لتكن مشيئتُك..
ما القصد من العنوان، أَتقصد مشيئة ﴿أَبانا الذي في السَّموات..﴾، بمصير الإِنسان إِن كان مسيَّرًا أَم مخيَّرًا، أَم أَنَّها ترمز إِلى مشيئة القدر، الذي لا سلطة لنا عليه، القضاء والقدر، أَم أَنَّها تقصد قدر ما جاء في رواية الكاتب السُّوريِّ "مأساة ديمتريو" بمقولته "أَعطني إِرادة أُعطيك قدرًا"، فيجب على الإِنسان أَن يُقوِّي عزيمة قلبه ليكون شجاعًا قويًّا، حيث جاء في رواية الكاتب باسم خندقجي "محنة المهبولين": فقلبُك عزمُهُ شديدٌ وعزيمة القلب لا تُهزم..
﴿..قد جعل الله لكلِّ شيئٍ قدرًا﴾..
"الإِرادة هي التي تُقرِّر في كلِّ أمرٍ له علاقة بمصيرك" لأَنَّها القوَّة الذَّاتيَّة للإنسان، التي تُوجِّهه إِلى تحقيق هدفه، وتكون المحرِّك للوصول إِلى ما يريد والمرساة والدَّعامة الأَساسيَّة لثباته..
"كريم..ليتنا كنَّا نستطيع أَن نختار أَقدارنا..أَن نخطَّ مصائرنا بأَيدينا.."، "هذا قدرٌ وعلينا التَّسليم به"(ص 114)، "عن حبٍّ فرَّ من القلب في لحظة قرَّرت فيها الدُّنيا ذلك، الدُّنيا؟!!"(ص 140)، لكنَّ منى بطلة الرِّواية تتحدَّى الصِّعاب وتتَّخذ قراراتها الصَّعبة والمصيريَّة بطلاقها من زوجها كريم لتبني لابنها رامي مستقبلاً زاهرًا، تتحدَّى فيه مرضه طيف التَّوحُّد ولا تُسلِّم أَمرها لقدرها، بل تصنع من إِرادتها قدرًا، إِنسانًا يخرج لجمهور الحضور على المسرح، بكلِّ شجاعة وثقةٍ ليعزف لهم معزوفته، وكانت منى والدته من وراء الكواليس تشجِّعه "لا أُريدك أَن تخافَ أَبدًا يا رامي..أَيُّها البطل سأَكون معك..أُصفِّق لك من قريب ومن بعيد..لن تكون وحدك يا ماما..لن أَتركك أَبدًا يا حبيبي."(ص 205)..
يُبدع رامي في عزفه رغم مرضه ورغم الصُّعوبات..
في تلك اللحظة ورامي على المسرح، يعزف أَمام العشرات، "إِنطلقت رصاصة في باب الأَسباط في القدس سمع أَزيزها القاصي والدَّاني تمَّ على إِثرها اغتيال إِياد الحلاق، وهو شابٌّ فلسطينيٌّ مصاب بالتَّوحُّد ويعاني من تأَخُّر في النُّموِّ العقليِّ على أَيدي عناصر حرس الحدود التَّابعة للشُّرطة الإِسرائيليَّة"(ص 206)، رغم محاولات مرشدته إِخبارهم ما هو مرض إِياد وأَنَّه من ذوي الإِحتياجات الخاصَّة، "وأَردوه قتيلاً"(ص 207)..
يسقط الإِحتلال..
كم هو مهمٌّ أَن تتحدَّى وتشعرُ أَنَّك لستَ وحدك وأَنَّ أَقوى إِنسان في العالم يقفُ معك ويدعمك، ولا يوجد من هو أَقوى من والدتك أَو من والدك، وكم هو جميل أَن تجد ثمار تعبك وكدِّك، حين يكون النَّجاح الزَّاهر لفلذة كبدك..
وحين وجدَت منى نفسها وحيدة في معركتها في تربية رامي ولم تجد من زوجها كريم سوى الإِحباط، والبرودة، وتجاهل الأَمر دافنًا رأسه في التُّراب، قرَّرت أَن تهجره، ووجدت في الطَّلاق الحلَّ الأَمثل، وهو "أَبغضُ الحلال إِلى الله" من أَجل سعادة رامي، حيث كثيرًا ما كان يصرخ به ويؤنِّبه، وهو يعلم علم اليقين ما هي مشكلة ابنه، التي كان يتجاهلها تجاهلاً تامًّا، لذلك اختارت حرِّيَّة الانفصال عن زوجها كريم، فقد جندتني الكاتبة لأَقف معها وأُوافقها الرَّأيَ ومع حقِّها في الإِنفصال عن زوجها الذي لا يفهمُها ولا يحاول أَن يفهمها ويتجاهل مرض ابنه، وكأَنَّه ابنها وحدها.
