برتولد بريخت... العاصفة والبرق

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

بما أننا نواجه ظاهرة تفشّي العنصرية والفاشية مصحوبة بحملة إبادة لم يسبق لها مثيل إلا في عصور قاسية مرّت، من محاولة الزحف النازي ومحاولة السيطرة على عقول الشعب الألماني، ومن ثمّ محاولة السيطرة على العالم، وقد كان للأدب الألماني الحيّ مكانة خاصة في الدفاع عن شؤون الوطن الألماني الإنسانية والوطنية، وقد تميّزت هذه المعاناة الحقيقية في كفاحها المرير أمام المدّ النازي الزاحف، الذي اتّسم بمعاداة روح العصر والمناهضة الجديدة لكلّ النفايات الفكرية المتحجّرة والأنظمة المهترئة المبنية على العاطفة الغوغائية الجوفاء، التي أراد الفوهرر أن يخلق منها نظامًا للعالم الجديد!!

فبادَ هو ونظامه بين ليلة وضحاها، وظلّ الأدب الألماني الأصيل شامخ الرأس، عالي الصدر، رفيع الشأن، يتطاول سموًّا ورفعة وقدرًا، في حين دفعت دوّامة التاريخ بالفوهرر وأتباعه إلى حيث قمامة التاريخ من الطغاة المتجبّرين...

والأدباء البواسل، أيقونات تلك المرحلة الذين تحدّوا ذلك الطاغية: توماس مان، وهنريك مان، وفوختفاغر، وريماك، وبرتولد بريخت...

وكان لبريخت النصيب الأوفر في مضمار الصراع الفكري الذي اشتدّ أواره واستشرى أمره على طول وعرض الوطن الألماني، وذلك بعد أن قبض قُوّاد روّاد حانات ميونخ على مقاليد الحكم في بلد هردروشلر وغوته، فساموا الناس سوء العذاب، وأذاقوهم مرّ الكؤوس دهاقًا، وأسلموا الكتب للنيران جهارًا، وحطّموا الأرواح، وأزهقوا النفوس، وشتّتوا الأسر والعوائل، وبعثوا الرعب في القلوب حتى امتلأت به، وجنَوا على الناس بكلّ شؤون حياتهم وبكلّ مرافق الحياة. غير أنّ النخبة الأصيلة من الكتّاب لم تسكت ولم تُرضخ لهذا الظلم والعدوان، والذي كان يشبه إلى حدٍّ ما الطاعون الأصفر، ممّا أجبرهم على الفرار من بلادهم والبحث عن ملاذٍ لهم، ليس جبنًا، بل من أجل أن تتوفّر لهم الحماية اللازمة لمتابعة رحلة الأدب الثوري، لأنهم آمنوا إيمانًا مطلقًا بأنّ هذا الطوفان الهمجي لا بدّ من مقاومته قبل أن يُغرقهم ويُغرق شعبهم والإنسانية في دوّامة القتل والرعف والإرهاب الزاحف.

هربوا من بلدهم من أجل متابعة مسيرة نشر الأدب والثقافة الحرة التي تواجه هذا الظلم والطغيان...

وممّا لا شكّ فيه أنّ بريخت حمل هموم شعبه على كاهله، وأخذ يتنقّل من بلد إلى آخر لكي يستطيع أن يُبدع ويقوم برسم الصورة الحقيقية أمام شعبه والإنسانية، لكي يبني من هذا التناقض الموجود بين الواقع المرير وبين الطموح نحو الأفضل مسرحه الملحمي الثوري، والذي أراد من خلاله أن يوصل رسالته الفكرية والثورية إلى عقول أبناء شعبه والإنسانية، ليس من أجل إثارة عواطفهم فقط، بل من أجل مخاطبة عقولهم وتحريك البوصلة باتجاه فهم هذا الواقع المأساوي الذي أرادت الحركة الفاشية أن تفرضه عليهم، والعمل من أجل فهم هذا الواقع والدفع قدمًا لتغييره.

وهو بالأساس موجَّه إلى طبقة العمال والكادحين ممّن اكتووا بنار الاستغلال والنازية، ومن هنا تمّ تأسيس ما أُطلق عليه "المسرح الملحمي"، الذي تجسّدت من خلاله عبقرية بريخت وتميّزه عن غيره من الكتّاب والمسرحيين. هذا المسرح أبطاله البشر الأسوياء الاعتياديون الذين يرزحون تحت نير القمع والاستغلال، ويحنّون إلى عالم غير عالمهم، بعد أن أراد هذا النظام أن يحوّلهم إلى قطيع يُقاد إلى المجزرة وهو يدري...

وهذا المسرح الذي أبدعه بريخت، والذي ينتقي الأبطال بالمعنى المعروف بالملحمي، قد هزّ العالم لأنه يُناهض الأرسطية بوحداتها الثلاث، ويُناهض شكسبير وأبطاله الذين يمسكون بتلابيب المشاهد بقوةٍ وعنف. وقد أوجز ذلك أحد البريختيين السوريين فقال:

"إذا كان في العالم شخص استطاع أن يعطي للمسرح معانيه التوجيهية والشعبية والإنسانية، فهو برتولد بريخت. إنّ بريخت يمتاز عن شكسبير بأنه اختار شخصياته من عامة الشعب لا من طبقة الملوك والأمراء الحقيقيين والأسطوريين. وعندما نستعمل كلمة (بطل) بالنسبة لمسرح بريخت نخطئ، لأنّ فكرة البطل غير موجودة عند بريخت، وشخصيات مسرحياته هي نماذج من شخصيات الحياة فحسب. وإذا كانت الحياة مسرحًا، فالإنسان هو الممثّل فعلاً عند بريخت، بينما يكون البطل هو الممثّل عند شكسبير".

والتخلّص من الأبطال المعروفين في المسرحيات الكلاسيكية يُعدّ عملًا فنيًّا جديرًا بالتقدير والإعجاب، لأنه أفسح المجال للناس العاديين أن يحلّوا محلّ الناس الأسطوريين، وبفعل اتباع أسلوب "الإغراب" لكي تتحقّق نظرية المسرح الملحمي، بأن يضع أمام المشاهد الأحداث لكي يتابعها ويفكّر ويدرس ويُقيّم ما يُعرض أمامه على خشبة المسرح.

الممثّل يعرض دوره أمام المشاهد بدل الاندماج فيه، ويحفّز المشاهد على الدهشة والتفكير بما يجري أمامه من أحداث. وقد تجسّد ذلك في مسرحية محاكمة لوكوللس، والتي تُعتبر صرخة مدوّية ضدّ الحرب وما تتركه من مخلفات اقتصادية واجتماعية وسياسية تؤثر على نفسية الإنسان وعلى مجرى الحياة الاجتماعية ككلّ.

لوكوللس: يا لكم من رومانٍ!! أتقفون تحيةً لعدوّكم؟!
إنني لم أذهب للحرب لأجلي، بل ذهبت تنفيذًا للأوامر، روما هي التي أرسلتني.
المعلم: روما، روما، روما! من هي روما؟ هل أرسلك البناؤون الذين يشيدونها؟ هل أرسلك الخبّازون والصيادون والفلاحون وسائقو الثيران وعمّال البساتين الذين يقدّمون لها الغذاء؟ هل أرسلك الخيّاطون وعمّال الفراء والنسّاجون وحلّاقو الخراف الذين يقدّمون لها الكساء؟ هل أرسلك العمّال الذين يسقلون الأعمدة؟ أم أرسلك الملاك وشركات الفضة وتجار الرقيق والبنوك التي تسرقها؟

أمّا الجنود الذين ذهبوا ضحايا وقرابين وسالت دماؤهم أنهارًا في سهول الشرق الأوروبي وسهول الغرب، فإنهم يُدينون هتلر إدانة صريحة لا لبس فيها:
في رداء اللصّ والبزّة التي اغتنمها القتلى والسافحون، سقطنا صرعى نحن أبناء الشعب. آه، أجل، فلترسلوه إلى الجحيم كمثل الذئب الذي يتسلّل إلى الحظيرة، ولا بدّ أن يُقتل! قُتلنا نحن أيضًا في خدمته! آه، نعم، فلترسلوه إلى العدم... ليتنا انضممنا إلى صفوف المدافعين!!!

لم يُخلق عقل وتفكير بمستوى هذا المبدع الأصيل، وخاصةً أنّ أجمل ما كتبه هو صرخة غضب على الحرب ومفتعليها من تجّار الدم وأثرياء الحروب، ممّن يحوّلون الحرب إلى أداة من أجل تكديس الأرباح على حساب أرواح الملايين من البشر.

كان بريخت أمينًا لعصره وأوانه، وواجه بصدقٍ وشجاعة النازية في بلاده، وما تركت وراءها من مخلفات ودمار. عاش الواقع بكلّ مرارته، وحوّله إلى طاقة إبداعية خالدة، ما زالت تُعرض على خشبات المسرح في بلده ألمانيا وفي كلّ أرجاء هذه المعمورة.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية