تقدّموا
قصيدة الانتفاضة (رسالة إلى غزاة لا يقرأون)
تقدَّموا
كلّ سماءٍ فوقكم جهنّمُ
وكلّ أرضٍ تحتكم جهنّمُ
تقدَّموا
يموتُ منّا الطفلُ والشيخُ
ولا يسْتسلمُ
وتسْقطُ الأمُّ على أبنائها القتلى
ولا تسْتسلمُ
تقدَّموا
تقدَّموا
بناقلاتِ جُنْدِكمْ
وراجماتِ حِقدكمْ
وهدّدوا
وشرّدوا
ويتّموا
وهدّموا
لن تكسروا أعماقَنا
لن تهزموا أشواقَنا
نحن قضاءٌ مبرمٌ
تقدَّموا
طريقُكم وراءكم
وغدُكم وراءكم
وبحرُكم وراءكم
وبرُّكم وراءكم
ولم يزلْ أمامنا
طريقُنا وغدُنا وبرُّنا وبحرُنا
وخيرُنا وشرُّنا
فما الذي يدفعكُمُ
من جثةٍ لجثة
وكيف يستدرجكُمُ
من لوثةٍ للوثة
سِفْرُ الجنون المبهمُ
تقدَّموا
وراءَ كلِّ حجرٍ كفٌ
وخلفَ كلِّ عشبةٍ حتفٌ
وبعدَ كلِّ جثةٍ فخٌ جميلٌ مُحْكَمُ
وإن نجتْ ساقٌ
يظلُّ ساعدٌ ومعصمُ
تقدَّموا
كلّ سماءٍ فوقكم جهنّمُ
وكلّ أرضٍ تحتكم جهنّمُ
تقدَّموا
حرامُكُم مُحلَّلٌ
حلالُكُم مُحرَّمُ
تقدَّموا بشهوةِ القتلِ التى تقتلُكم
وصوِّبوا بدقةٍ لا ترْحمُوا
وسدِّدوا للرَّحم
إن نطفةً من دمِنا
تضطرمُ
تقدَّموا
كيف أشتهيْتم واقتُلوا
قاتلُكم مُبَرَّأٌ
قتيلُنا مُتّهَمُ
ولم يزلْ ربُّ الجنودِ قائمًا وساهرًا
ولم يزلْ قاضى القضاةِ المجرمُ
تقدَّموا
لا تفتحوا مدرسةً
لا تغلقوا سجنًا
ولا تعتذروا، لا تحذروا، لا
تفهموا
أولُّكم آخرُكم
مؤمنُكم كافرُكم
وداؤكُم مُسْتَحْكِمُ
فاسترسِلوا
واستبسِلوا
واندفِعوا
وارتفِعوا
واصطِدموا
وارتطِموا
لآخرِ الشوط الذي ظلّ لكُم
وآخرِ الحبل الذى ظلّ لكم
فكلُّ شوطٍ وله نهايهْ
وكلُّ حبلٍ وله نهايهْ
وشمسُنا بدايةُ البدايهْ
لا تسمعوا/ لا تفهموا/ تقدَّموا
كلّ سماءٍ فوقكم جهنّم
وكلّ أرضٍ تحتكم جهنّم
تقدَّموا
تقدَّموا
لا خوذةُ الجنديّ
لا هراوةُ الشرطيّ
لا غازكم المسيل للدموعْ
غزّةُ تُبكينا
لأنّها فينا
ضراوة الغائب فى حنينه الدامى للرجوعْ
تقدَّموا
من شارعٍ لشارعٍ
من منزلٍ لمنزلٍ
من جثةٍ لجثةٍ
تقدَّموا
يصيحُ كلُّ حجرٍ مغتصبٍ
تصرخُ كلُّ ساحةٍ من غضبٍ
يضجُّ كلُّ عصبٍ
الموتُ.. لا الركوعْ
موتٌ.. ولا رُكوعْ!!
تقدَّموا..
ها هو ذا تقدَّم المخيّمُ
تقدَّم الجريحُ والذبيحُ والثاكلُ
والمُيَتّمُ
تقدَّمت حجارةُ المنازلْ
تقدَّمت بكارةُ السنابل
تقدَّم الرُّضّعُ والعُجّز والأرامل
تقدَّمت أبوابُ جنين ونابلس
أتَتْ نوافذُ القدس صلاةُ الشمس
والبخورُ والتوابلْ
تقدَّمت تقاتلْ!
تقدَّمت تقاتلْ!
لا تسْمعوا
لا تفهموا
تقدَّموا
كلّ سماءٍ فوقكم جهنّمُ
وكلّ أرضٍ تحتكم جهنّمُ
كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه
يطيبُ ليَ الآنَ أَنْ أُجزِلَ الشُّكرَ، مِن كُلِّ قلبي القويِّ.
