ليس من الضروري التوقف عند، ومقارنة كل عمل من تراث الرحابنة بكل عمل من تراث زياد لكي نثبت ما تذهب هذه المقالة لقوله وهو، أن تراث هذا الأخير لم يتم ابداعه في تطور خطي متواصل لتراث الرحابنة الآباء، بل نتيجة قطع مع هذا التراث وتجاوز ونفي جدلي له، وفي آلية من الهدم والبناء، تخلص مما قد بات باليا ومحافظا وغير ذي صلة بواقع المجتمع اللبناني إبان الحرب الأهلية وما بعدها من جهة، وحافظ من جهة أخرى على بعض خصائصه الفنية في الشكل والأسلوب.
يُتيح لنا تفعيل مفهوم الواقعية السحرية، الذي يجري توظيفه في العادة على أدب أميركا اللاتينية (ماركيز، كاربنتييه)، على المسرح الرحباني مدخلا إضافيا ممكنا لفهم هذا المسرح. تقوم الواقعية السحرية على دمج العجائبي باليومي؛ وقوعِ أحداثٍ غريبة ومستحيلة في قصة تميل أحداثُها الأخرى إلى الواقعية، بحيث يصبح الخارق جزءًا طبيعيًا من الواقع، لا ينفصل عنه ولا يُعامل كغريب عنه. وإذا تأملنا أعمال الرحابنة، نجد آلية مشابهة ولكن بصيغة شرقية–غنائية؛ إذ تتحوّل الضيعة اللبنانية إلى فضاء حُلمي، تنطق فيه الطبيعة بالحب والجمال والتناغم وتتلون فيه الضيعة اللبنانية بألوان وردية؛ هنا الحب هو أسطورة مصغّرة، تتكلم فيه الشخصيات الشعبية العادية لغة شعرية، وتغني حكاياتها كأنها طقوس مسرحية أسطورية. إن هذا المزج بين الواقعي والشعري–الأسطوري منح المسرح الرحباني بعدًا أقرب إلى الواقعية السحرية في الأدب اللاتيني، لكن في فضاء موسيقي–غنائي، لا سردي–روائي، حصرا. ومن خلال هذا المفهوم سنجد أنّ مسرح الرحابنة الغنائي حوّل الضيعة اللبنانية إلى فضاءٍ يتجاوز الواقع المادي نحو الحلم والأسطورة. في الفترة ما بين 1960 و1965، قُدِّمت ست مسرحيات أساسية (موسم العز 1960، البلبلية 1961، جسر القمر 1962، الليل والقنديل 1963، بياع الخواتم 1965، دواليب الهوى 1965) وفيها يمتزج اليومي بالأسطوري.
وهنا نحن أمام وطن مُأمثل متماسك رغم الخطر. هذه السردية الريفية تبقى اسيرة فضاء القرية اللبنانية حيث ينتصر التوازن وينتصر الحب. لا وجود لأي سياق سياسي أو طائفي معقّد. لاحقا وبعد هزيمة حزيران 1967 ظهرت مسرحيات تحمل ملامح جديدة مثل هالة والملك (1967)، الشخص (1968)، صح النوم (1970)، المحطة (1973)، لولو (1974)، وميس الريم (1975)، انتقل مسرح الأحداث من القرية الى المدينة ورغم أن هذا الوطن المأمثل كان يبدو هشا ومعرضا للخيبة وبرغم النقد السياسي الرمزي والمحدود، بقي الوطن وديعا مثاليا ومنتصرا؛ إننا أمام صيغة لبنانية للواقعية السحرية، يتجاور فيها اليومي والخيالي، بسلام. لكن يجدر الانتباه هنا أنّ "السحر" عند الرحابنة ليس عجيبًا أو غرائبيًا على مستوى النص السردي، بقدر ما هو شعري–غنائي، يتولد من اللغة الموسيقية والكورالية التي ترفع المألوف إلى مستوى الحلم. فالزمن في هذه المسرحيات متوقف أو معلّق، والضيعة تتحول إلى فضاء يوتوبي خارج ضغوط الواقع. ومع الانتقال من بياع الخواتم وجبال الصوان إلى ناطورة المفاتيح والمحطة، يتدرج المسرح الرحباني من أسطرة الوطن إلى كشف هشاشته، لكنه يظل يقدّمه كحيّز وديع مثالي يُقاوم الخيبة والانهيار. من هنا يمكن القول إنّ الواقعية السحرية الرحبانية كانت في جوهرها مشروعًا وطنيًا ثقافيًا، هدفه إنتاج صورة موحِدة وموحَدة عن لبنان، حتى وإن بدت الصورة مفارِقة للواقع.
