كثيرًا ما نُشغل بالنا، وتستحوذ على نمط تفكيرنا، أحاديث عابرة، وجُمل تأتي في سياق المسافة الممتدة بين استهلاك ثقافة الوقت، وبين النقاش أو الحوار، بهدف الاستفادة القصوى في إثراء اللقاء أو الأمسية، سواء كان سياسيًا، اقتصاديًا، أو اجتماعيًا، أو علميًا، تكنولوجيًا، إلى آخره.
في الوقت الذي أطلقت العنان لمخيلتي، وأنا أعدو منذ سنوات عديدة، أجوب مسارب وطرقات بلدتي المحفورة في الذاكرة الفردية والجماعية كويكات المهجرة، حيث أمارس على ثراها الخالد، وبين حقولها الممتدة، رياضتي المفضلة المشي السريع لمسافات بالكيلومترات، وأنا غارق في بحر عرقي، وإذ برفيقي حسام المحاسب، يقول بإشارة منه إلى سيارة مركونة في موقف السيارات، على أنها (أي السيارة) صناعة رومانية، وتلك الأخرى صناعة تشيكية، وهلمّجرا.
استفزتني المعرفة بما كنت أجهله في عالم صناعة السيارات، وقلة معرفتي بالشركات والدول المصنّعة لها، وأن بعضها من وسط أوروبا الشرقية وغيرها، في آسيا وجنوبها وشمالها، بحيث إن تكنولوجيا صناعة السيارات لم تعد حكرًا على أمريكا وأوروبا الغربية، اللهم سوى عالمنا العربي لا يُصنّع سوى القهر والبؤس والفقر لشعوبنا.
هذا الأمر ضايقني جدًا، شعرت أنني جُرحت في عروبتي وقوميتي، شعرت للوهلة الأولى بوخزة في صدري، وتوقفت لغة الكلام والحوار عندي، وانشل عمود تفكيري عن التتبع لبعض الوقت.
قلت على مسمع من زميلي المحاسب، وبصوت جهوري عالٍ:
هل من المعقول، وأنا لا أقلل من قيمة الشعوب والدول الأخرى: رومانيا وتشيكيا وغيرهم، على القدرة على التصنيع، بينما أمة عربية غير موحدة، ولكن ذات لغة عربية وقومية واسعة الانتشار، كثيرة الجعجعة والمسايرة، وافرة المال والكنوز، باسطة النفوذ من المحيط الأطلسي إلى الخليج، وحكامها هم سبب البلاء والمصائب التي تعاني منها شعوبنا العربية، ترى هذه الأنظمة غير قادرة على تصنيع مسمار أو سكة محراث تجره الثيران والخيول، فيما يتكدس فائض المال والثروة، وتقل وتخبو العقول، ويتوقف التفكير، ليُسيطر الجهل والتبعية والأذناب، وتتعمق العمالة والخيانة للغرب الإمبريالي وشركاته الناهبة لخيرات عالمنا العربي، وأولها النفط والغاز وكل المعادن الثمينة والنفيسة.
بينما يتراكم ويزداد الجشع والاضطهاد والظلم والاستغلال والفقر إلى حد الجوع لشعوبنا العربية، وللشعب الفلسطيني في غزة والضفة، إننا ندرك وشعوبنا العربية كذلك، أن التفكير السليم والتخطيط المبرمج المبني على العلم والتكنولوجيا، يتناقض كليًا مع طبيعة الأنظمة الحاكمة، وبالذات في "كازيات الخليج" النائم/الناهض، التي يتبارى كل منها مع نفسه على بناء أعلى برج في العالم، برج خليفة أم برج دمشق الشرع المزمع بناؤه كما أُعلن عنه.
إن الديمقراطية والبحث العلمي وفائض المال المتوفر بكثرة، لا يلائم الطبيعة العائلية والملكية، لأنظمة الفساد والإفساد، والنخب الحاكمة والمسيطرة بالحديد والنار على مقاليد ومفاتيح عالمنا العربي.
فالفقر والجهل والبؤس، وحرمان الأغلبية الساحقة من الجماهير والشعوب في أن تتمتع بخيرات بلدانها، ليس هو منزلًا من الرفيق الأعلى، ولا جاء بنص قرآني أو إنجيلي مقدس، بينما دعت الديانات السماوية إلى تطبيق العدالة الاجتماعية وتوزيع الخيرات بالتساوي، وحق الشعب/والشعوب أن تتمتع بخيرات مجتمعاتها وكنوز أراضيها، فيما تقول الآية الكريمة: "ربّي زدني علمًا".