لكُلِّ الوفودِ التي احتشدَتْ مِن أقاصي البلادِ لتشييعِ
جثمان شخصي الضَّعيفِ. لكُلِّ الذين أتاحوا لنعشي
رَحيلاً مُريحاً على رَمْثِ أكتافِهِم. ولكلِّ الذين اشتروا
لي أكاليلَ زَهرٍ بطيءِ الذُّبولْ
وماذا أقولْ؟
لتلكَ التي أزعجَتْها حياتي. وأزْعَجَ مَوْتيَ إزعاجَها
وتلكَ التي أفضَلَتْ بالبكاءِ عليَّ.. وقد أفْسَدَ الدَّمْعُ
مكياجَها
وماذا أقولْ
لوردِ الأسى. ولشوكِ الذهولْ
لشمعِ الوجوهِ. وفحمِ المراثي. ونار الطّبولْ؟
*
وإِنْ أنسَ لا أَنسَ مَن قَطَعُوا لرحيلي الإجازَهْ
وجاءوا لتكريمِ شخصي الضَّعيفِ. بقوَّةِ هذي
الجنازَهْ
ومَن أبرَقُوا للعَزاءْ
ومَن هاتَفُوا بالرِّثاءْ
ومَن أجْهَشوا بالبكاءْ
ومَن أنعَشوا تُربتي بالدُّعاءْ
ألا عَظَّمَ اللهُ أجْرَكُم أجمَعين
وبعدُ،
فأنتُم إلى حيثُ شاءَ العليُّ العظيمُ القديرُ الرَّحيمْ
على إثرِنا قادمونْ
إلى جنَّةٍ.. أو جَحيمْ
وإنَّا لَهُ. وإليهِ كعادَتِنا راجعونْ
*
أَجَلْ. متُّ غَدراً.
وأستأذنُ الموتَ كَي أشكُرَ الطّعنَةَ الغادِرَهْ
وأَغرسَ في شرفةِ الجُرحِ مِن أجلِكُم وردةً
تفوحُ لكُم. وتبوحُ بما تنزفُ الخاصِرَهْ
وتُرجيءُ موتَ الفراشاتِ يوماً،
يُطِلُّ على الآخِرَهْ!
*
وها أنذا أُجزلَ الشُّكرَ.
يُسعدني أنَّني أستطيعُ قراءَةَ نعيي على صفحاتِ
الجرائدْ
ويُسعدني أنْ تُمَدَّ على اسمي الموائدْ
ويُضحكني كُلُّ هذا الطَّنين الذُّبابيّ
هذا الأسى المسرحيّ
وهذا الضّجيجُ ومَا مِن طحينٍ
ونقرُ دفوفِ الأغاني
وقرعُ طبولِ القصائدْ..
*
رثائي يسيرٌ
ولكنَّ مَوتي عسيرٌ
أجَل. أعلَمُ الآنَ أنِّيَ أصبحْتُ ثوراً بدونِ قرونِ
ويطعَنُ ظَهري المصارِعُ تلوَ المصارِعِ. والغانياتُ
على الشُّرُفاتِ يُلَوِّحْنَ للماتادور الشُّجاعِ يُطيحُ بثورٍ
عَجوزٍ حَزينِ
إذنْ فاعذروني
رثائي يَسيرٌ
ومَوتي عَسيرٌ
وما زالَ بي ما يُتيحُ اختصارَ الجِهاتْ
وشيءٌ مِن الحُلمِ والذّكْرياتْ
وصفصافَةٌ تتمشَّطُ بالرِّيحِ
زيتونةٌ تذكُرُ اللهَ في باحةِ الدَّارِ
مَا زالَ فوقَ الجِدارِ
قليلٌ مِنَ الصُّوَرِ العائليَّهْ
وشبَّابَةٌ لَستُ أُتقِنُ عَزفاً عَليها
ولكنَّها تُتْقِنُ العزفَ حينَ يهبُّ على شَفَتيها
نسيمُ العشيَّهْ!
رثائي يسيرٌ
وموتي عسيرٌ..
* *
مرايا السَّماءِ جبالي. سهولي مرايا المرايا
مرايا البلادِ بلادي المرايا
أُحدِّقُ فيها طَويلاً
أرى وَجْهَ كُلِّ البلاد وكُلِّ الشّعوبِ
أرى كُلَّ جِنسٍ.. سِوايا!
بلادي المرايا
أُحدِّقُ فيها طويلاً
أرى الغالَ والهونَ. والفرسَ والرُّومَ. والهندَ والسِّندَ.
ياجوجَ ماجوجَ. والإنسَ والجِنَّ. بيضاً وسوداً
وصفراً وحُمراً.
ولا الوجْهُ وَجهي
وليسَتْ يديَّ يدايا
مرايا
مرايا
بلادي المرايا
أُحدِّقُ فيها. أُحدِّقُ فيها طويلاً
أرى كُلَّ شيءٍ سوايا!
* *
إلى أينَ يُفضي المدى المضمحِلُّ؟
إلى أينَ هذا الرَّحيلُ الإقامةُ
هذا الدُّوارُ المُمِلُّ؟
ولا الدَّارُ دارٌ
ولا الأهلُ أهلُ
ولا الجُرحُ يغفي
ولا القلبُ يسلو
ولا العيشُ يُعفي
ولا الموتُ يحلو
إلى أينَ هذا الذّهابُ الإيابُ الحضورُ الغيابُ السَّرابُ
الخرابُ العذابُ
وبابٌ ومَا مِن جدارٍ. يحولُ
جداراً ومَا فيهِ بابُ
ويبقى الرَّحيلُ الرّحيلُ الرَّحيلُ..
