حرب الإبادة والتجويع بين الصمت العربي القاتل والغضب الدولي المتزايد

A+
A-
العدوان على غزة (شينخوا)

العدوان على غزة (شينخوا)

حتى هذه اللحظة، ما زالت حرب الإبادة على غزة والشعب الفلسطيني عامةً، تستعر بعد أن دخلت شهرها الحادي والعشرين، تفتك بالأبرياء من الأطفال والنساء وكبار السن، لتتابع حرق الأخضر واليابس، في همجية العصر الحديث وترك أرض غزة رمادًا بعد حرق البشر والشجر والحجر، كي لا تصلح للحياة.

هذا ما يريدها أن تكون مجرمو الإبادة في الزمن الحديث، عصابة الحرب والتجويع والاحتلال، بهمجية نتنياهو وأتباعه في جهة اليمين الاستيطاني الفاشي ومن حولهما، تحت دعم وتغطية كاملين من هم على شاكلتهم في هيئة ترامب والإدارة العاملة في البيت المُشَحَّر الأمريكي.

يسيل الدم بغزارة وبالآلاف من الغزيين والفلسطينيين، ويمشون في جنازاتهم باسم صُنع "السلام" الضائع، يجرون المفاوضات الماراثونية لوقف الإبادة والتجويع، يعقدون الاجتماعات والحوارات الصامتة والصاخبة، يتبادلون الكؤوس دون الارتواء، والوفود بالزيارات، ثم يستبدلونها بأخرى، من الخبراء الأقل أو الأكثر تزمُّتًا ونجاعة، ثم يُبقون على الوفود في حالة سفر ومكوث دائمين، نُزلاء فنادق بدرجات دبلوماسية واستكشافية لا حدود لها من حيث الصخب والضجيج، تعلو محاوراتهم المكوكية، ومتَنقّلة بين عواصم التفاوض: الدوحة، القاهرة، تل أبيب، واشنطن.

لكن الحرب تستمر، بأوجه عديدة، ويسقط الشهداء من الأجيال المختلفة، على إيقاع القنابل الذكية وروتين التفاوض، بخدع مكشوفة، وبغمز ولمز وابتسامة صفراء قاتلة، بين "بيبي" وترامب، لامتصاص النقمة أو إحراز نقاط في سُلّم التنازلات، أو لتغيير قواعد الاشتباك على الأرض، ربما لزحزحة المطالب لتهميش الجوهر، وكأن الموضوع من أساسه مجرد حقوق مدنية وإنسانية.

هذا مطلب نتنياهو كل الوقت، بطبطبة وإشراف أمريكي مباشر، كي لا يُمنح الطرف الفلسطيني أية حقوق ومكاسب سياسية ووطنية، دون تحديد الرؤية المستقبلية لقطاع غزة ما بعد حماس، وتجاهل مقومات الحل للقضية الفلسطينية في ظروف عصرنة القوة والبلطجة على قوة الحق، والتحكم بإخضاع إرادة الشعوب للهيمنة الصهيونية والإمبريالية والتحكم بالمناخ السياسي والاقتصادي والعسكري على المنطقة العربية والإقليمية، في بناء شرق أوسط على مقاسهم ومناخهم الأمريكي-الإسرائيلي-الرجعي العربي.

بات من الواضح، أن من يُفشل المفاوضات والجلسات والمحاورات، التي جرت وتجري في عواصم الأذناب، هم حكام إسرائيل ونتنياهو بالذات، وبتلون أمريكي وخُبث دبلوماسي وسيناريو يبدو أنه متفق عليه: إعطاء المزيد من الفرص والوقت للحل العسكري، الذي أثبت فشله على مدى أشهر الإبادة الجارية، لتغيب شمس الحق الفلسطيني، وإطالة حكم نتنياهو واليمين، بالقفز على قرارات محكمة الجنايات الدولية، باعتباره مطلوبًا لها لارتكابه جرائم حرب، وإبقاء