فحكومات الخزي والعار في حظيرة الخليج وغيرها، يتوفر عندكم فائض المال، لدرجة أنكم تمولون خزائن أسيادكم، وشركات أعداء شعوبكم، من عرق وقوت وجهد شعوبكم، وتقدمون المنح والهبات المجانية بالمليارات والتريليونات، طاعةً لسيدكم في بيت العهر الأمريكي، ولا تستطيعون بناء مصنع واحد في بلدانكم، تستوردون السيارة قبل الطائرة، ورغيف الخبز وحبة الدواء لعلاج أمراضكم، وتتعالجون في مصحات أعداء أمتكم، ولا تملكون من إرادتكم وقراراتكم سوى أفعالكم الإجرامية، خدمةً لرأس المال الأمريكي والأوروبي.
لذا لا تتوفر الإرادة والبرامج التصنيعية والتكنولوجية الحديثة، بعدم البحث عن مصادر لتطوير ورفد الاقتصاد الوطني في التصنيع، وامتلاك تكنولوجيا السيارات والآليات الثقيلة، وإنما الاكتفاء باستخراج وتصدير النفط وتصنيع مشتقاته، ولا تملكون من إدارتها شيء.
يفهم من ذلك أن هذه الدول والأنظمة غير معنية ببناء كوادر مهنية علمية، تعيق دائرة البحث العلمي والتكنولوجي، واستنباط القدرات الإبداعية، وإخراجها إلى حيز التنفيذ، لتعزيز وإغناء الأدمغة والاقتصاد الوطني، بالتنمية العلمية والثورة التكنولوجية، في رفع مستويات الاقتصاد الوطني لدرجة الإشباع والاكتفاء والتصدير، مما يؤدي إلى رفع مستوى معيشة الشعب والعاملين على أراضيه، أيدي أجنبية وعربية وإقليمية.
مثل هذه الأنظمة تُغيب عن سُلم أولوياتها، إن كان لها أولويات، اقتصادية واجتماعية وعلمية وغيرها، ما يسمى وزارة البحث العلمي والتكنولوجي، ويكون تغييبها عن قصد، للحيلولة دون امتلاكها لكوادر وعقول وأدمغة إبداعية، لأنه يتعارض مع مفهوم الملكية والعائلية المُسيطرة.
إن مثل هذه الدول الخليجية وغيرها، تفتقد للديمقراطية والعدالة والإنسانية، فهي تحكم بالحديد والنار، وليس بالعلم وحرية الاختراع والإبداع، تستغل الثروات الطبيعية من النفط والغاز وغيرها، للتدخل في حياة ومعيشة واستقلال وحرية الشعوب والدول الأخرى، والعربية على وجه الخصوص.
وما حدث ويحدث في سوريا والعراق وليبيا والسودان والصومال واليمن، ومحاولات التدخل في شؤون الجزائر وغيرها، دليل على الدور الهدام خدمةً لمصالح الإمبريالية والصهيونية العالمية.
مهمة هذه الأنظمة ليست بناء الكوادر العلمية وتنشيط وتطوير الاقتصاد الوطني، وإنما قتل الأدمغة وتهريبها للغرب، وإبقاؤها كدول وأنظمة وظيفتها أن تستورد لا أن تصدر، فهي مجرد سوق للشركات والاحتكارات الغربية، وبيد الغرب الأطلسي، عليها تنفيذ ما يُطلب منها، في دعم وتمويل وإنتاج الإرهاب الذي ترعاه أمريكا وحلفاؤها الأوروبيون وغيرهم.
هذا الإرهاب المُغلف بعباءة الدين، لتقطيع أوصال العالم العربي، من خلال خلق مشاكل في هذا البلد العربي أو ذاك، عن طريق شراء قيادات حكومية وعسكرية وكوادر اقتصادية، ودسها لخلق البلبلة والتوتر، تحت يافطة (الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير)، كما جرى في سوريا على مدى عقد وأكثر من الزمن، لإسقاط أنظمة وطنية معادية للاستعمار والهيمنة الأمريكية والصهيونية في المنطقة، وتعيين أنظمة عميلة ساقطة، لا وزن ولا شأن لها، همّها خدمة الغرب الأطلسي، عن طريق التفريط بالتراب والسيادة الوطنية (وسوريا مثال ساطع)، والضغط على بعض الدول (موريتانيا والسودان) وغيرهم، عن طريق ضغط فائض المال (الإمارات وقطر والسعودية)، بضرورة التطبيع مع حكومة الاحتلال والإبادة، وترك الشعب الفلسطيني وقضيته إلى المجهول، دون دعم يُذكر، بل وتتآمر عليه دول ذو القربى.
أنظمة ديكتاتورية تحكم بعقلية الثمن والمصالح، لا بعقلية التطور والازدهار، ولا بعقلية الثورة العلمية، ولا بتكنولوجيا القرن الواحد والعشرين.







.png)


.jpeg)



.png)