خطاب في سوق البطالة
ربّما أفقدُ – ما شئتَ – معاشي
ربّما أعرضُ للبيع ثيابي وفراشي
ربّما أعملُ حجّاراً .. وعتّالاً.. وكنّاسَ شوارع..
ربّما أبحثُ، في رَوْث المواشي، عن حبوب
ربّما أخمد .. عريانا.. وجائع..
يا عدوّ الشمس .. لكن.. لن أساومْ..
وإلى آخر نبض في عروقي.. سأقاومْ!!..
* * *
ربّما تسلبني آخر شبرٍ مِن تُرابي
ربّما تُطعمُ للسِّجنِ شبابي
ربّما تسطو على ميراثِ جَدِّي..
مِن أثاثٍ.. وأوانٍ.. وخوابِ..
رُبَّما تحرقُ أشعاري وكُتْبي
رُبَّما تُطعمُ لَحمي للكلابِ
ربّما تبقى على قريتنا كابوسَ رُعبِ
يا عدوَّ الشَّمسِ.. لكن.. لَن أُساوِم..
وإلى آخرِ نبضٍ في عروقي سأُقاوِم!!..
ليدٍ ظلَّت تُقاوِم
سيَّدي!.. يا واهبَ النّار لقلبٍ وجديله
سيِّدي!.. يا ساكبَ الزَّيت
على موقِدِ أحزاني الطَّويله
سيِّدي!.. دَعني أُهنّئْكَ على يومِ البطوله
عِشْ لعدلٍ لا يُضاهى
أَيُّها القيصر عشْ
ثمنُ الخمسين.. قرش
والذي يغضبُ من عدلِكَ يا مولاي
شيطانٌ رَجيم
والذي يحزنُ مخدوعٌ.. ومَن
ينزفُ الأدمُعَ، مَوْتورٌ لئيم
سيّدي يا قيصرَ العصرِ الجليل
كلُّ ما قلناه يا هذا قليل
والذي في القلب.. في القلب
ومن جيلٍ لجيل
وإلى أنْ يبعث النهر
وتشدو في أغانيَّ الحمائم
أملأُ الدنيا هتافاً لا يُساوم:
كفر قاسم.. كفر قاسم..كفر قاسم!!
دمُكِ المهدورُ ما زال
وما زلنا نقاوم
أنا مُتأسِّف!
إلى الله أرفَعُ عينيّ. أرفَعُ قلبي وكَفَّيَّ. يا رَبُّ
حُزناً حزِنتُ. وأرهقَني اليُتمُ. أهلكَتِ النَّارُ زَرعي
وَضَرعي. بُكاءً بكيتُ ويمَّمْتُ وَجهي إلى نورِ عَرشك
يا ربُّ. جارَتْ عليَّ الشعوبُ. وسُدَّتْ أمامي
الدروبُ. تضرَّعْتُ. صلَّيتُ، بُحَّ دُعائي. وشحَّتْ
ينابيعُ مائي. تمادى ندائي. أضأتُ شموعي. فسامح
بُكائي. وكَفْكِفْ دموعي. ظلامي شديدٌ. وليلي ثقيلٌ
طويلٌ. فأنعِم عليَّ بنورِ السَّماءِ. وجَدِّدْ ضيائي
وسدِّد خُطايَ لأعبرَ منفايَ. يا ربُّ واغفِرْ
خطايايَ. واقبلْ رَجائي. شقاءً شقيتُ
وثوبي تهرَّأ. بَرْدُ الكآبةِ قاسٍ. وحرُّ التخلّي
شديدٌ مقيتُ. شقاءً شقيتُ. ويطردني الجند
عن بابِ بيتي. وأرجو حياتي بموتي. وناري
تشبُّ بزيتي. وصمتي يُزلزلُ صمتي. ويهدمُ
سَمتي. ولم يبقَ سمتٌ سواكَ. ولم يبقَ صوتٌ
سواكَ. فيا رَبُّ بارِكْ براكينَ روحي. وأسْعِفْ
جُروحي. ومَجِّدْ بوقتِكَ ما ظلَّ مِن بعضِ وقتي
إلهي. وما من إله سواكَ. مراعيَّ ضاقَتْ بعشبِ
السمومِ اللئيمةِ. ماتَتْ خِرافي على ساعديَّ
وبئري أَهالوا عليها الصخورَ. ولي تينةٌ أَتلَفوها
وزيتونةٌ جَرَّفوها
ولي نخلةٌ وبَّخوها وداليةٌ عنَّفوها
وليمونةٌ قصَّفوها
ونعناعةٌ جَفَّفوها
عقاباً. فكيفَ تفوحُ بحُزني وضَعفي
وكيفَ تبوحُ بخوفي عليها وخَوفي
إلهي. وما مِن إلهٍ سواكْ
أراكَ بقلبي وروحي. أراكْ
وأنتَ تراني أسيراً حبيسَ الشِّراكْ
بلادُ أبي أصبحَتْ مقبرهْ
منازلُ مَنْ آمنوا مُقْفِرَهْ
بساتينُ مَنْ آمنوا مُصْحِرهْ
مدارسُهُم مُنكرَهْ
وأحزانُهم عتمةٌ ممطِرَهْ
إلهي. وما مِن إلهٍ سواكْ
سألْتُ رضاكَ. طلبتُ رضاكَ
تضرَّعْتُ، صلَّيْتُ. هَبني رضاكْ
وسَلِّطْ على القاذفاتِ
وسَلِّطْ على الرَّاجماتِ
جناحَ الهلاكْ
ونزِّلْ علينا جناحَ الملاكْ
إلهي. إلهي، أَمِنْ مَغْفِرَهْ؟
أَلا مَغْفِرَهْ
ولا مَغْفِرَهْ
إلهي.
عذابي طويلٌ وقاسٍ ومؤسِفْ
وأنتَ غفورٌ رحيمٌ ومُنصِفْ
إلهي. إلهي..
أنا متأسِّفْ
أنا متأسِّفْ
أنا.. متأسِّفْ!
أحكي للعالم
أحكي للعالم.. أحكي لَه
عن بيتٍ كسروا قنديلَه
عن فأسٍ قتلَتْ زنبقةً
وحريقٍ أوْدى بجديلَه
أحكي عن شاةٍ لم تُحلب
عن عَجْنَةِ أمٍّ ما خُبِزَتْ
عن سطحٍ طينيٍّ.. أَعشَبْ
أحكي للعالم.. أحكي لهْ
* * *
يا بنتَ الجارِ المنسيّه
الدميةُ عندي محميّه..
الدمية عندي. فتعالي
في باصِ الرّيحِ الشّرقيه..
حنّا؟ لا أذكرُ قَسمَاتِكْ
لكنِّي أشقى.. كَي أذكر
في قلبي خفقةُ خطواتِكْ
عصفورٌ.. يدرجُ.. أو يَنقُر
كُنّا.. ما أجملَ ما كُنا
يا بنتَ الجارِ.. ويا حنّا
كُنّا.. فلماذا أَعينُنُا
صارَتْ بالغربةِ مجبوله؟
ولماذا صارَتْ أيدينا
بحبالِ اللَّعنةِ مجدوله؟
أَحكي للعالم.. أحكي لَهُ..
أحكي للعالم..
مُنتصب القامةِ أمشي
مُنْتصبَ القامةِ أمشي
مرفوعَ الهامةِ أمشي
في كفِّي قصفةُ زيتونٍ
وعلى كَتفي نَعشي
وأنا أمشي
قلبي قمرٌ أحمر..
قلبي بستان..
فيه العوسج، فيه الرَّيحان!
شفتايَ سماءٌ تُمطر
ناراً حيناً حُبّاً أحيان!
وأنا أَمشي.. أَمشي
منتصبَ القامةِ.. مرفوعَ الهامةِ..
في كَفِّي قصفةُ زيتونٍ
وعلى كتفي.. نَعشي!!
تغريبة
(من كتاب "الرسائل" مع محمود درويش، 1989)
لبيروت وجهانْ
وجهٌ لحيفا
ونحن صديقانْ
سجنًا ومنفى
***
للندن وجهانْ
وجهٌ لحيفا
ونحن رفيقانْ
حُبًّا وخوْفا
***
لباريس وجهانْ
وجهٌ لحيفا
ونحن شقيقانْ
قمعًا وعُسْفا
***
لتونُس وجهانْ
وجهٌ لحيفا
ونحنُ غريبانْ
نحنُ غريبانْ
نحنُ غريبانْ
مَا مِن زمانْ
ومَا مِن مكانْ
لماذا؟ لماذا؟
و أين؟
و كيفا؟
ووجهٌ … لحيفا
تعالي لنرسم معًا قوس قزح
نازلاً كنتُ: على سُلّم أحزان الهزيمة
نازلاً .. يمتصّني موتٌ بطيء
صارخًا في وجه أحزاني القديمة:
أحرقيني! أحرقيني .. لأضيء!
لم أكُن وحدي،
ووحدي كنتُ، في العتمة وحدي
راكعًا .. أبكي، أصلّي، أتطهّر
جبهتي قطعة شمع فوق زندي
وفمي.. نايٌ مكسّر ..
كان صدري ردهة،
كانت ملايين مئه
سجدًا في ردهتي..
كانت عيونًا مطفأه!
واستوى المارقُ والقدّيس
في الجرح الجديد
واستوى المارقُ والقدّيس
في العار الجديد
واستوى المارقُ والقدّيس
يا أرض.. فميدي
واغفري لي، نازلًا يمتصّني الموتُ البطيء
واغفري لي صرختي للنار في ذلّ سجودي:
أحرقيني.. أحرقيني لأضيء
نازلًا كنت،
وكان الحزنُ مرساتي الوحيدة
يومَ ناديتِ من الشطّ البعيد
يومَ ضمّدتِ جبيني بقصيدة
عن مزاميري وأسواق العبيد
من تكونين؟
أأختًا نسيتُها
ليلة الهجرة أمي، في السرير
ثم باعوها لريح، حملتها
عبر باب الليل.. للمنفى الكبير؟
من تكونين؟
أجيبيني .. أجيبي!