صك التصاهر السياسي بين حكومة الاحتلال والحرب والإدارة الأمريكية، في قمة مستويات التنسيق والتوافق، في اغتنام الفرص، وفرض الوقائع المشتركة على الأرض. فأحدهما يُكمل الآخر، وهذه فرصة نادرة "وطيبة" ومتناغمة بعدة أشكال في خدمة الاستراتيجية المشتركة، للمحور الأمريكي الإسرائيلي الرجعي العربي، على محاصرة من يرفع رأسه في المنطقة وخارجها أولًا، ومُوجّه إلى محاور أخرى، من إيران والصين إلى روسيا والأوروبيين.

هذه الحرب بكل مآسيها وويلاتها، قد كشفت عن الوجه القبيح لعالم اليوم والإنسانية التي أصبحت منذ زمن مضى بدون إنسانية.

الأوروبيون يحاولون أن ينتهجوا سياسة أكثر واقعية وتفهمًا للحقوق الفلسطينية، تحت الضغط الجماهيري، بمطالبة حكوماتهم بالاعتراف بالدولة الفلسطينية والتنديد بالمجازر الإبادية، التي ترتكبها حكومة الحليف المُدلل نتنياهو، بحق المدنيين وتجويعهم لدرجة الموت الجماعي، لأهالي غزة وسائر المناطق المحتلة.

إن ما يُنعش العقل والقلب ويبعث الأمل والنور في نهاية الحرب، هو عوامل كثيرة إيجابية تساعدنا على فهم عميق للمرحلة التي نعيشها وطبيعة الصراع الذي أخذ يستنزف مقومات الإنسانية ومواردها، في الدول المشاركة، سواء بلادنا أو الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي ودول الجوار. فالعالم أجمع يراقب عن بُعد،لكنه يسعى لإعادة تقييم المرحلة، ووضع حلول تُرضي كافة أطراف الصراع، لإنهاء المأساة الفلسطينية التي لم تبدأ في السابع من أكتوبر 2024، ونشهد اتساع حركة التضامن والدعم في العالم أجمع، مع الأهل في غزة والشعب الفلسطيني عامة، في إنهاء معاناته التي بدأت من أواخر القرن التاسع عشر.

آن الأوان لإنهاء فصول المأساة التي كان للأوروبيين دور أساسي في نشوئها وتشكلها عبر العقود التاريخية الماضية. ولهذا فإن اتساع حركة الاحتجاج والإدانة الأوروبية، من وزراء وبرلمانيين وفنانين وأساتذة جامعات وعمال وموظفين وطلاب، وكل الفئات الشعبية على مختلف أطيافها وانتماءاتها السياسية والفكرية، متفقة على ضرورة وقف الحرب كخطوة أولى وفتح المعابر وتقديم المعونات الإنسانية، بإنقاذ أهل غزة من شبح الموت جوعًا، والاعتراف بالحق الفلسطيني كضمانة للسلام والازدهار والأمن في المنطقة.

بالرغم من الأجواء العنصرية والفاشية المنفلتة والمسيطرة على الشارع العام، نشهد في المجتمع الإسرائيلي أيضًا صعودًا في حركة الاحتجاج وتأكيد على ضرورة وقف الحرب، وعقد صفقة تبادل بين الطرفين.

هذا ما يريده أهالي المخطوفين لإعادة أبنائهم، ومعهم قوى مناهضة للحرب والاحتلال وخطر الفاشية، وهذا ما شاهدناه، في فشل إقصاء النائب أيمن عودة من الكنيست.

