تمثّلات الزنجي في الفن الأوروبي، الغربي (3)

A+
A-
هل انت غيورة؟ بول غوغان، 1892

هل انت غيورة؟ بول غوغان، 1892

الزنجي في المخيلة البصرية الأوروبية – لعبة الغياب والحضور

الجسد الأسود، بين عينَي الأبيض وفرشاة الذات: تمثلات متصارعة في زمن الحداثة الليبرالية

شهدت القرون الأخيرة انتقالًا في موقع الإنسان الأسود داخل المخيلة البصرية الغربية، من جسد هامشي صامت إلى موضوع فاعل في بعض اللحظات النادرة. غير أن هذا الانتقال لم يكن سَلِسًا ولا متّسقًا، بل مثّل حقلًا متنازعًا بين نظرتين: واحدة يهيمن فيها الأبيض على تمثيل الأسود، مستخدمًا هذا الجسد كموضوع للرغبة و\أو رمزا للبدائية أو الخضوع؛ وأخرى ينطلق فيها الفنان الأسود من موقع الذات، مستعيدًا صورته وتاريخه من داخل الخطاب الحداثي ذاته، لكنه ينقضه في الوقت عينه.

الأبيض يرسم "الآخر": سلطة التمثيل والهيمنة الناعمة

في أعمال الفنانين الأوروبيين منذ عصر النهضة، جسّد الإنسان الأسود غالبًا في موضع التابع أو الزينة، كما رأينا في مقالات سابقة في لوحات تيتيان وفان دايك وبيتر ليلي. الشخصيات السوداء تظهر كخدم أو مرافقين أرستقراطيين، تُستخدم أجسادهم لتأكيد بياض ونقاء الشخصية المركزية، كما في Portrait of Louise de Kérouaille، حيث يتجلى الخادم الأسود كعلامة على الترف والهيمنة الإمبراطورية لا أكثر. وحتى عندما ظهرت الشخصيات السوداء في لوحات منفردة، كما في بورتريه الرجل الأفريقي ليان موستايرت (أنظر المقالة السابقة)، فإنها بقيت استثناءً يؤكد القاعدة: حضور غير متكرر لرجل أسود بملامح واثقة، لا تحيطه رموز الاستعباد، لكن دون أن تتكرر هذه التجربة في التقاليد البصرية لاحقًا. وقد لاحظ الباحث بول كابلان في كتابه The Rise of the Black Magus in Western Art (1985) أن التمثيلات الإيجابية للشخصيات السوداء في الفن الغربي، خاصةً في سياق ديني مثل الملوك المجوس، لم تصمد طويلاً أمام سطوة التمثيلات العنصرية التي رسّختها أوروبا الاستعمارية.

الثورة الفرنسية: مفارقة الحداثة والحرية

مع اندلاع الثورة الفرنسية، ورفع شعارات الحرية والإخاء والمساواة، بدا أن العالم يتجه نحو شمول أوسع للإنسانية، بصرف النظر عن العرق. ففي 1794، ألغت الجمهورية الفرنسية العبودية، وظهر أول تمثيل لرجل أسود كمواطن حر في لوحة جان باتيست بيلي التي رسمها آن لوي جيرودي تريوسون عام 1797. يظهر بيللي هنا واقفًا بثقة، مرتديًا زيًّا رسميًا، بجانب تمثال فيلسوف التنوير راينال. لكن هذه الصورة بقيت استثناءً بصريًا وسياسيًا، إذ سرعان ما أعاد نابليون العبودية عام 1802. وفي الفن أيضًا، ظل الجسد الأسود إما مغيّبًا أو مرئيًا فقط من خلال عدسة الرغبة البيضاء. تمثل هذه اللوحة واحدة من أوائل الأعمال التي تُظهر رجلاً أسودًا كموضوع فاعل، مواطن، لا تابع. ولكنها تبقى حالة استثنائية، لا بداية لتقليد جديد.

ومع أن الثورة الفرنسية غيرت بعض الهياكل السياسية، إلا أنها لم تمس فعليًا البنية العنصرية للتمثيل الفني، الذي استمر في إعادة إنتاج الهرمية العرقية والجندرية بطرق ناعمة أو صريحة.