أيُّ أختٍ، بين آلاف السبايا
عرفتْ وجهي، ونادتْ: يا حبيبي!
فتلقّتها يدايا؟
أغمضي عينيْكِ من عار الهزيمة
أغمضى عينيْكِ .. وابكي، واحضنيني
ودعيني أشرب الدمع.. دعيني
يبست حنجرتي ريح الهزيمة
وكأنّا منذ عشرين التقيْنا
وكأنّا ما افترقنا
وكأنّا ما احترقنا
شبك الحُبُّ يديه بيديْنا ..
وتحدّثنا عن الغربةِ والسجنِ الكبير
عن أغانينا لفجرٍ في الزمن
وانحسار الليل عن وجهِ الوطن
وتحدّثنا عن الكوخِ الصغير
بين أحراج الجبل..
وستأتين بطفلةٍ
ونسمّيها "طلل"
وستأتيني بدوريّ وفلّه
وبديوان غزل!
قلت لي أذكر
من أي قرار
صوتُك مشحونٌ حزنًا وغضب
قلتُ يا حُبِّي، من زحف التتار
وانكسارات العرب!
قلتِ لي: في أي أرض حجريّة
بذرتك الريحُ من عشرين عام
قلتُ: في ظلّ دواليك السبيّه
وعلى أنقاض أبراج الحمام!
قلتِ: في صوتكَ نارٌ وثنيّة
قلتُ: حتى تلدُ الريحُ الغمام
جعلوا جرحي دواة، ولذا
فأنا أكتبُ شعري بشظيّة
وأُغنّي للسّلام!
وبكينا
مثل طفليْن غريبيْن، بكينا
الحمام الزاجل النّاطر في الأقفاص، يبكي..
والحمام الزاجل العائد في الأقفاص
...يبكي
ارفعي عينيْك!
أحزان الهزيمة
غيمه تنثُرها هبُّةُ الريح
ارفعي عينيْك، فالأُمُّ الرحيمةُ
لم تزل تنجب، والأفقُ فسيح
ارفعي عينيْك،
من عشرين عام
وأنا أرسم عينيْك، على جدران سجني
وإذا حال الظلام
بين عيْنيّ وعينيْك،
على جدران سجني
يتراءى وجهُك المعبود
في وهمي،
فأبكي.. وأغنّي
نحن يا غاليتي من وادييْن
كل وادٍ يتبنّاه شبح
فتعالي.. لنحيل الشبحيْن
غيمه يشربُها قوسُ قزح!
وسآتيكِ بطفله
ونسمّيها "طلل"
وسآتيك بدوريّ وفلّه
وبديوان غزل!!
قسمات// عنيدٌ أنا
عنيدٌ أنا.. كَالصخور
إِذ حاولوا عَصرَها
وقاسٍ أنا كَكُلّ النسور
إِذ حاولوا قَهرَها
وَصلبٌ أنا.. كَالجُسور
إِذ أَثقلوا ظَهرَها
وَحينَ أَثور حينَ أَثور
تُعيدُ البراكينُ لي سِرَّها!
وطيبٌ أَنا.. مثلَ السنابِل
وسمحٌ أَنا مِثلَ الخمائِل
وطيبٌ أَنا.. مثلَ السنابِل
وسمحٌ أَنا مِثلَ الخمائِل
وَحينَ أَثور حينَ أَثور
تُعيدُ البراكينُ لي سِرَّها!
عنيدٌ أنا.. كَالصخور
إِذ حاولوا عَصرَها
وقاسٍ أنا كَكُلّ النسور
إِذ حاولوا قَهرَها...
غوانتانامو
هنا يَفسُدُ الملحُ. يأسنُ ماءُ الينابيعِ. يؤذي النسيمُ. ويُعدي الغمامُ
هنا تثلجُ الشمسُ. مبخرةُ الثلجِ تُشعلُ شعرَ الحواجبِ والأنفِ. تدنو الأفاعي. وينأى الحمامُ
هنا يسهرُ الموتُ في اليومِ دهراً. وروحُ الحياةِ تنامُ نهاراً ودهراً تنامُ
بكاءُ الرجالِ هنا. وبكاءُ النساءِ. ليضحكَ ملءَ البكاءِ لئامٌ لئامُ
هنا غوانتانامو..
وجوهٌ وما من وجوهٍ. وصوتٌ ولا صوتَ. والوقتُ لا يعرفُ الوقتَ. لا ضوءَ. لا همسَ. لا لمسَ. لا شيءَ. لا شمسَ. ليلٌ. وليلٌ يجبُّ النهارْ
وقيدٌ يُسمَّى السِّوارْ
وقيدٌ دماءٌ. وقيدٌ دمارْ
وراءَ الجدارِ. وراءَ الحديدِ. وراء الجدارْ
هنا قلقٌ لا يفيقُ. هنا أرقٌ لا ينامُ
هنا غوانتانامو..
تدفُّ رفوفُ العصافيرِ رُعباً. وتخفقُ أجنحةُ الموتِ في فخِّ أسلاكِهِ الشائكهْ
ويسطو طنينُ الذبابِ على ثَمَرِ الأعينِ الهالكهْ
وتعلو على لهبِ الدمِّ والدّمعِ أبخرةٌ فاتكهْ
ويهوي الظلامُ
هنا غوانتانامو..
أتعلمُ أُمُّكَ أنّكَ تذوي حنيناً إليها؟ أتعلمُ أمّكَ يا أيّهذا الأسيرُ الغريبْ
أتعلمُ أنّك تلمحُ في الموتِ كفَّ الطبيبْ
أتعلمُ أمكَ أنكَ في ربقةِ الأسرِ تحلمُ حرّاً
بدفءِ يديها
وتبكي عليكَ. وتبكي عليها
وأنّك تدعو وتدعو. وأنّ السماواتِ لا تستجيب
لأنك في غوانتانامو
وبعضُ الدّعاءِ مَلامُ..
تضنُّ القلوبُ بأسرارها. ويبوحُ المسدَّسُ. ما الحلُّ؟
يا جنرالَ الظلامِ. ويا سيّدَ النفطِ والحلِّ والرّبطِ. ما الحلُّ
يا سيّدَ البورصةِ الخائفهْ
ويا قاتلَ الوقتِ في رَحْمِ ساعاتِنا الواقفهْ
إلى أين تمضي جنائزُ أحلامِك النازفهْ
إلى أين يمضي السلامُ؟
إلى أين يمضي الكلامُ؟
إلى غوانتانامو..
تعيشُ اللغاتُ هنا. وتموتُ اللغاتْ
على الملحِ والدمعِ والذكرياتْ
وتؤوي بقايا الرفاتِ بقايا الرفاتْ
وأحذيةُ الجندِ لا تستريحُ. وقبضاتُهم لا تريحُ. وما من شرائعَ. ما من وصايا. ولا دينَ. لا ربَّ. لا شرقَ. لا غربَ. ما من حدودٍ. وما من جهاتْ
هنا كوكبٌ خارجَ الأرضِ. لا تُشرقُ الشمسُ فيه. وما من حياةٍ عليه. وما من حروبٍ. وليسَ عليه سلامُ
هنا كوكبٌ خارجَ الجاذبيَّهْ
وما من معانٍ إلهيَّةٍ تدَّعيهِ
وما من رؤىً آدميَّهْ
ظلامٌ
ظلامٌ
ظلامُ
هنا.. غوانتانامو..
جناحُ الفراشةِ ينسى زهورَ الربيعِ. جناح الفراشةِ ينسى الربيعَ القديمَ الجديدَ القريبَ البعيدَ. ويسقطُ في النارِ. لا طَلْعَ. لا زرعَ. كفُّ الأسيرِ جناحُ الفراشةِ. مَن أشعَلَ النارَ في البدءِ؟ مَن أرهبَ النسمةَ
الوادعَهْ
ومن أرعبَ الوردةَ الطالعهْ
لتسقطَ كفُّ الأسيرِ. ويسقطَ قلبُ الطليقِ. على لهبِ الفاجعَهْ
ويرحلَ بالراحلينَ المقامُ
إلى غوانتانامو..
كلامٌ جميلٌ عن العدلِ والظلمِ. والحربِ والسلمِ. في مجلسِ الحسنِ والصونِ والأمنِ. في كافيتيريا الرصيفِ. وفي البرلمانِ. وفي المهرجانِ. وبين القضاةِ. وفي الجامعاتِ. كلامٌ غزيرٌ. وحلوٌ
مريرٌ. ومَرَّ الكرامِ يمرُّ عليه الكرامُ
ويمضي الصدى. ويضيعُ الكلامُ
ولا شيءَ يبقى سوى.. غوانتانامو..
ويبقى غبارٌ على صُوَرِ العائلهْ
ووجهٌ يغيبُ رويداً رويداً. وتشحُب ألوانُه الحائلهْ
وسيّدةٌ عُمرُها ألفُ عُمرٍ. تقاومُ قامتُها المائلهْ
لترفعَ عينينِ ذابلتينِ إلى صورةِ الأُسرةِ الذابله
"تُرى أين أنتَ؟"
"متى ستعودُ؟"
"وهل ستعودُ قُبيل رحيلي؟"
"لأمِّك حقٌّ عليكَ. ترفَّقْ بأمِّك يا ابني. تعالَ قليلاً. ألستَ ترى أنّني راحلهْ؟"
"تُرى أين أنتَ؟"
وتجهلُ أُمُّ الأسيرِ البعيدِ مكاناً بعيداً
يسمُّونَهُ غوانتانامو
وتبكي.. وتبكي عليها العنادلُ. تبكي النسورُ. ويبكي اليمامُ..
هنا وطنُ الحزنِ من كلِّ جنسٍ ولونٍ. هنا وطنُ الخوفِ والخسفِ من كلِّ صنفٍ. هنا وطن السحقِ والمحقِ والموتِ كيف تشاءُ المشيئةُ موتٌ ترابٌ. وموتٌ رخامُ
هنا غوانتانامو
أراجيحُ ضوءٍ شحيحٍ عقاربُ ساعتِهِ المفلتهْ
ورقّاصُ ساعتِهِ الميّتهْ
هنا غوانتانامو
يغنّي المغنّي الأسيرُ دماً. يا صديقي المغنّي
لجرحِكَ إيقاعُ جرحي
لصوتِكَ أوتارُ حزني
لموتِكَ ما ظلَّ لي من حياتي
وما ظلَّ للموتِ منّي
وكلُّ زمانٍ هُلامُ
وكلُّ مكانٍ هُلامُ
سوى غوانتانامو..
لبرجِ المراقبةِ الجهْمِ أن يستثيرَ الرياحَ وأن يستفزَّ الجهاتْ
وللحارسِ الفظّ أن يشتُمَ الأمَّهاتْ
وللثكناتِ.. وللأسلحهْ
ممارسةُ الحلمِ بالمذبحهْ
وللزيتِ والشَّحم والفحمِ أن تتحدّى طموحَ الزهورِ
وأن تتصدّى لتوقِ النباتْ
وللقبضاتِ. وللأحذيهْ
معاقبةُ الأغنيهْ
وقمعُ الصَّلاةْ
هنا ما يشاءُ النِّظامُ
وفوضى تُرتِّبُ فوضى
ويُسكِتُ جوعاً صِيامُ
هنا غوانتانامو..
ينامون بين الأسرَّةِ والريحِ. أهدابُهم في النجومِ. وأطرافُهم في مياهِ المحيطِ. ينامونَ صفراً عُراةً وسوداً وبيضاً عراةً وسُمراً عُراةً. لحافُ السماءِ غطاءٌ ثقيلٌ. ينامون بين شفيرِ الجحيمِ وحبلِ الخلاصِ.
وهل من خلاصٍ سوى ما تُتيحُ حبالَ المشانقِ؟ هل من خلاصٍ سوى ما تُتيحُ حبالُ المشانقِ؟ مَن يُصدرُ الحُكمَ يا حضراتِ القضاةِ الغزاةِ الطغاةِ؟ ينامون أسرى الحنينِ وأسرى الجنونِ. ولا نومَ. لا صحوَ. ما
من أسِرَّهْ
سوى شُهُبٍ من شظايا المجرَّهْ
وما من لحافٍ سوى ما يُهيل القتامُ
على غوانتانامو
وأكفانِ حزنٍ. ونيرانِ حَسْرَهْ
هنا غوانتانامو
تقولُ الدساتيرُ ما لا تقولُ البنادقْ
تقولُ المغاربُ ما لا تقولُ المشارقْ
تقولُ الأراجيحُ ما لا تقولُ المشانقْ
يقولُ الأساطينُ في فنِّ قتلِ المحبَّةِ. ما لا
تقولُ أناشيدُ عاشقْ
فماذا يقولُ لنا الاتهامُ؟
وماذا يقولُ لنا غوانتانامو؟
وماذا يقولُ رمادُ المحارِقِ. ماذا يقولُ رمادُ المحارقْ؟
وماذا يقولُ زجاجُ النوافذِ للشمسِ والريحِ؟ ماذا
يقولُ القميصُ العتيقُ لعاصفةِ الرملِ والثلجِ؟ مِن
أينَ تأتي الأفاعي إلى غُرفِ النّوم؟ ما يفعلُ الطفلُ
بالقنبلهْ
وكيف يردُّ الذبيحُ على الأسئلهْ
وماذا تقولُ لصاعقةٍ سُنبُلهْ
وماذا تقولُ الصبيّةُ بعد اقتناصِ أبيها
وكيف يجيبُ الغُلامُ
على غوانتانامو؟
لأنَّ دماءَ المسيحِ تسحُّ على شُرفةِ الأرضِ
من شُرفةِ الآخرهْ
لأنَّ دموعَ النبيّينَ تنفعُ إن لم تعُدْ تنفع الآصرهْ
وتَشفع للأُممِ الصابِرهْ
لأنّ الخليقةَ مؤمنَةٌ أوّلَ الأمرِ بالله. موعودةٌ
آخرَ الأمرِ بالرحمةِ الغامرهْ
لأنّ النفوسَ البسيطةَ طيّبةٌ غافرهْ
فهل تتخلَّى السماءُ؟ وهل يستريحُ الأنامُ
إلى الصمتِ والموتِ في غوانتانامو؟
لإيكاروسِ العصرِ حكمةُ ذيذالوسِ العصرِ..
O.K... فهمنا الرسالةَ. لكنَّ أجنحةَ الطائراتِ الرهيبةِ أقوى من الرّيشِ والريحِ. أسرعُ من نبضةِ القلبِ في قلعةِ البنتاغونِ القصيَّهْ
ويسقطُ إيكاروسُ العصرِ. تسقطُ حكمةُ ذيذالوسِ العصرِ،
بين المارينـزِ وحاملةِ الطائراتِ العصيَّهْ
وتبقى التفاصيلُ. لكنْ تضيعُ القضيَّهْ
ويبقى الحلالُ. ويبقى الحرامُ
ويبقى النـّزيفُ على غوانتانامو..
متى تسقطُ الكأسُ من كفِّ يوضاسَ؟ أين الوصايا؟ وأين المرايا؟ أليسَ هنا أَحَدٌ؟ أين أنتم؟ وهُم؟ أين نحنُ؟ وأين قضاةُ النظامِ الجديدِ؟ ألم يفرغوا من طقوسِ العشاءِ الأخيرِ؟ ومن خطّةِ الضَّربِ والصَّلبِ؟ أين رُعاةُ
الحقوقِ؟ وأينَ حُماةُ الحدودِ؟ ألم يشبعوا من طعامِ العشاءِ الأخيرِ؟ ألم يكفِهم جسدي خبزهم ودمي خمرهم؟ يتخمونَ على رسلِهم. يثملونَ على رِسلِهم. يصخبونَ. وشاهدةُ القبرِ بينهم المائدهْ
ووجبتُهم جثّتي الخامدهْ
هنا غوانتانامو
هنا تتهاوى النواميسُ. يسقطُ سرُّ اللّغاتِ. هنا تتشظّى الجراحُ. هنا تتلظّى الرياحُ. متى تنهضُ الشمسُ من قبرِها؟
متى تُسفرُ الأرضُ عن فجرِها؟
متى تتصدَّى حياةٌ لموتٍ؟ متى تتحدّى الحروبَ السلامُ؟
كفى غوانتانامو
كفى غوانتانامو
كفى غوانتانامو
كفى
رماد..!!
ألا تشعرين؟....
بأنّا فقدنا الكثير.
وصار كلامًا هوانا الكبير.
فلا لهفةٌ.. لا حنين...
ولا فرحةٌ في القلوب، إذا ما التقينا
ولا دهشةٌ في العيون..
ألا تشعرين؟..
بأنّ لقاءاتنا جامدة.
وقُبلاتنا باردة.
وأنّا فقدنا حماس اللقاء
وصرنا نجاملُ في كل شيءٍ.. وننسى
وقد يرتمي موعدٌ.. جثّةٌ هامدة.
فنكذبُ في عُذرنا.. ثم ننسى
ألا تشعرين؟..
بأنّ رسائلنا الخاطفة.
غدت مبهماتٍ.. قصيرة.
فلا حسّ.. لا روح فيها.. ولا عاطفة.
ولا غمغماتٌ خياليةٌ
ولا أمنياتٌ.. ولا همساتٌ مثيرة!
وأن جواباتنا أصبحت لفتاتٍ بعيدة.
كعبءٍ ثقيلٍ..نخلّصُ منه كواهلنا المتعبة.
ألا تشعرين؟..
بدنيا تهاوت.. ودنيا جديدة.
ألا تشعرين؟..
بأن نهايتنا مرّةٌ.. مرعبة.
لأنّ نهايتنا.. لم تكن مرّةٌ.. مرعبة؟
طائر الرعد
و يكون أن يأتي
يأتي مع الشمس
وجه تشوَّه في غبار مناهج الدرس
و يكون أن يأتي
بعد انتحار القحط في صوتي
شيء.. روائعه بلا حدّ
شيء يُسمّى في الأغاني
طائر الرعد
لا بد أن يأتي
فلقد بلغناها
بلغنا قمة الموت
ليسَت جميلَة
ليسَت جميلَة!
لكنّها أُنثى
أنثى وبين ضلوعِها قلبٌ يحبُّ
وليسّ من يشْفي غليلَه
وهي التي ليست جميلَة
***
وعلى توسُّلِ مُقلتيْها
حمَلَت فؤادًا صارخًا في جانحيْها
حملَتْهُ ثم رَمَت بهِ في كلِّ دربْ
في كلِّ دربْ
ألقَتْ فؤادًا جائعًا للحُبّ
ويمرُّ عنهُ العابرون
وتدوسُهُ نظراتُهم في سخريَة
ويُقهْقِهون:
"ليْسَت جَميلَة"!...
ويغورُ في أعماقِها مُرُّ الرّنين
صوتٌ يُسْعِر في الحنايا بؤسَها
صوتٌ يَجْرَحُ نفْسَها
صوتٌ يقولُ بسخريَةٍ:
"ليْسَت جميلَة"!...
***
وتُطِلُّ من شُبّاكِها الجَهْمِ الحَزينْ
ملهوفَةَ العينيْن خرساءَ الأَنينْ
وتظلُّ تَرْقُبُ عَلَّها تَلقاهُ بينَ العابِرين
ذاكَ الذي سَيُنيرُ أيّامَ الشَّبابْ
ويُزيلُ ما زرَعَتْهُ فيها مِن عذابْ
"ليْسَت جَميلَة"!...
***
وتَظَلُّ تَرْقُبُ في الدُّجى المَحْزونِ فجْرًا مِن حَنين
وَيَمُرُّ بينَ العابِرينْ
ويرى مُحَيّاها الحَزينْ
فتُحبُّهُ ويُحِبهُّا
ويَعُبُّ من خَمْر الأماني قلبُها
***
وأنا الذي قدْ مَرَّ بينَ العابِرينْ
ورأى مُحّيّاها الحزينْ
فأُحِبُّها، وأُحِبُّها
وهي التي "ليْست جميلَة"!...












.png)


.jpeg)



.png)

