المقالة الثالثة في سلسلة من مقالات حول الكومنة والفن\ الأدب
لم تكن كومونة باريس مجرد حدث تاريخي عابر في سجل نضال الانسانية ضد الاضطهاد والاستغلال، بل كانت نتيجة إرهاص ثوري متواصل وربما حملت في داخلها بذور هذا النضال عبر التاريخ، وكانت لحظة فاصلة ألهمت الفنانين والأدباء والكتاب لاحقا. لقد تركت هذه التجربة الثورية العظيمة والتي استمرت 72 يومًا لا غير، بصمة عميقة في الأدب العالمي، من الروايات إلى الشعر والمسرح والمقالات النقدية، وكنت قد تطرقت في المقالتين السابقتين إلى موضوع الكومونة والرسم.
هذه الثورة العمالية الفريدة شكلت مصدر إلهام لكبار الكتاب من فيكتور هوجو إلى إميل زولا، وكبار المفكرين من كارل ماركس إلى جان بول سارتر. إن ما يجعلها موضوعًا أدبيًا خصبًا هو طبيعتها المأساوية المفعمة ونهايتها التراجيدية؛ تحطم حلم بالحرية والمساواة على صخرة القمع الدموي، واصطدام المثالية الثورية بالشروط الموضوعية للثورة الى جانب التضحيات الهائلة التي قدمها الكومونارديون (أنصار الكومونة) من عمال وحرفيين وفنانين.
-
الثورة التي هبت لتقتحم السماء
ربما يتوجب علينا قبل الشروع في المهمة الرئيسية؛ أي الكومونة ونشيد الأممية تسجيل موقف ماركس منها والذي يعود ويؤكد عليه وعلى صحته وثوريته وعلى راهنيته لينين الذي خصص فصلا كاملا للكومونة ودروسها في كتابه "الدولة والثورة" (1) وكان ماركس من قبله قد درسها في كتابه "الحرب الأهلية في فرنسا" وفي رسائله إلى كوغلمان. يسجل لينين الفقرة التالية:
"من المعروف أن ماركس قد حذر العمال الباريسيين قبل ثورة الكومونة بعدة أشهر في خريف سنة ١٨٧٠، مبرهنا أن محاولة إسقاط الحكومة ستكون حماقة اليأس. ولكن عندما فرضت على العمال المعركة الفاصلة في مارس سنة ١٨٧١، وعندما قبلها هؤلاء وغدا الانتفاض أمرًا واقعا، حيّا ماركس الثورة البروليتارية بمنتهى الحماسة رغم نذير الشؤم."
وينتقد لينين هؤلاء المنظرين الذين كالوا اللوم وانتقدوا ثورة 1905 في روسيا والتي فشلت ويواصل: "لم يصر ماركس على اتخاذ موقف متحذلق على إدانة الحركة ’باعتبارها جاءت في غير أوانها‘ كما فعل الماركسي الروسي المرتد، سيء السمعة بليخانوف، عندما كتب في نوفمبر 1905 مشجعا نضال العمال والفلاحين ولكنه أخذ يصيح بعد ديسمبر سنة 1905 على طريقة الليبراليين: ’ما كان ينبغي حمل السلاح!‘. لقد حيّا ماركس العمال المنتفضين "ليقتحموا السماء" على حد تعبيره. لسنا هنا في مجال الحديث عن دروس الكومونة للحركة العمالية ولكن رأيت من الواجب تسليط بعض الضوء على موقف ماركس وما الذي نستطيع أن نتعلمه منه في السياق المعاصر.
سأخصص هذه المقالة لعمل أدبي كان ثمرة مباشرة لعامل وشاعر عاش الكومونة وكان من أبطالها. وبطبيعة الحال فإن مقاربة تتناول اعمالا ادبية غير مباشرة خفية في نصوص أدباء فرنسيين كبار مثل فيكتور هوغو وإميل زولا، اللذين على سبيل المثال لا الحصر قدما من خلال الرواية الواقعية، الحياة الاجتماعية والسياسية للفترة التي سبقت الكومونة مما يشكل مقدمة ضرورية لفهم ظروف نشوئها، وإما عن الأصداء اللاحقة المباشرة وغير المباشرة التي أثارتها هذه التجربة مثل أعمال بريخت ومايكوفسكي، فتتجاوز بكثير المهمة التي وضعتها على عاتقي هنا.
-
نشيد الأممية
نشيد الأممية "الإنترناسيونال" (L'Internationale) هو واحد من أشهر الأناشيد الثورية في العالم، والذي ارتبط وما زال يرتبط بتقاليد الحركة العمالية الثورية والاشتراكية. وقلما كنت تجد مؤتمرا أو تجمعا اشتراكيا أو عماليا ثوريا لا يفتتح اعماله بنشيد جماعي للمؤتمرين يهتفون بكلماته الثورية. ومؤلف هذا النشيد هو العامل والشاعر الثوري الفرنسي أوجين بوتييه Eugène Pottier في حزيران 1871، وبعد الهزيمة الدموية لكومونة باريس وكان قد كتبها في مخبئه بعيدا عن ملاحقة الحكومة الفرنسية.
ويبدأ النشيد بالأبيات الأربعة التالية وباللازمة:
هبوا ضحايا الاضطهاد ضحايا جوع الاضطرار
بركان الفكر في اتقاد وهذا آخر انفجار
هيا نمحو كل ما مر ثوروا حطموا القيود
وابنوا الكون جديدا حر كونوا انتم الوجود
بجموع قوية هبوا لاح الظفر
غد الأممية يوحد البشر
قام العامل الثوري البلجيكي-الفرنسي بيير ديغيتير Pierre Degeyter عام 1888، بتلحين النشيد ليصبح لاحقا النشيد الرسمي للحركة العمالية العالمية. وكان ديغيتير هو أيضا عاملا في صناعة الأثاث وقائدا لجوقة عمالية تسمى "القيثارة العمالية"، واستطاع من خلال توظيف الحان فرنسية شعبية أن يضفي طابعا طبقيا نضاليا للحن بما يتلاءم مع معانيه. قامت الجوقة بأول عرض لها لهذا النشيد في احتفال بعيد باعة الصحف في مدينة ليل الفرنسية. وتم اعتماد النشيد نشيدا للأممية الأولى في مؤتمر كوبنهاغن عام 1910. واصل النشيد موقعه هذا نشيدا للأممية الثانية والثالثة إلى أن تم حل الأممية الثالثة. وكان خلالها ومنذ انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى عام 1917 نشيدا رسميا للاتحاد السوفيتي أيضا.
مع حل الأممية الثالثة عام 1943 - ولسنا هنا في مجال بحث ظروف حلها وأسبابه- وللظروف القاسية خلال الحرب العالمية الثانية والغزو النازي لمناطق شاسعة، والتهديد النازي باستعباد شعوب الاتحاد السوفيتي من قبل الوحش النازي، رأت القيادة السوفيتية أن يتم إضفاء طابع وطني روسي على النشيد لبث الروح الوطنية والانتماء لوطن الاشتراكية الأول نشيدا رسميا للدولة بديلا عن نشيد الأممية الأصلي، خصوصا أنه وفي ظل فشل الطبقة العمالية المتقدمة في بلدان مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا اللحاق بالثورة الاشتراكية ومد يد العون للثورة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي، لقد كان وطن الاشتراكية الأول يتعرض لخطر داهم.
خصص لينين مقالا للشاعر الذي أجله ونشر عام 1913 في جريدة البرافدا (2) السرية في حينه، اقتطف منه هذه الفقرات:
" لقد تمت ترجمة هذا النشيد إلى كل لغات أوروبا وإلى لغات أخرى. ففي أي دولة يجد العامل الواعي-طبقيا نفسه وأينما ألقاه القدر، ومهما أحس نفسه غريبا، بدون لغة، بدون أصدقاء، بعيدا عن موطنه – سيتمكن من أيجاد رفاق وأصدقاء له باللازمة (refrain) المألوفة للانترناسيونال. لقد شكل العمال في كل مكان نشيد مقاتلهم القيادي – الشاعر البروليتاري – وجعلوا منه نشيد البروليتاريا العالمي.
وهكذا يكرم العمال في كل مكان الآن ذكرى أوجين بوتييه. لا تزال زوجته وابنته على قيد الحياة وهما تعيشان في فقر كما عاش مؤلف الانترناسيونال كامل حياته. لقد ولد في باريس في الرابع من أكتوبر من سنة 1816. كان عمره 14 عاما عندما ألف أول أناشيده وكان يحمل عنوان فلتحيا الحرية! في سنة 1848 كان قد أصبح مقاتلا بين المتاريس في معركة العمال الكبرى ضد البرجوازية.
ولد بوتييه وسط عائلة فقيرة وظل كامل حياته فقيرا، بروليتاريا، يكسب قوته من عمله كحمّال، وفيما بعد كخطاط لموديلات الأقمشة. وتجاوب منذ سنة 1840 مع كل الأحداث العظيمة في التي شهدتها فرنسا عبر الأغاني النضالية بإيقاظ الوعي بين المترددين، داعيا العمال للتوحد، وكان ذلك درسا قاسيا للبرجوازية وللحكومة الفرنسية البورجوازية.في أيام كومونة باريس العظيمة (1871) تم انتخاب بوتييه عضوا. ومن بين الـ3,600 صوت حصل على 3,352. وقد شارك في كل نشاطات الكومونة، أول حكومة بروليتارية.