الجسد الأسود كموضوع للرغبة: الغواية والعنصرية المقنّعة

في لوحات كثيرة من القرن 19 وبدايات القرن 20، أخذ الجسد الأسود يشكل موضوع للفضول الأوروبي والرغبة التلصصية الاستشراقية. يتجلى هذا في أعمال فنانين مثل ادوارد مانيه، بول غوغان أو هنري ماتيس، الذين رسموا شخصيات نسائية سوداء أو ملونة بألوان زاهية، ورغم التحرر الشكلي من الواقعية الأكاديمية، إلا أنهم ككثير من معاصريهم أبقوا الشخص الأسود أسير "الغرابة اللذيذة"، لا كذات حقيقية. فالجسد الأسود هنا ليس كيانًا مستقلًا، بل هو رمز للإثارة، "موضوع رغبة" يعرّف الأبيض من خلال نقيضه الغرائبي. أضف إلى هذا أنه شكل موضوعا أسلوبيا جمالية في لعبة اللون والضوء داخل إطار اللوحة.

الذات ترسم نفسها: مقاومة على مستوى التمثلات البصرية

لكن التحوّل الحقيقي جاء مع فنانين سود في القرن 20، خصوصًا مع نهضة هارلم (Harlem Renaissance) وحركة نيغريتود (Négritude)، حيث بدأ الجسد الأسود يظهر كذات متكلمة، تكتب وتُصوّر وتستعيد حقها في أن ترى نفسها بعيدًا عن عين الأبيض. وفي العقود اللاحقة، وخصوصًا منذ ستينات القرن العشرين، ظهر فنانون مثل كيري جيمس مارشال، الذي جعل من بشرة شخصياته شديدة السواد وسيلة جمالية وسياسية في آن. وسيقوم فنانون إضافيين أمثال فَيْث رينغولد وجايكوب لورنس وآمي جيرالد و كارا ووكر وآخرون بتناول الجسد الأسود، من خلال تاريخه ومكانته وتعقيدات حضوره وغيابه خارج التواطؤ مع النظرة الغربية السائدة والسردية الأيديولوجية المهيمنة.

ونضرب هنا هذا المثال حيث يلعب الفنان الأمريكي الأسود كيري ج مارشال في لوحته بعنوان "صورة الفنان كظل من ذاته السابقة" (1980) على فكرة فقدان الهوية أو تلاشي الذات، وتحمل في طياتها صدىً وجوديًا ساخرًا، واستجابة فنية لحالة المحو أو التشييء التي تَعرض لها الجسد الأسود عبر التاريخ البصري الغربي. فيعيد كتابة تاريخ الفن من موقع الذات السوداء. الجسد الأسود هنا لا يُستخدم بوصفه "رمزًا" كما في فن الأبيض الحداثي، بل يتحوّل إلى حقل بصري للكرامة الذاتية، والتاريخ، والمقاومة، والذاكرة.

الخلاصة: تمثيل الجسد الأسود هو تمثيل للسلطة

يُظهر تتبع تطور تمثيل الإنسان الأسود في الفن الغربي أن المسألة تتجاوز الجماليات إلى صلب الصراع السياسي والثقافي. فمنذ البورتريهات الأرستقراطية، مرورًا برموز الرغبة والتشييء، وصولًا إلى فن ما بعد الاستعمار، يبقى سؤال: من يملك حق تمثيل الآخر؟ سؤالًا مفتوحًا. وإذا كانت الحداثة الليبرالية قد رفعت راية الكونية والمساواة، فإن واقع الفن فضح محدودية هذه القيم حين اصطدمت بالعرق والجندر والإمبراطورية.

مراجع للاستفاضة :

  1. Paul Kaplan, The Rise of the Black Magus in Western Art, 1985
     – دراسة أساسية حول تطور تمثيل الملك المجوسي الأسود، وتُظهر كيف تحوّل من رمز إيجابي إلى صورة دونية أو خفية مع الوقت.
     
  2. David Bindman & Henry Louis Gates Jr. (eds.), The Image of the Black in Western Art, 5 vols.
     – موسوعة ضخمة تضم تحليلات بصرية ونقدية لتمثلات السود في الفن الغربي من العصور القديمة حتى القرن العشرين.
     
  3. فرانس فانون بشرة سوداء اقنعة بيضاء، 1952
     
  4. bell hooks, Black Looks: Race and Representation, 1992
     – مجموعة مقالات نقدية حول تصوير السود في الثقافة البصرية والإعلام.

جان باتيست بيلي التي رسمها آن لوي جيرودي تريوسون، 1797جان باتيست بيلي التي رسمها آن لوي جيرودي تريوسون، 1797

"صورة الفنان كظل من ذاته السابقة" الفنان الأمريكي الأسود كيري ج مارشال، 1980"صورة الفنان كظل من ذاته السابقة" الفنان الأمريكي الأسود كيري ج مارشال، 1980

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية