كان الأديب السوري حسيب كيالي يحتفظ بعشرات الدفاتر المخطوطة، دفاتر مدرسيّة عاديّة، مكتوبة بخط جميل، مُرتبة في كثير من التنسيق، اطلعت عليها في بيته في "دبي" حين زرته أول مرة في ظهيرة يوم الجمعة الخامس عشر من مايو/أيار عام 1992 وكنتُ قد وصلت إلى مطار "أبو ظبي" بمعية أخي للعمل بصفتي مُعلَّم بناء في شركة سيف بن درويش.
حملت معي من مدينة إدلب في الشمال السوري إلى بيت حسيب كيالي في دبي مجموعتين من قصصه الصادرة حديثاً في سورية، المجموعة الأولى "قصة الأشكال" صادرة عن دار الجندي في دمشق عام 1991 والثانية "حكايات ابن العم" صادرة عن منشورات الينابيع في دمشق عام 1992. ومن الطريف هُنا أن أذكر دهشة الشرطية الإماراتية المكلَّفة بتفتيش حقائب السفر في مطار أبو ظبي من عدد الكتب التي أحملها في حقيبتي. قالت: ما هذا؟ قلتُ: يا سيدتي-ابتسمت لهذه الكلمة- عشرون نسخة من مجموعتين قصصيتين للأديب السوري حسيب كيالي سأحملها إليه حين أزوره في دبي، والكتب الأخرى خاصَّة لي وهي في علوم الآثار. قالت مستدركة: لقد سمعت باسم حسيب كيالي، ولكن أين؟ قلتُ: يا سيدتي أكيد من الراديو؛ له برامج يتحدَّث فيها من إذاعة دبي. قالت: أعتقد ذلك، أهلاً وسهلاً بك. وأغلقتُ حقيبة سفري.
وفي صباح أحد أيام الجمع من أوائل ربيع عام 1993 هاتفتُ أديبنا الكبير، فقال لي: مليح أنك اتصلت بكّير، تعال وعجّل قبل أن أنشغل بقضية ما، أنا في انتظارك! المسافة بين أبو ظبي ودبي في حدود مئة وثلاثين كيلومتراً، قطعتها الحافلة العامة في أقلّ من ساعتين، وبذلك وصلتُ في ضحوة النهار.
لفتت نظري طاولة حسيب كيالي المُرتّبة، حيث تجد عليها أوراقاً من مختلف الألوان ودفاتر مدرسية مخطوطة وأقلام رصاص مُهذّبة مبريّة برياً حسناً وقلم حبر شيفر ميديوم يكتب بسلاسة، وكأنه ينضح من زبدة عرب. قلتُ: كأنك كنتُ تُجهّز نفسك للكتابة؟ قال: نعم، وقطعها هاتفك. وهنا بدأ الحديث عن دفاتره المخطوطة وراح يعرضها أمامي واحداً واحداً، وقد ضمَّت العديد من المجموعات الشعرية والقصصية والمسرحية. لفت نظري أحد الدفاتر الضخمة وبين دفتيه مجموعة قصصية تتألف من مئة قصة قصيرة لم يجد لها ناشراً جسوراً على حدِّ قوله، فبقيت مخطوطة مع عشرات المخطوطات المنسيَّة. وبعد رحيل حسيب كيالي في السادس من تموز/ يوليو عام 1993 آلت هذه المخطوطات، بوصية منه، إلى صديقه الكاتب المسرحي العراقي عبد الإله عبد القادر الذي كان يُقيم في دبي حينها. وهنا كلمات من آخر مقال نُشر له في الصحافة السورية وذلك بعد يومين من رحيله، يُمالحني ويقول فيه:
رائحة الأهل
بقلم: حسيب كيالي
جريدة البعث السورية - يوم الثلاثاء 8/6/1993
رسالة من ابن بلد صديق يؤذنني فيها أن اثنين من أولاد بلدنا أخوين، أحدهما عبد الرزاق -مجاز في العلوم الطبية من جامعة حلب- قد وجدا عملاً في أبو ظبي، وسيذهبان في أول جمعة إليك في دبي لزيارتك والتعرف بك. وهذا ما كان. جاءا. يا رائحة الأهل. كانا في سن أولادي ولكن لهما اهتمامات أدبية ويقرآن مثلما كنا في البلد شباباً لا هم لنا إلا القراءة. اعادا إليّ حتى لغتي الإدلبية الخالصة، المحكية في الحارات الفقيرة المتطرفة، التي استعجمت من اقامتي بعيداً عن البلد منذ نصف قرن. أمطرتهما بالأسئلة عن لداتي وأكثرهم عض على لسانه ونفخها ومنهم -وهؤلاء قلة قليلة جداً- من ينتظر وما بدلوا تبديلا. وهكذا من الضحى إلى قبيل المغرب ونحن في شبه سكرة من الذكريات، وزادتنا ربة البيت من القصيد بيتاً فصنعت لنا بضع أكلات إدلبية خالصة. ثمَّ أنهما قفلا راجعين إلى عملهما في أبو ظبي. بضعة أسابيع، وقفة عيد الفطر جاءني هاتف من عبد الرزاق - له اهتمامات ثقافية متنوعة ولا سيما التاريخ والآثار وقد نشرت له في جريدة الخليج مقالات في ذلك- يقول إنه آت غداً أول أيام العيد. ولم أكن في البيت فرحبت به ربته في حرارة وجعلت له رجلين من قصب أن يكون من المبكرين لأن شمل الأسرة سيكون يوم غد جميعاً وعلى رأسهم حفيدي صاحب البند والعلم زهدي بيك- أمه أجنبية وتظن أن بيك من أصل الاسم- ضحوة هاتف آخر من دبي يقول: يا خاي أبو محمد أنا هنا في حارتك حيث طبني السائق الظبياني وضايع بعيد عنك. قلت: أشر لي أين أنت على الضبط. أشر. رحت إلى لقائه. وبدأت جلسة استخدمنا فيها الديالكتيك الإدلبي الصرف، حتى أن ابني محمد وأمه شامية، عاد لا يفهم علينا شيئاً وظننا نتكلم اللغة التركية، كما صرح. وكان عبد الرزاق واخجلي منه يحمل شوالاً من الهدايا فيه هذا القلم الشيفر ميديوم الذي أكتب فيه الآن ولا أرضى عنه بديلاً منذ أيام لانسيابه كأنما في زبدة عرب. وكان فيما قلت له: كيف تضيع يا فالح وبيتنا لا يضيع أحداً كأنه علم في رأسه نار، فضحك، أضحك الله سنه.







.png)


.jpeg)



.png)