لكن سقوط الكومونة أجبر بوتييه على الفرار لإنجلترا، ثم لأمريكا. وقد كتب نشيده الشهير، الانترناسيونال، في شهر يوليو 1871 – يمكن أن نقول في اليوم الموالي للهزيمة الدموية في شهر مايو.
تم سحق الكمونة، لكن انترناسيونال بوتييه نشرت أفكارها في كامل أرجاء العالم، وهي الآن حية أكثر من أي وقت مضى.
سنة 1876، في منفاه، كتب بوتييه قصيدة، من عمال أمريكا إلى عمال فرنسا. وفيها وصف حياة العمال تحت نير الرأسمالية، فقرهم، كدحهم القاصم للظهر، استغلالهم، وثقتهم الثابتة في النصر القادم لقضيتهم. وفقط بعد 9 سنوات من الكومونة عاد بوتييه إلى فرنسا حيث انضم من فوره لحزب العمال. تم نشر المجلد الأول لقصائده سنة 1884 وصدر المجلد الثاني، بعنوان الأناشيد الثورية، سنة 1887. تم نشر عدد آخر من أناشيد شاعر العمال بعد موته.
في 8 نوفمبر 1887 حمل عمال باريس جثمان أوجين بوتييه إلى مقبرة Pere Lachaise حيث يُدفن الذين يتم إعدامهم من الكوميونيين. وقد هاجم البوليس بكل وحشية الجموع في محاولة لانتزاع الأعلام الحمراء. وقد شارك جمع غفير في الجنازة المدنية. في كل جنب كان هناك هتافات “فليعش بوتييه!”. لقد توفي بوتييه وهو فقير الحال لكنه ترك ذكرى هي حقا أكثر خلودا من الأعمال المكتوبة للإنسان. لقد كان واحدا من أكبر الدعائيين عبر الأناشيد. وعندما كان يؤلف نشيده الأول كان عدد العمال الاشتراكيين يقدر بالعشرات على الأكثر. لكن نشيد بوتييه التاريخي الآن معروف عند عشرات الملايين من البروليتاريين".
إن الأبيات الشعرية الأربعة واللازمة التي أوردتها سابقا هي ترجمة إلى العربية عن الترجمة الروسية لأصل النص الفرنسي وهي تختلف قليلا وبطبيعة الحال عنه. وهذه الترجمة الشائعة في سوريا والعراق.
أما الترجمة عن الفرنسية مباشرة لهذه الأبيات (3) فتبدو على الشكل التالي:
انهَضوا.. أيّها الملعونون في الأرض
انهَضوا أيّها العبيدُ الجائعون
سيوَلِّدُ الرعدُ البركانْ
إنَّهُ الثورانُ الأخيرْ
فلنصنعْ من الماضي صفحةً بيضاءْ
انهضي أيَّتُها الجماهيرُ المستعبدةُ انهضي، انهضي
اعتمد الحزب الشيوعي اللبناني بعد انفصاله عن الحزب الشيوعي السوري نصا مختلفا باللهجة العامية:
نحن شرق جامع كل الشعوبْ
شرقيه غربيه شمال جنوبْ
نحن الجيش الباقي بعد الحروبْ
نحن اللي بتاكلنا النارْ
مش رح نبقى عبيد إلنا مية هويّهْ
بيوحدنا النشيد بتجمعنا التحيّهْ
يا عهد الأمميٌهْ تحيّهْ تحيّهْ تحيّهْ
وذهب على خطى الحزب الشيوعي اللبناني الحزب الشيوعي السوداني معتمدا هو ايضا اللهجة العامية:
إديني من وهجك نشيد
دسيني من ظلم الحروب
داويني من وجع الدروب
غطيني من برد الرصيف
تُرجم نشيد الأممية لمعظم لغات العالم. ومعه ستستمر ذكرى هذا الشاعر الثوري وذكرى ابطال الكومونة الخالدين.
شواهد واحالات
-
الدولة والثورة، لينين نشر الكتاب عام 1918 ولكن لينين كتبه قبل بضعة أشهر من انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى في أغسطس 1917 وكان هذا بعد الموجة الاولى للثورة في شباط في العام نفسه.
-
نشر لأول مرة: في البرافدا، العدد 2، 3 يناير 1913. الأعمال الكامل للينين (بالانجليزية)، دار التقدم، موسكو، المجلد 36، 1966، ص ص 223-224
-
جريدة النور، د. أيمن أبو الشعر، 6/ 08 / 2024
*الكرمل؛ نيسان وأيار 2025







.png)


.jpeg)



.png)

