة إِتَّحدي"، وهذا ما تفعله أَنت يا رفيقي الشَّيخ الغالي الغالب بالعقيدة وبالسَّيف إِن احتاج الأَمر إِليه..
أَرى فيك الشَّيخ فرهود فرهود، وسلطان باشا الجبل، أَرى فيك مطران العروبة الحجَّار، والمطران مكاريوس، ومرتن لوثر كينغ، أَرى فيك القسَّام والرَّابي يشيعياهو ليبوفيتش وأَرى في عيونك عيون كلِّ مناضلٍ شريفٍ..
لقد دأَب رفيقنا أَبو سلمان سيف ورفاقه في عمله الغيور والشُّجاع، على وحدة بلده وأَهل بلده فوقفوا صوتًا واحدًا وموحَّدًا في وجه السُّلطة وأَدواتها بعد أَن اتُّهموا بالكُفر، ومن بعدها أَصبحوا حجر الزَّاوية في تلك المعركة وفي معارك أُخرى ونقف مع دعائك "قولوا آمين" (ص 142)، ونقول آمين لتلك النَّار "على كلِّ الظَّالمين ومعاونيهم، خاصَّةً رأس المال صاحب كل الجرائم والحروب والمآسي التي تطال كلَّ البشريَّة"(ص 142).
أَمريكا هي الطَّاعون والطَّاعون أَمريكا..
يكتب رفيقنا غالب سيف في فصل نشرة صامدون (ص426) عن ظلم ذوي القربى الأَشدُّ مضاضة على المرء من وقع الحسام المهنَّد، فحين استشهد المناضل خليل الوزير أَبو جهاد، ذهب وفدٌ من لجنة المبادرة العربيَّة الدُّرزيَّة للقيام بواجب العزاء تجاه القائد، في باحة المسجد الأًقصى، حيث "لا خلُّوا ولا بقُّوا لنا من توجيه الشَّتائم والإِهانات..طالت مائة شتيمة وإِهانة..وكأَنَّنا الإِحتلال" (ص 426)..
فلا تهن يا رفيقي ولا تحزن فأَنتم القَبس والنُّور والشُّعلة التي تُضيء هذا الطَّريق..
قالها مرَّةً رفيقُنا الغالي الشَّيخ نمر نمر أَبو فكري "لا تعيِّرني يا بو سوَي أَنت أَعطل منِّي بشوَي"، فقضيَّة التًّجنيد الإِجباري في جيش الإِحتلال قد فُرضت عنوةً على أَشقَّائنا الموحِّدين المعروفيِّين، فما بالكم ببقيَّة الذين يتجنَّدون "حبًّا وطواعيَّةً"، من المسيحيِّين والمسلمين، وقد قالت مرَّة د. ميسون إِرشيد شحادة في إِحدى محاضراتها في حيفا إِنَّه ما بعد النَّكبة طلب التَّجنُّد طواعيَّةً في جيش الإِحتلال حوالي أَربعة آلاف عربيٍّ فلسطينيٍّ، وقد نشرت مجلِّة كلكاليست، دراسة نُشرت في شهر تشرين الثَّاني من العام المنصرم جاء فيها أَنَّ عدد المتطوِّعين في جيش الاحتلال والخدمة المدنيَّة من العرب، غير الدُّروز والشَّركس، كان ثلاثة آلاف وثمانمائة متطوِّعًا، في الجيش أَربعمائة وواحد وثمانين والباقي في الخدمة المدنيَّة وهناك معلومات تشير كما جاء في الدِّراسة أَنَّ عدد النِّساء العربيَّات (مسلمات ومسيحيَّات) المتطوِّعات في جيش الاحتلال في ازدياد..
"لا تعيِّرني يا بو سوَي أَنت أَعطل منِّي بشوَي"
لقد كانت ولادة رفيقنا غالب الثَّانية عام أَلفٍ وتسعمائةٍ وثلاثة وثمانين عندما وجد نفسه رفيقًا منظَّمًا في صفوف حزبنا الشُّيوعيِّ "الحزب الأَكثر نقاءً ووطنيَّةً وأَديولوجيا طبقيَّةً وتقدُّميَّةً وقوميَّا..في شرقنا العزيز.." (ص67)، بعد أَن كان ضابطًا في الجيش فخرج من الظُّلمة إِلى النُّور ومن الجهل إِلى اليقين، ووقف ضدَّ التَّجنيد الإِجباريِّ وجنَّد أَبناءه في معركته ويقينه حتَّى لو كلَّفهم موقفهم هذا السِّجن ودفعوا الثَّمن، وبقَوا على عهد لينين والطَّبقة العاملة والفلاحين ولم ينس ذكر الرَّفيقين الذين أَرشداه على الطَّريق القويم وهما شاعر الفقراء الرَّفيق نايف سليم سويد، والرَّفيق صيَّاح كنعان، فالأَصيل لا ينسى رفاقه وفضلهم، فكانت لك رفيقي ولادة مباركة، باركتنا فيها وبوركنا بها..