وهذا ما يتضح أيضا من مجمل القراءات النقدية. إذا ترى إيليز سالم منغانارو (1) أنّ المسرح الرحباني كان مشروعًا جماليًا–ثقافيًا معقّدًا؛ يوتوبيا ثقافية صاغت صورة متخيلة عن لبنان القروي المتجانس، في مواجهة مأزق الهوية السياسية، أما غسان زكريا (2) فيرى أنّ هذه التجربة جسّدت توازنًا بين التراث والتجديد، لكنها لم تنجُ من مثالية تفصلها عن الواقع الاجتماعي. في المقابل، يركّز جوزيف نجم (3) على بعدها الفني–المسرحي، معتبرًا أنّ الرحابنة أعادوا صياغة التراث الشفهي (الزجل، الأهازيج) في إطار مسرحي حديث، فيما غابت السياسة الكبرى لصالح رسم لبنان "المثالي". بينما لا يقرأ فواز طرابلسي (4) الرحابنة كفن غنائي فقط، بل كـ مشروع أيديولوجي–ثقافي أسهم في صياغة هوية وطنية لبنانية متخيّلة، قائمة على التناغم والبراءة، رغم إمكانية قراءة تداعيات الصراع الطبقي والانقسام الطائفي لكنها تبقى بعيدة عن التعبير الشمولي للصراعات الاجتماعية والسياسية الحقيقية. وعليه يمكن القول إنّ الرحابنة، عبر فيروز وصورتها الرمزية، قدّموا خطابًا جمالياً يوفّر وطنًا بديلًا للخيبة السياسية، يجمع بين التراث الفولكلوري واللغة الغنائية–الشعرية، ليُصبح الركيزة الأكثر تأثيرًا في بناء الهوية اللبنانية الحديثة.
لقد تم إنتاج اليوتوبيا اللبنانية عند الرحابنة عبر آلية معقدة دمجت عناصر من التراث الموسيقي القروي: الزجل، الميجانا، العتابا، الإيقاعات الشعبية والدبكة وأعادت صياغتها في قوالب أوركسترالية حديثة، فتحول الفولكلور من فن محلي محدود إلى رمز وطني جامع. ومن خلال اللغة العامية المحكية والمشبعة بالصور البلاغية والرموز استطاع مختار القرية والفلاح والبائع أن يتكلم وكأنه شاعر، صار مواطنو القرية مغنين وشعراء. رُفِعت الحياة اليومية الريفية إلى مستوى أسطوري، سحري، تتجاوز فيه القرية واقعها البسيط، المباشر والعفوي لتصبح رمزًا للبنان كله. وصار باستطاعة كل لبناني أن يجد نفسه في لحن مألوف أعيد تقديمه بحداثة، بل صار هو مغنيا أو شاعرا محتملا، وصارت فيروز بصوتها الملائكي هي الوطن، كيانا متعاليا متجاوزا لتناقضاته. إنها صوت الخلاص الممكن، بل هي الخلاص حقا. وعبر هذه الثلاثية المنتصرة؛ الموسيقى، الشعر والغناء صاغ الرحابنة "لبنان الحلم" وقانونه النهائي هو الحب والوئام في المخيلة الجمعية اللبنانية العابرة ايضا لبلاد الشام وما بعدها.
إن الظهور الأول ذو الشأن لزياد في اللحن الذي قدمه لأغنية "سألوني الناس" (1973) يعلن بلا ريب عن بدايات القطيعة على مستوى الموسيقى ولاحقا على مستوى النص المسرحي مع المدرسة الرحبانية الكلاسيكية. لقد بقي النص الشعري (منصور الرحباني) ملتزمًا بالحمولة الرمزية المعتادة: الغياب يتحوّل إلى خطاب أسطوري–وطني عن الفقد. غير أنّ زياد، متأثرا بسيد درويش (1872–1923)، نقل النص من فضاء اليوتوبيا الغنائية الرحبانية إلى فضاء واقعي–شعبي أكثر مباشرة. فاللحن يقتصر على جملة قصيرة متكررة، أقرب إلى الجملة الحياتية اليومية، ويستند إلى توزيع موسيقي (الياس الرحباني) محدود الآلات (بيانو، بزق، إيقاع شرقي بسيط) بعيد عن الأوركسترا والـ«كورال» الضخم اللذين ميزا المسرح الغنائي للرحابنة في الستينيات. وبهذا يكون زياد قد أحدث نقلة جمالية: لم يغيّر النص، بل غيّر طريقة سماعه. فبينما كان الرحابنة يرفعون العبارة البسيطة إلى مرتبة أسطورية عبر البناء الدرامي–الأوركسترالي، حوّل زياد الأغنية إلى شهادة وجدانية عارية من أي تضخيم، حيث يُقال ما يجب أن يقال، فجًّا كما هو. هذه النقلة، التي تستبطن مرجعية درويشية في التبسيط والتأصيل الشعبي، تُجسّد ما يمكن تسميته بداية الاستدارة نحو بنية جديدة، تثبت النص الرحباني ولكن تقلبُ أفقَ تلقيِه عبر الموسيقى، تحافظ فيه الأغنية على طابعها الواقعي الجريح داخل الفضاء الشعبي المعيش.
في نزل السرور (1974) يعلن زياد الرحباني قطيعته الأولى مع الإرث الرحباني، سواء على مستوى البنية الموسيقية أو الكلمة المسرحية. فمن خلال الكورس الجماعي الساخر يبني عالمًا يغمره البؤس والفقر والضحك المرّ، عالمًا ينقض "اليوتوبيا" المثالية التي شيَّدها الرحابنة السابقون، ليضع الواقع الاجتماعي والسياسي تحت مجهر العين العارية، المتحررة من سطوة الأسطورة. وعلى مستوى الموسيقى، ينتقل زياد بمرونة بين إيقاعات تستلهم الجاز، وألحان ساخرة ذات طابع شعبي، واستدعاءات مباشرة لتراث سيد درويش، ليؤسس بذلك ما يشبه جلسة عزف ارتجالي/حواري (Jam Session) حيث تتقاطع الأصوات وتتحاور لتجسيد التعددية الاجتماعية والسياسية على الخشبة. إنه يحضر الهامشي \النشاز\ الخارجي الى مركز الحدث.
وعليه يمكن قراءة مسرحية نزل السرور في ضوء مفهوم الكرنفالية (5) كما صاغه ميخائيل باختين. فالمسرحية، بتركيزها على فضاء الحانة كمكان شعبي هامشي، تُتيح انقلاب الأدوار وتحرير الأصوات المقموعة. يجتمع في هذا الفضاء «شخصيات دنيا» ــ زبائن عاديون، موسيقيون، فقراء ــ ليؤدّوا دور المهرّجين الذين يفضحون بنقدهم الساخر وعباراتهم البسيطة حقيقة المشهد المفبرك للسلطة السياسية والاجتماعية. هنا يتم فضح الملك عاريا ويُقدِّم زياد عالمًا تُجرَّد فيه السلطة من هالتها لتظهر «عارية» أمام الناس. إنّ الهزل والتهكّم ليسا هنا مجرد وسيلة ترفيهية، بل أداة نقدية تُتيح للجمهور إدراك التناقض بين الواقع الرسمي والشعبي، بين خطاب الدولة وحياة الناس اليومية. وبهذا، يتحول نزل السرور إلى كرنفال مسرحي لبناني يواصل تقليدًا عالميًا يجعل من الهامشي والمضحك وسيلةً لكشف عيوب البنية السلطوية. لأهلية اللبنانية، المجتمع اللبناني على حقيقته، مشرذما تهيمن عليه الطائفية والفقر، مجتمع بلا أفق. لقد انكسرت هنا صورة لبنان المثالي الوديع، نهائيا. ومن خلال الكوميديا السوداء والحوار الواقعي الخام المليء بالنكات، التلاعب اللغوي، والشتائم أحياناً، يرفع مسرحه إلى أيقونة ثقافية لجيل الحرب الأهلية ولأجيال قادمة.
