منعوا أهل البلد من الوصول إلى حقولهم في الروحة بعد احتلالها من قبل الصهاينة، ومنعوا عنهم تصاريح العمل في المستوطنات اليهودية، ولم يعطوها إلا لبعض أعوانهم.
فتعرّض أهل البلد للجوع، فدعا خالي حسن إلى اجتماع في بيته للتباحث في الموقف الخطير.
في هذا الاجتماع قرّروا أن يسيروا في مظاهرة إلى مركز الحكم العسكري، احتجاجًا على منعهم الوصول إلى حقولهم ومنع تصاريح العمل عنهم.
"ما إحنا هيك وهيك ميتين!" هكذا لخّص الاجتماع عمر المحمود.
واتفقوا على محاصرة مركز الشرطة من كل الطرق التي تؤدي إليه من القرية. فإذا أغلقوا منفذًا، ينفذون عليهم من منافذ أخرى.
ومن طلعة الشمس، تجمعوا في ساحة العين، وانطلقوا نحوه رجالًا ونساءً وأطفالًا.
ساروا باتجاهه، وهم يهتفون: "الخبز والعمل".
كانوا يصرخون ومن بطونٍ جوعانة، وحناجر عطشانة.
وكلما تقدموا انضمّ إليهم أعداد أخرى من المتظاهرين، حتى امتلأت بهم كل الطرقات.
ولما وصلوا، اكتظّت بهم جميع ساحات مركز الشرطة.
زعقوا بحنجرة واحدة: "الخبز والعمل! الخبز والعمل!".
فأغلق حاكم القرية العسكري عليه، وعلى مساعديه، أبواب بناية المركز.
وانتشر جنوده على الأسطح، مصوّبين نحونا بنادقهم.
وقف مختار البلد في الشرفة المطلة على الجماهير، ونادى وسط الضجيج:
"يا ناس! يا أهل البلد! لا تقتربوا من أبواب المركز، فإن في ذلك خطرًا على حياتكم. سيطلق عليكم الجنود النار، وقد أعذر من أنذر. وانتظروا تعليمات أخرى".
وغاب في داخل المركز، وأخذنا على عاتقنا، أنا وعدد من الشبان، مهمة عدم تمكين المتظاهرين من الوصول إلى الأبواب، حمايةً لهم من رصاص الجنود.
وبعد ساعتين، خرج المختار إلى الشرفة، وعندما شاهدوه سيطر صمت ملغوم على المكان، وصاح:
"سعادة الحاكم المحترم قرّر أن كل من سيعود إلى بيته، ويحضر إلى هنا غدًا، سيحصل على تصريح.
وابتداءً من الغد سيُسمح لكم بالوصول إلى حقولكم في الروحة لمدة ثلاث ساعات، ثلاثة أيام في الأسبوع".
فرجعوا إلى بيوتهم فرحين مستبشرين.
وفي اليوم التالي ركب خالي حماره واتجه إلى المركز، آملًا في الحصول على التصريح.
عند وصوله سلّم هويته للجندي الواقف على الباب، وجلس على صخرة على طرف الساحة، منتظرًا النتيجة تحت أشعة الشمس المحرقة.
بعد عدة ساعات من الانتظار، نادى الجندي الواقف على الباب:
"مين حسن محمد السلامي؟".
"ينادونك"، نبّهه أحد القريبين منه.
تقدّم خالي من الشرطي، فتأكّد أنه يحمل هويته بيده، وكان يعرفها من الغلاف الأحمر الذي جلّلها به زيادة في الحرص.
وقف أمام قائد المركز، فصرخ به:
"إنت اللي بتعمل فوضى في البلد، وبتقود الناس في المظاهرات.
ستنال مني عقابًا ما شفتوش في حياتك.
اضرب سلام للقائد!".
صرخ به أحد الجنود.
فصاح به متحديًا: "لن أفعل ذلك!".
"إذن… العَنْ جمال عبد الناصر".
"ولن أفعل هذا!" أجابه خالي بتحدٍّ.
فأمر، فأُتي بكأس من الماء، تناوله القائد منهم وصرخ به، وهو يقرّبه من فمه:
"اشرب!".
فأبعد الكأس عن فمه، وصاح محاولًا أن يكظم غيظه ويحبس نار غليان دمه:
"أنا صائم!".
فضربه بالكأس، فسال ماؤها على رأسه، مختلطًا بدم الجرح الذي أحدثه فيه.
فتقدّم منه مجموعة من الجنود، ولم تُجدِ محاولاته لمقاومتهم، فكلبشوه ورموه في الغرفة المخصصة للمسجونين.
مكث فيها شهر رمضان، حتى أطلقوا سراحه "بواسطة" المختار، الذي وعدهم عنه "خيرًا!".
وانتشر خبر تحدّيه لقائد الشرطة في بلدنا والقرى المجاورة. فتعرّف على الشيوعيين، وأصبح يشاركهم في المظاهرات التي كانت تقام في جميع القرى، ودخل معهم السجون، فعلّموه القراءة والكتابة، وبدأ يقرأ صحفهم.
بعد عدة سنوات من حادثة مظاهرة الخبز والعمل، وجد عمّي نفسه يشارك أهل البلد مسيرة يوم موت جمال عبد الناصر، التي كانت تجوب طرقات البلد.
خرج مع الناس يهتف باكيًا لاطمًا. تزيد غضبه وقهره حادثته مع ضابط مركز الشرطة، الذي حاول أن يجبره على لعن عبد الناصر.
وبعد أن أفاق من غياهب حزنه، حضر إلى بيتنا لاهثًا ليقول لي:
"بعد الجيم سيحكم الميم!".
وكم كان فرحًا عندما تحققت نبوءته، لأن الاسم الأول لأنور السادات محمد!
وعندما تولّى السادات الحكم تابع أخباره، وسمع جميع أقواله وخطبه، وحفظ الكثير منها عن ظهر قلب.
وكان يردّد لكل من سمعه أن على يديه ستعود حقوق الشعب الفلسطيني.
وفي ليلة من ليالي رمضان، قرّرنا – أنا وابن عمي – أن نعمل به مقلبًا.
كان ابن خالي بارعًا في تقليد نغمة صوت السادات ولهجته، والكلمات التي اعتاد أن يستعملها.
وكان مجتمعنا في القرية حديث العهد في معرفة شرائط التسجيل، فلا يعرفها إلا القليل من الشبان.
أخذنا مسجّلًا إلى بيتنا، ودخلنا إلى غرفتي وأغلقنا بابها خلفنا، ووضعنا فيه شريطًا فارغًا. وبعد أن شغّلناه،
بدأ ابن خالي يخطب خطبة "ساداتية" لا يقدر عليها السادات نفسه!
وكان من عادتنا في أيام الشتاء أن نسهر مع خالي حول كانون النار، نسمع منه أخبار الماضي، وتحليل أخبار الحاضر، الذي كان يحرص على سماعها.
سهرنا معه تلك الليلة، حتى أغمض عينيه ونام وارتفع شخيره. وكان من عادته في سهراته معنا في رمضان أن يغفو ساعة، ثم نصحّيه فيتسحّر، فينتقل لينام في غرفته الخاصة.
فتحنا المسجّل على شريط خطبة ابن عمي الساداتية.
وتقدّم نواف من أبيه و"نغزه" بإصبعه، وصاح به:
"يابا! يابا! السادات بخطب".
فصحت أنا من بعيد: "ولّعت! ولّعت!".
لما سمع عمي صوت السادات، قفز من نومه كأن حيّة لسعته.
تربّع على فرشته، وصاح بابنه:
"هات الدخان!".
وانطلق صوت المذيع:
"قواتنا اجتاحت خط بارليف، ودحرت العدو، وطائراتنا تقصف قواته…".
قام عمّي من مكانه، وبدأ يلوّح بيديه ويحركها ويركل برجليه بقوة، مترجمًا كلمات الخطبة إلى حركات، وهو يصيح من "قحف رأسه":
"اضرب! اضرب يا سادات!
فليحيّا البز اللي رضّعك!
مش قلتلكم إنه زلمي!؟".
وقبل أن تنتهي الخطبة، قام محمود من مكانه وأغلق الراديو، تناولته منه، وأسرعت "هاربًا" إلى بيتنا.
وصراخ عمي يلاحقني:
"مالكم! ليش سكّرتوه!؟".
"سامي بكرة عنده امتحان، بدّه يروّح ينام".
ردّ عليه محمود وهو يهرب من أمامه، تاركًا أباه مشدوهاً، مقهورًا، عاجزًا عن فهم الموقف الذي وجد نفسه فيه.
أما نحن، فما إن وصلنا إلى غرفتي وأغلقنا بابها خلفنا، حتى انفجرنا بضحك مجنون، حبسناه في رئاتنا حتى كادت تتفجّر.
نقلّده في صوته وحركاته، ونضحك… ونضحك!
ضحكنا… وضحكنا، حتى عجزنا عن الضحك.
مرّ يوم ويومان، ونحن نتجنّب مواجهته، نهرب من أمامه ونغادر الغرفة التي يدخلها.
كنا فيها منتظرين "البهدلة" التي سنتلقّاها من خالي، ولكن ظروف حياتنا أجبرتنا على لقائه!
التقينا به وسهرنا معه. "ما في حس ولا خبر!".
فقلنا "مبيّتها" لأجل يختاره هو، فتناسينا الموضوع.
"تا ييجي ذاك اليوم… وبيجي همه!".
بعد أيام من حادثة الخطاب الذي أسمعناه لخالي تحققت نبوءتنا.
نشبت الحرب، وعبر الجيش المصري قناة السويس، وحطّم خط بارليف.
وسهرنا ليالي على صولات وجولات عمي، وهو يصيح ويصرخ ويقوم بحركات تمثيلية يعبّر فيها عمّا يسمعه في الراديو.
في الليلة الثالثة من الحرب صرخ:
"حلمتي تحققت!".
أخذ منّا وقت طويل حتى فهمنا ما الذي كان يقصد في جملته هذه.
وعندما تأكّدنا أنه كان يقصد "ليلة المسجّل"، سرى في أجسادنا ارتياح طالما انتظرناه!
"أتعرفون من يكون إيلي عميت، قائد خط بارليف؟".
سأل خالي بزهوٍّ وشعور الانتصار والفوز:
"إنه الجندي الصغير الذي كان يريد أن يجبرني على تحية قائد مركز الشرطة ولعن عبد الناصر.
تقدّم في رتب الجيش حتى أصبح قائد منطقة. سمعت اسمه في الراديو، ذكروه في نشرة الأخبار".
أكمل عمّي، ووجهه يزدهر بابتسامة متشفّية.
– عرعرة







.png)


.jpeg)