يذكر لنا عن دفاع أَهل يانوح المستميت عن قريتهم يوم النَّكبة التي لم تكن لتسقط لولا سقوط ترشيحا المجاورة لها، لقد أَبلوا بلاءً حسنًا في الذَّود عن حياض بلدهم يانوح، ضدَّ عمليَّة "حيرام" الصَّهيونيَّة، حيث "نجح الأًهالي مع جيش الإِنقاذ في القضاء على الكثير من عناصر الوحدة التي جاءت لتحتلَّ البلد وصدَّها" (ص 17)، لقد ساهم سكَّان يانوح في الحرب ضدَّ الإِحتلال، فترشيحا كانت "بمكانها ومكانتها تعتبر عاصمة هذا القطاع من الوطن"..
وهذا بشهادة ياسر عرفات "ببطولةٍ مميَّزةٍ"(ص 18)..
لقد أَراد رفيقنا غالب السَّيف من خلال الكتاب ابراز انتمائه الوطنيِّ والقوميِّ والعربيِّ والفلسطينيِّ والإِسلاميِّ والإِنسانيِّ والأُمميِّ والشُّيوعيِّ، موفَّقًا، ووقف ثابتًا في وجه الظُّلم وقوى الظَّلام وجواسيسه من أَبناء جلدتنا..
لقد وقف متصدِّيًا شامخًا شجاعًا صلبًا في وجه "جشع أَغنى أَغنياء البلاد" (ص 20)..
لقد وضع بين أَيدينا هذا الكتاب ليكون مرجِعًا ومستندًا يشهد على إِنجازاته الوطنيَّة والشَّعبيَّة مع رفاقه من أَجل استرداد الحقوق المسلوبة فكانت سيرةً ذاتيَّةً توثيقيَّة سرديَّة مشوِّقة للمعرفة يُرفقها بمستندات ووثائق من الأَرشيف مؤكَّدة هامَّة وحاسمة تؤكِّد ما يقوله، ليقطع قول كلِّ خطيب، ينتقل من جيلٍ إِلى جيل، فحتَّى لو خدمتَ في الجيش ستبقى عربيًّا يلحقك الإِجحاف والمعاناة والمصادرة والإِضطهاد وهدم البيوت والتَّمييز العنصريُّ..
يعالج في كتابه قضية الدِّين والسِّياسة يقول الكاتب "علينا التَّسلُّح بالحقِّ والمعرفة والإِرادة الفولاذيَّة" حتَّى يكون نضالنا ناجحًا وذا فائدة على جماهير شعبنا "الجرأَة والوعي والرُّؤية والوحدة بالموقف" (ص 119)..
إِنَّها سيرة ذاتيَّة نضاليَّة إِجتماعيَّة طبقيَّة أُمميَّة شعبيَّة قوميَّة يُعالج فيها أَهم قضايا العمَّال والفلاحين وتنظيم النِّقابات والمجالس المحليَّة وكيف علينا مواجهة مصادرة الأَراضي ونهب الأَراضي التي تطمع في محو وجودنا فوق أَرضنا فكنتَ الطَّليعي في كشف المكائد والمؤامرات وفي العمل على إِفشالها، فكم نحن محظوظون بك شيخي الرَّفيق..
يختم رفيقنا كتابه بوصيَّةٍ: " أَتمنَّى ان تكمِّلوا المسيرة المشرِّفة وتتمسَّكوا بحقِّنا / حقِّكم، لأَنَّه لا شيء أَثمن منه ولأَنَّه كنزنا المسلوب، ولا شيء أَثمن من شرف الانتماء والنِّضال من أَجله" (ص 435).
تبريكاتي القلبيَّة العطرة للكاتب الفلسطينيِّ ابن يانوح الجليليَّة، الرَّفيق الشَّيخ غالب سيف، بصدور ثمرة قلمه وبحثه ووثيقته للأَجيال من بعده “حكايات نضاليَّة قرويَّة، أَحداث، أَحاديث، نضالات وحكايات"
أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ وَخَيْرُ جَلِيسٍ في الزَّمانِ كِتابُ..
ملحوظة: طُبع الكتاب في دار الرُّعاة للدِّراسات والنَّشر في عمَّان وبمشاركة جسور للثَّقافة والنَّشر والتَّوزيع، أَربع مائة وست وثلاثين صفحة، بغلاف سميك جميل وقشيب، تزيِّنه صورة الرَّفيق الشَّيخ أَبو سلمان غالب سيف، يمسك عكَّازه سيفه، بيساره، وابتسامته اللطيفة المرسومة على محيَّاه، متحدِّيًا قائلاً "عكَّا..ويا خوفها من هدير البحر" على خلفيَّة مدينة عكَّا التَّاريخيَّة، بأسوارها وبيوتها، عكَّا قاهرة الإِمبراطور نابليون بونابرت..








.png)


.jpeg)