ربما تمثل مسرحية فيلم أميركي طويل (1980) محطة ثانية في مسار زياد رحباني. هنا تحول الفضاء الدرامي (مصحّة عقلية في ضاحية بيروت) إلى مرآة للانقسام اللبناني، يختلط الجنون بالعقل، والهذيان السياسي بالواقع اليومي. الحوار الذي يتلاعب بالألفاظ الطائفية والسياسية يعكس عبثية الخطاب العام في لبنان، ويكشف هشاشة الهوية الوطنية. يتخلّى زياد عن الرمزية الرحبانية هنا لصالح واقعية فظة وسخرية مريرة. بعد هذا جاءت مسرحية شي فاشل (1983)، التي يهدم فيها بوعي صورة “الضيعة الرحبانية” عبر إدخال شخصية أبو الزلف في مواجهة مباشرة مع الكليشيهات الفولكلورية. في هذا العمل يظهر لأول مرة نقد مكشوف للتراث الفني الذي اعتمده الرحابنة، بوصفه خطابًا لم يعد يواكب أزمنة الحرب والدمار. وفي التسعينيات، عمّق زياد هذه النزعة السوداوية؛ بخصوص الكرامة والشعب العنيد (1993) ولولا فسحة الأمل (1994) جسّدتا خطابًا نقديًا صريحًا ضد نظام ما بعد الطائف، حيث يختفي أي أفق خلاصي.
وهكذا يمكن القول أن زياد ورث من الرحابنة قالب المسرح الغنائي، أي الجمع بين الحوار والمونولوج والرقص والأغنية في حبكة سردية واحدة. نرى حضور الكورس والأغنية الجماعية كأداة تعليق على الأحداث، لكن وبدل الطابع الأسطوري اليوتوبي عند الرحابنة يُحمِل زياد هذا القالب محتوًى نقديًا ساخرًا.وبينما يُهذب الرحابنة العامية اللبنانية ويُرفِعونها إلى مرتبة اللغة الشعرية الغنائية عبر صياغة لغة معدلة تجمع العامية بالفصحى، يذهب زياد الى تبنّى ماهو أبعد، فيجعل العامية اليومية–بكل سوقيتها وتعابيرها الساخرة–أداة المسرح نفسه. أما على مستوى النقلة الموسيقية فبينما وظف الرحابنة مزج المقامات الشرقية بالهارمونيات الغربية وبتضمين الدبكة والإيقاعات الشعبية ضمن أوركسترا حديثة، تبنى زياد أيضا تقنية المزج هذه، وأعاد صياغتها، فعزّز حضور الجاز والبلوز وأدخلهما في تفاعلات مباشرة مع المقام الشرقي. وانتقل من إيقاعات الريف اللبناني من خلال التجريب الموسيقي إلى صخب المدينة المأزومة ليحطم صورة الوطن الجميل والمتماسك.
مراجع
1) Imagining Lebanon Through Rahbani Musicals Elise Salem Manganaro Al Jadid Magazine, Vol. 5, No. 29, Fall 1999.
2) غسان زكريا الفن والمجتمع في تجربة الرحابنة، 1980
3) جوزيف نجم، المسرح الغنائي في لبنان، 1977.
4) فواز طرابلسي، فيروز والرحابنة مسرح الغريب والكنز والأعجوبة، 2006.
5) ميخائيل باختين، رابليه والثقافة الشعبية في العصور الوسطى وإبان عصر النهضة، ترجمة شكير نصر الدين، بيروت، منشورات الجمل، الطبعة الأولى، 2015.
الكرمل - تموز-آب 2025








.png)


.jpeg)



.png)