إذا كان كل ذلك يجري على مستوى العالم وعواصمه ومدنه الغربية، إلى العواصم والمدن الآسيوية والأفريقية وأمريكا اللاتينية، قد عبّرت وقالت كلمتها في مساندة غزة، وحق الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال، إذن، أين الحراك والاحتجاج والاستنكار العربي، الممتد من المحيط الأطلسي غربًا، حتى الخليج الفارسي شرقًا؟

إيران قالت وعبّرت عن مواقفها ومناصرة غزة، واليمن نعرف حجم تضامنها المتعدد الجوانب، أما الحكومات والأنظمة المُعفنة، فنعرف صمتها وتواطؤها وتآمرها وراء الستار.

إنما الذي لا نعرفه هو طبيعة صمت الحراك الجماهيري، في أم الدنيا، جارة غزة العزة. أين مجموع الحراكات والتحركات النقابية والعمالية وقطاعات الاقتصاد من أقلام وأدباء وصحفيين وإعلام في الجبهة الثقافية؟أين كوادرُ وصوتُ المهندسينَ والمحامينَ والفنانينَ والتجارِ؟ أين حركةُ الكفاحِ والتغييرِ في الجامعاتِ والجوامعِ والمساجدِ ودورِ العبادةِ في مجموعِ العالمِ العربي؟

لماذا هذا الصمتُ القاتلُ، يا إخوةَ الإيمانِ والعقيدةِ واللغةِ والقوميةِ والإنسانيةِ؟ لماذا لم تخرجْ مظاهرةٌ واحتجاجٌ واستنكارٌ واحدٌ، من عالمِنا وأمتِنا العربيةِ والإسلاميةِ؟

أم ستبقونَ أهلَ غزةَ والشعبَ الفلسطينيَّ فريسةً لذئابٍ وأطماعِ الصهيونيةِ والإمبرياليةِ، والرابحونَ إقليميًّا؟

ألم تدركوا بعدُ، وهذه مآسيكم كحكامٍ وشعوبٍ مقموعةٍ داخليًّا وخارجيًّا، بأنَّ السكوتَ على افتراسِ وقتلِ الحقِّ الفلسطينيِّ ـ لا قَدَرَ المولى ـ يكونُ بعدَه الدورُ عليكم، لتقسيمِكم إلى دُويلاتٍ متخاصمةٍ متناحرةٍ على أساسِ مذاهبَ وأديانٍ، إذا لم يكنْ على جغرافيا عربيةٍ وعثمانيةٍ وفارسيةٍ وأخرى إفريقيةٍ وخليجيةٍ، إلى آخرِ هندسةِ التقسيماتِ والانشقاقاتِ والتكويناتِ المُصطنعةِ القديمة/الجديدة، استعماريًّا وصهيونيًّا.

ألم تكنْ سوريا الآن خيرَ مثالٍ، على حجمِ الجرائمِ التي تُرتكبُ في السويداءِ والساحلِ والشمالِ السوريِّ، وسابقًا في السودانِ وليبيا والعراقِ واليمنِ وغيرِهم؟

إننا نُهيبُ بشعوبِنا وقدرتِها على إعادةِ النظرِ في سُلَّمِ الأولوياتِ القوميةِ والوطنيةِ، وتحملِ المسؤوليةِ بالمبادرةِ إلى كسرِ حاجزِ الصمتِ القاتلِ، وهزِّ العرشِ والكرسيِّ، ونفضِ فصولِ الخوفِ والرعبِ من الحكامِ، ومواجهةِ مصيرِ شعوبِنا، بالتحركِ إلى الأمامِ لمواجهةِ التحدياتِ في استعادةِ الكرامةِ الوطنيةِ المفقودةِ، وإعلاءِ روحِ العِزَّةِ والشموخِ في إشاعةِ روحِ المواجهةِ، لأنَّ نُصرةَ غزةَ وفلسطينَ، من نُصرةِ أنفسِنا وشعوبِنا، من أجلِ الحريةِ والاستقلالِ والعدالةِ، في عالمٍ بلا إنسانيةٍ ولا عدالةٍ.

إنَّ النضالَ والخوفَ والصمتَ لا يلتقونَ في خندقٍ واحدٍ.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية