شحن الطلّاب أيّامهم، بطاقات هائلة من استغلال الوقت لأقصى حد، ريثما يحين الالتفات إلى أمورهم المدرسية، ألم نسمع في الماضي الأهالي كانوا يقولون لأبنائهم: "راح الصّيف وفرحاتو، وإجا المعلم وقتلاتو"، مثل يقال كمرطِّبٍ يساعد على تحريك عجلة خمولهم، بينما اليوم باتت "العادة المتَّبعة" أن الأهالي الغارقين في حمّام الأعراس الذي غسّل جيوبهم، يستعدّون لشراء قرطاسيَّة السنة الدراسيّة الجديدة، في الدّقيقة الـ 90، لأنّهم حصلوا على شِبِه إعفاء من عمليَّة تجليد الكتب والدّفاتر!
"عزّلت" المكتبات رفوفها من غبار الملل أثناء العطلة، وقام أصحابُها بتعبئة احتياطية شاملة من كتُب وقرطاسيّة، أي كأنهم يستعدون للوغى، بعد أن تلقّوا الأوامر من القائد العام لوزارة المعارف بإطلاق رصاص الأسعار عاليًا باتجاه جيوب الأهالي، مما أدى إلى تفاقم عبئهم الاقتصاديٍّ... بعض مناهج الكتُب ما زالت تتغيّر سنويًا مثل موضة الأزياء!، كمحاولة "لرفع" مستوى التعليم المدرسي.
من جهة أخرى وزارة المعارف تصادق على الإصدارات الجديدة، بحيث تصبح كتُب ابن الجيران أو حتى قريب هذا الطّالب، لا تتماشى مع المنهاج الجديد، ممّا يضطر الأهالي أن يشتروا لأبنائهم كتبًا جديدة، بعضها إصدارات خاصة لأستاذ مخضرم، يريد أن يفرض طريقة تدريسه الحديثة، كأن المدارس غدت وكالات للتجارب التعليميَّة، والطلّاب تحوَّلوا إلى نماذج حيَّة! – وهذه مسألة للنقاش.
ظَنَّ منتجو الحقائب أن الشخصيات الكرتونية الجديدة تجذب الأطفال أكثر، يكون سعرها أغلى من الشخصيات التقليدية القديمة، التي اعتقدوا أنها لم تعُد تجذبهم كما في السّابق، مثل سبايدرمان، توم وجيري وسوبرمان، لكنّهم أخطأوا التقدير، إذ تبيّن أنها ما زالت مطلوبة بشكل لافت، لأن تلك الشخصيات التقليدية هي أبطال تفكير الأطفال... حُماة مخيلتهم المتشوّقة للإثارة الحركية.
الشركات المنتجة للقرطاسية هي إسرائيليّة تحتكِر السُّوق كلِّيًّا، فإنّ انعدام المنافسة سببه معاناتها من صرامَة تنظيميَّة، مثل سوق الأغذية. تختبئ خلف هذه البهرجة القرطاسيّة للشركات الكبرى، خطة تسويقيّة ذكية، لإدراكها جيدًا أن الأهالي لا يستطيعون مقاومة إلحاح أبنائهم، فيُجبرون أن يشتروا لهم هذه اللوازم القرطاسية المزيّنة، حتى لو كانت تكلفتها فوق حِملهم المادي، من جهة أخرى بدأ السُّوق يلجأ مؤخَّرًا إلى الاستيراد البديل الأرخص، كل الاحتياجات المدرسيَّة المستوردة، تتمتّع أيضًا بجودة تضاهي جودة الإنتاج المحلي الإسرائيلي.
عصر الدفاتر الحديث المرسوم عليها شخصيات كرتونية، قد قضى على شركة صناعة الدّفاتر التقليدية البنيّة المعروفة "דפרון"، وأغلقت الشركة أبوابها بعد مرور ستين عام وأكثر على إقامتها، بعد أن كتبت أجيالاً تلو أجيال على دفاترها. قد تصل تكاليف القرطاسية فقط، للعام الدّراسي الجديد مئات الشواكل، عدَا الكتُب وكراريس العمل.
زرتُ أحد مجمّعات الشّراء الشّهيرة بأسمائها، دخلتُ أحد فروع شبكات بيع القرطاسية المعروفة... "التَخَمْتُ" من كمّيات الحقائب والدفاتر الملوّنة الهائلة والمقالم على أشكالها، بأحجام مختلفة، معظم الحقائب متعِبة للطّالب أثناء حملها على ظهره، لكثرة الكتب، فتغدو حقيبته مضغوطة من كثرتها، لدرجة أن وزنها يصبح ثقيلًا جدًّا، لأن هذا الطّالب "غير متفرِّغ" لإفراغها يوميًّا من المراجع غير المطلوبة!، لالتزامه الشّديد بمتابعة آخر تحديثات ألعاب الأون لاين مع أصدقائه، التي لو غضّ النَّظر عنها للحظة، "سيخسر" مستقبله... عفوًا اللعبة.
حرب الماركات الشّهيرة مشتعلة، تتنافس على نهب جيوب الأهالي... حجم المبيعات السّنوي من القرطاسية هائل، فإذا نظرنا من المنظار الاجتماعي الدّقيق، نرى أن بعض الأهالي عاجزون عن الصّمود أمام مصاريف القرطاسية، لأن ثقافة التجارة تطغى على ثقافة الرّفق بهم. هناك مؤسّسات اجتماعيَّة تقدم دعمًا ماليًّا للأهالي المحتاجين، من خلال صناديقها الخيريّة، وهي مبادَرَة خيِّرة، فيها لفتة إنسانيَّة، لتشجيع أبناء هذه العائلات، على الاستمرار في التعليم، رغم تفاقم ظاهرة هروب الطلّاب من المدارس.
الأهالي في المجتمعين العربي واليهودي، لم يقوموا باحتجاجات ضد غلاء أسعار القرطاسيّة، أليست من اللوازم الأساسية لأولادهم؟!! كما يجب على وزارة المعارف إعادة الرّقابة على أسعار القرطاسيّة، عِوَضَ أن توجّه اللوم للمدارس عامةً والعربية خاصةً، لتدنّي مستوى النّجاح فيها، لأنّ مدارسنا العربية ليست بالمرة من أولوياتها، والمجالس المحليّة العربيَّة، تدق جرس عجزها!!
من الضروري أن تخصِّص الوزارة ميزانيّات لبناء المدارس، أو زيادة الصفوف، لتخفيف الازدحام داخلها، وحوسبة بقية المدارس العربية، إدخال المواضيع العصريَّة، المحرومة منها مدارسنا، لأنها برأيي جزء من القرطاسيَّة العصريَّة، الضروريَّة لأي معلِّم، لكن للأسف الوزارة ترفض أن توفُّر لها الميزانيَّة! بل تمنحها للمدارس اليهوديَّة والدِّينيَّة، التي "تلهط" ميزانية المعارف، كما "تلهط" القرطاسية جيوبنا!
.png)






.png)


.jpeg)



.png)