طلَّقته بعد أَن "أَصبحت عباءة أَيُّوب أَثقل من أَن تُحمل"(ص 112)..
لقد كانت كاتبتنا قويَّة في قرارها، أَن تترك كريم، وتضع العصمة في يدها، وهذا ما قد تربَّت عليه في بيتها في بيت القاضي، العلَم، عبد الرَّحمن الزُّعبي، حين طلب المأذون ولي أَمرها في كتب الكتاب، فقال القاضي، الوالد، دعاء هي وليَّة أَمر ذاتها، وأَنا ربَّيتها على ذلك، فسأَله المأذون: هل يجوز ذلك، وهذا لم يحدث من قبل! أَجابه لتكن ابنتي الأُولى فهي ليست بحاجة إِلى وصيٍّ عليها، وهي وصيَّة نفسها، وهذا ما صار..
وهنا لا تُخفي حبَّها الكبير لوالدها في الحقيقة وفي الرِّواية، "لم أَكُن قريبةً منها يومًا كقربي من والدي..أَمَّا حضن أَبي فقد بقي ملاذي الأَوَّل وبقيت أَنا طفلته المدلَّلة.."(ص 58)، "مهما كبُرتِ ستظلِّين طفلته الدَّلُّوعة المدلَّلة"(ص 68)..
كانت تتردَّد مع كتابها للمطالعة، إِلى النَّبعة الواقعة في ضواحي مدينتها الميمونة، وإِحدى معالمها الهامَّة، فمن لم يزرها كأَنَّه لم يزر الميمونة، حيث كانت تجد هناك السكينة والطَّمأنينة والأَمان والرَّاحة النَّفسيَّة، "يا له من مكانٍ ساحرٍ جميلٍ. فعلاً للنَّبعة وقعٌ خاصٌّ في نفسي فأَنا لا أَملُّ منه أَبدًا"(ص 71)، "فهي التي لم تغادرني أَبدًا"(ص 172)، فهناك تتعرَّف على جاد، المهندس، خرِّيج كلِّيَّة الهندسة في موسكو، الإِتِّحاد السُّوفييتي، كان قد حصل على منحة الدِّراسة من الكنيسة، مع أَنَّه لا ينتمي للكنيسة، ولا لدين يقول: "لم تستطع موسكو أَن تُنسيني القُدس ولم يستطع نهر الفولغا أَن يُنسيني النَّبعة وميمونتها. بقيَت موسكو هي المنفى وبقيَت القُدس هي الوطن، رغم ما وفَّرته لي موسكو من تجارب ثقافيَّة غنيَّة وسنين جميلة سأَبقى أَذكرها ما حييتُ"(ص 171)، الذي عاد إِلى البلاد بعد "تدهور حالة أُمِّي..كي أُعيدَ الرَّبيع لأُمِّي، ربَّما الحياة"(ص 172)، والإِعتناء بأَخيه آدم، المصاب هو الآخر بطيف التَّوحُّد، حيث كان هذا الأَمر يخيفه من الإِنجاب حين تزوَّج من فتاة سوفييتيَّة، تركها بعد أَن طلبت منه طفلاً لتنعم بحياتها من ﴿زينة الحياة الدُّنيا﴾، منى وطفلها رامي، جاد وشقيقه آدام يعانيان من نفس المرض، زد على ذلك مقتل إِياد حلاق المريض بطيف التَّوحُّد في القدس في الثَّلاثين من أَيَّار عام أَلفين وعشرين..
ووجدت منى سعادتها مع جاد متحدِّيةً الإِختلاف في الإِنتماء الدِّينيِّ وجدت دعمًا من والدها، ومعارضةً من والدتها، وأَنجبا طفلهما "رزقنا بطفلٍ معافى سليم أَسميناه سعيد..كان سعيد النُّور الذي أَضاء الله به عيوننا من جديد وأَسعد قلبينا وقلبَي روز وسعيد"(ص 204)، وقد راق قلب روز..
تنتقل الكاتبة العزيزة حين تتعرَّف منى على جاد وتسلِّم الرَّاية، راية السَّرد، إِلى جاد ليسترسل في الرِّواية من خلال دفتر مذكَّراته الذي تجده منى على حافَّة الطَّريق إِلى النَّبعة وفي غلافه صورته مع والدته وشقيقه آدم وأم نصري جارتها، التي تفتح لها أَبواب العمل في الأَديرة ومدراسها ويكشف السِّرَّ أَنَّ جاد هو نفسه الذي صادفته والدتها ووالدها في كنيسة "يسوع الحياة" حين كان شقيقه يصرخ شادًّا على أُذنيه ولا يعرفون ماذا يريد وكيف يُمكن تهدئته، فنصحتها جارتها أُم نصري بزيارة الخوري في الكنيسة ليُشفيه ويطرد من الوسواس الخنَّاس من روحه، تعرفه من خلال الصُّورة التي كانت في طيَّة الدَّفتر..
لقد مس إِصبع جاد الطِّفل بطن روز الحامل بمنى، كما هو ظاهر في غلاف الرِّواية، في باحة كنيسة "يسوع الحياة" وقد لامسها وهي أَمامه في حياتهما الزَّوجيَّة، السَّعيدة، هذه هي أَيضًا مشيئته! أَم مشيئتهما! هذه هي مشيئة الحبِّ التي أَراداها لنفسهما..
قالت روز لجاد حين التقيا في باحة الكنيسة المقدَّسة بعد أَن انحنت وقبَّلته على خِّده بعد أَن سبتها عيناه الجميلتان "أَدعو الله أَن يرزقني طفلاً جميلاً وذكيًّا مثلك"(ص 45)..
كانت المشيئة أَن يلتقيا، يجمعهما الحبَّ والتَّفاهم ومشكلة مشتركة ليكون لهما محفِّزًا ودافعًا لعلاج طيف التَّوحُّد، "أ!نشأنا أَنا ومنى مؤسَّسة صغيرة في البلدة القديمة في القُدس، تعني بالأَطفال المصابين بطيف التَّوحُّد وتدعم إِحتياجاتهم. لكنَّنا لم ننسَ ما لنا وما علينا. لم تنسَ منى رامي، ولم أَنسَ أَنا آدم"(ص 204)..
طيف التَّوحُّد هو مرض صعبُ العلاج، لا تُعرف أَسبابه، منها الوراثيَّة، والبيئيَّة ومنها مضاعفات أَثناء الحمل والولادة، كمادَّة التَّخدير أَو الولادة القيصريَّة أَو التَّدخين أَثناء الحمل، "..التَّكوين الوراثيُّ..التَّغييرات الجينيَّة النَّادرة أَو الطَّفرات المختلفة أَيضًا..سنُّ الإِنجاب المتأَخِّر للزَّوجين..تناول الأُم لبعض العقاقير والأَدوية أَثناء الحمل..تلوُّث الهواء أَو التَّدخين..عمليَّة قيصريَّة..تخدير كلِّي.."(ص 111)، كلَّما بدأنا بالعلاج بسنٍّ مبكِّرة كلَّما ساعدناه على شيئٍ من التَّحسُّن والتَّطوُّر الوظيفيِّ واللغويِّ والنُطقيِّ والسُّلوكيِّ والتَّعبيريِّ، وقد شخَّصت جنان، الأَخصَّائيَّة النفسيَّة صديقتها الصَّدوقة منذ ايَّام الدِّراسة، حالة مرضه حيث سعت مع منى سويَّةً لإِيجاد الحلِّ "اجتهدت جنان أَن تشرح لنا بالتَّفصيل المُملِّ ظروف رامي الحاليَّة والمستقبليَّة وما يترتَّب علينا عمله..ويحتاج منَّا رعايةً واهتمامًا خاصَّين"(ص 116)، كما أَنَّ معلِّمته أَحلام في الحضانة، كشفته "منذ مدَّةٍ وأَنا أُلاحظ اهتمام رامي الكبير بآلة الأُورغ"(ص 122)، وعملت مع والدته على تطوير هذه الموهبة في المدرسة ومن خلال دروسٍ خصوصيَّة بيتيَّة مع الأُستاذ سليم الذي سرعان ما حضر وبدأَ بتدريسه وتعليمه "متى يُمكنني الحضور إِليكم؟" (ص 123)..
لهذا فإِنَّ هناك تحدٍّ كبيرٍ، وضعت مُنى نصب عينيها سعادة وسلامة ومعافاة ابنها..
تتظافر الجهود المباركة في يدٍ واحدةٍ لمساعدة رامي وانتشاله من مرضه..
بطلة الرِّواية هي مُنى ابنة روز وسعيد. روز من بيت المقدس وسعيد من مدينة الميمونة الواقعة شمال فلسطين، ممكن أَن تكون النَّاصرة وعين العذراء، واسمها "الطَّيِّبة والمباركة إِيمانًا منهم بأَنَّ الله حرسها دائمًا بعينيه التي لا تنام" (ص 75)، حماها في عام الجراد ومن الزَّلازل والهزَّات الأَرضيَّة التَّدميريَّة، "بل قُل مسكونةً بالملائكة"(ص 78)، "فالميمونة مباركةٌ ومحميَّةٌ من الرَّبِّ وملائكته"(ص 143)، وقد حماها من "الأَوبئة كالجدري والكوليرا والطَّاعون..من براثن الموت والفناء"(ص 79)، كما يُقال عندنا في حيفا، بأَنَّها محروسة من مار الياس الحيِّ الذي لا يموت في ديره وفي مزاره، الخضر أَبو العبَّاس ومزار الخضر مبارك فقد زارته العائلة المقدَّسة التي لجأت لتسكن مغارة الخضر مار الياس "أَوت ليلةً واحدةً العائلة المقدَّسة برجوهها من مصرَ إِلى النَّاصرة سالكةً الشَّاطئ" (كما جاء في كتاب جميل البحري تاريخ حيفا ص 49)..
تعرَّف سعيد ابن الميمونة على المقدسيَّة روز، في كنيسة القيامة تحديدًا يوم سبت النُّور، يوم خروج النُّور المقدَّس من كنيسة القيامة إِلى العالم ليُبشِّر بقيامة السَّيِّد المسيح من بين الأًموات، بعد أَن وطئ الموت بالموت. ويومها بشَّر النُّور المقدَّس بحبِّهما ووحدتهما بعد أَن أَضاء شمعتهما "تشتعل الشَّمعتان بنورهما المقدَّس، تتَّحد نارهما، ومعها يشتعل قلبهما ويفيض بحبٍّ كبيرٍ كان بداية لرحلةٍ طويلةٍ"(ص 31)، تعاهدا على الزَّواج بعد عدوان حزيران بسنتين "عادوا إِلى أَرحام أُمَّهاتهم من جديد"، "ندبوا حظَّ فلسطين وأَهلها ولعنوا من كان السَّبب، وصلُّوا من أَجلها"(ص 26)، وانتقلت روز لتسكن مدينته "الميمونة"، رغم النَّقاش الذي دار حول الزَّواج والاحتفالات، وهذا لا يجوز تحت وطأَة الإِحتلال، لكنَّ الزَّواج قد تمَّ بفعل الحبِّ الذي أَسرهما، والحياة ستستمرُّ.
وتعاهدنا على أجمل كأس، واحترقنا
في نبيذ الشفتين
وولدنا مرتين!
الغربة صعبة والحزن سميرُ الغريب..
التأم الوطن والتأم الشَّعب الواحد بين النَّهر والبحر، تحت وطأة الإِحتلال، فهؤلاء هم فلسطينيُّو العام ثمانية وأربعين وأُولئك هم فلسطينيُّو الضِّفَّة الغربيَّة وقطاع غزَّة، وأُولئك هم فلسطينيُّو الشِّتات ما بين لاجيئين في وطنهم الصَّغير أَو في وطنهم الكبير أَو منتشرون في جميع أَرجاء العالم..
إِحتلال وسقوط القُدس جمع بين قلبين جمع بين سعيد من مدينة الميمونة وبين روز المقدسيَّة، وحَّدهما، في بيتٍ واحدٍ وقلبٍ واحدٍ غمره العشق والمحبَّة والرَّفاء والوفاء والهناء والإِخلاص..
روز هي إنسانة مؤمنة جدًّا بالله وبكنيسته فهي ملجؤها الوحيد في كلِّ محنةٍ لكنَّ سعيدًا لم يكن مؤمنًا مثلها، يؤمن بالقدر فيقول عن زوجته بعد أَن خفق قلبه لها كما لم يخفق لأَحد من قبلها "بأَنَّها أَجمل ما حصل له في حياته، وأَنَّها أَجملُ هديَّة بعثها له القدر"(ص 23)، "فهو وجود بعض الملحدين والمشكِّكين بالله في بيتنا وبين ظهرانينا دون علم روز أَو حتَّى موافقتها على وجودهم بيننا..فلو علمت روزك بهذا الأَمر لكان أَصاب بيتنا زلزال، ولكنتَ أَنت أَوَّل ضحاياه يا بابا العزيز" (ص 65)، وهنا تقصد أَدبيَّات أَنجلز وماركس وجان بول سارتر وغيرهم، لكنَّه كان يُلبِّي كلَّ طلباتها وتمنِّياتها بكلِّ سرورٍ ورضًا، واختلاف الرَّأي لا يُفسد للودِّ قضية، "كالعسل على قلبه فهذه روز الحبيبة الغالية"(ص 138)، "ورغم اختلافنا مع روز، إِلا أَنَّ هذا الأَمر لم يُفسدُ للودِّ قضيَّة بيننا" (ص 66)..
سعيد هو إِنسان واقعيٌّ علمانيٌّ مثقَّفٌ يرى الأُمور على حقيقتها بنظرته الثَّاقبة كما والده الذي كان يقول لهم "أَخشى أن تكون هذه هي البداية فقط، وأَخشى أن تشهد القُدس أَيَّامًا وزمنًا أَشدَّ رداءةً من هذا الزَّمن. أَن تستمرَّ إِسرائيل في احتلالها للقُدس. هذا يعني استمرارها في نشاطها الإِستيطانيِّ لتهويد الزَّمان والمكان في جنبات المدينة وضواحيها أَيضًا. ما أَخشاه يا جماعة هو سياسة الجرف والتَّشويه هذه. تشويه هُويَّة القُدس وطابعها"(ص 27)، بينما تقول روز المؤمنة "الدُّنيا مش فوشطة" (ص 27) متضرِّعة إِلى الله بواسطة العذراء مريم "يا عدرا يا إِم القُدرة دخلك شدِّي القُدرة"(ص 16)..
حيث كانت تسكن المحبَّة بيتهما، وتغمره بالسَّعادة والوئام والتَّفاهم والطَّمأنينة ورُزقا بابنتين منى ومي..
كانت تحرص العائلة على تسمية أَبائها وبناتها أَسماءً عربيَّة لها معنىً ووزنًا "فجدِّي هو من أَسقط الأَسماء، أَسماء القدِّيسين والقدِّيسات، من قالئمة روز..لقد أَراد لنا أَسماءً عربيَّةً تُزيِّنها المعاني الأَصيلة الجميلة، وكان له ما أَراد"(ص 65)، وهنا أَذكر والدي حين منحنا أَسماءً عربيَّة قلَّما تجد منها فبكرنا شقيقتي وضحى (وضحى الحزينة تنادي ربها يا معين)، وأَنا خالد، تيمُّنًا بخالد بن الوليد، وثالثتنا رفيقة (رفيقة في الحزب) ورابعتنا أُميَّة محبَّةً ببني أُميَّة وخامستنا رلى، يقول الشَّاعر: رُلى عرب قصورُهم الخيام ومنزلهم حماة فالشَّآم
وعندي في بيتي صابرين ومي ورُبى وأَحفادي نورا وليان ويارا وياسمين ومجد وجوزيف، لقد أُعجبت ابنتي مي بأم جوزيف في باب الحارة حين كانت تساعد الثُّوَّار بصدِّ الفرنساوي، لتكون ام جوزيف الثَّائرة..
وُلدت مُنى في السَّادس من تشرين عام أَلفٍ وتسعمائة وثلاثة وسبعين، حرب تشرين، حيث وصل جنود الجيش العربيُّ السُّوريُّ ضفَّة بحيرة طبريَّة الشَّرقيَّة وعبر الجيش المصريُّ قناة السُّويس إلى شبه جزيرة سيناء وحقَّقوا عبور القناة، كانت حرب تحريريَّة "وُلدتُ في السَّادس من اكتوبر"(ص 55)..
كان زواج روز وسعيد بعد عدوان في الخامس من حزيران بعامين وكانت ولادة مُنى في السَّادس من تشرين والذي وافق العاشر من شهر رمضان، حرب تحرير..
حين حلُمت روز بحلم مخيف، بكلب ضخم يحمل بين فكَّيه قطعة لحمٍ كبيرة تنزف دمًا غزيرًا، حيث تحوَّلت القطعة إِلى طفل، أَرَّقها الحلم وأَخافها وطيَّر النَّوم من عينيها، ولم تشفع طلبات زوجها لها بالنَّوم "نامي يا روز نامي يا بنت النَّاس، بحقِّ الرَّب الذي تعبيدينه حاولي أَن تنامي.."(ص 22)، فذهبا إِلى كنيسة الميمونة باكرًا مع "فجِّة الحَمار" من "دغشي"، ملتجئةً لكاهن الكنيسة ليُخلِّصها من العفريت الذي ركبها ليلاً، حيث دعاها لإِضاءة الشُّموع وتلاوة صلاة ﴿أَبانا الذي في السَّموات..﴾ ثلاث مرَّات "كلُّ شيئ سيكون على ما يرام بمشيئة الله"(ص 38)..
وفي طريق عودتهما إلى البيت كانت هناك أمرأَة تحمل طفلها وآخر تمسكه بيده، في طريقها إِلى الكنيسة لتعالج ابنها المحمول من مرضه حيث كانت "سيُخرج من جسدك هذا الوسواس الخنَّاس الذي ما انفكَّ يُطاردك ويسكن فيك"، وكان الطِّفل المحمول آدم والطِّفل الماشي جاد، بعد أَن أَرسلتها جارتها أُم نصري إِلى الخوري ليحلَّ مرض ابنها آدم دائم البكاء والصُّراخ ويشفيه، لقد وصلت منى إِلى هذه المعضلة، هُويَّة جاد، عن طريق الصُّدفة بعد أَن وجدت في النَّبعة دفترًا كان يكتب فيه جاد مذكَّراته حين كان يتردَّد إِلى النَّبعة، ففي يوم ماطرٍ حماها من المطر وأَوصلها إِلى سيَّارتها وهنا بدأَت علاقاتهما وحبُّهما ومن ثمَّ زواجهما..
تجمع القُدس بين قلبين في بيتٍ واحدٍ تملأَه الحياة بفرحها وطرحها، وتُبشِّر سماءها بفرحٍ عظيمٍ قادم سيملأ بيوت القُدس..
"أيّها النَّاس، يا أَهالي القُدس.. إِنَّها إشارة من السَّماء تبشِّر بفرحٍ عظيمٍ قادم سيملأ بيوت القُدس وزقاقاتها عدلاً ومسرَّةً وحبورًا. فلتهلَّلوا معي أَيُّها النَّاس... هلِّلوا معي وردِّدوا..لتكن مشيئتك". (ص 207)..
"في القُدس، رغمَ تتابعِ النَّكبات، ريحُ براءةٍ في الجوِّ، ريحُ طُفُولةٍ،
فَتَرى الحمامَ يَطِيرُ يُعلنُ دَولةً في الرِّيحِ بَينَ رصاصَتَين"
(الشَّاعر تميم البرغوثي)
هي القدس أُمُّ البدايات وأًمُّ النِّهايات، وستبقى هكذا..
النُّور المقدَّس والسَّلام العادل سيأتيان من القُدس..
القيامة ستكون من القُدس..
ختامًا..
تبريكاتي القلبيَّة العطرة للكاتبة الفلسطينيَّة ابنة مدينة النَّاصرة، عاصمة الجليل، دعاء زعبي، على صدور ثمرة يراعك، الرِّواية الجديدة التُّحفة المشوِّقة "لِتكُن مشيئَتُكَ..".
أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ وَخَيْرُ جَلِيسٍ في الزَّمانِ كِتابُ..
ملحوظة: صدرت هذه الرِّواية، عام أَلفين وخمسةٍ وعشرين، عن دار ورد للنَّشر والتَّوزيع، سورية، ودار الشَّامل للنَّشر والتَّوزيع، نابلس فلسطين، تصميم الغلاف ورد حيدر، والكتاب من الحجم المتوسِّط، في مائتين وسبع صفحات..
ملحوظة ثانية: صورة الغلاف لساحة كنيسةِ "يسوع الحياة" في مدينة الميمونة، يظهر فيها الصَّليب على قبَّتها، وروز امرأَة حُبلى، في مرحلةٍ متقدِّمةٍ، تمسك بطنها بكلتا يديها، تنظر إِلى بطنها، بسرورٍ، وجاد طفلٌ يُشير بإِصبعه ماسًّا بطن الحُبلى، ويظهران سعيدين، وأُمُّ الطِّفل، أُم جاد، على رأسها منديلٌ، تنظُر إِليهما من بعيد مسرورةً فرحةً بهذا اللقاء العفويِّ..
ملحوظة ثالثة: كتبتُ تعقيبًا على صفحة الفيسبوك عن الكاتبة العزيزة ما يلي: كاتبة وروائيَّة رائعة أَسرتني بروايتها "لتكُن مشيئتُك.." حيث قرأتها مرَّتين والظَّاهر رايح أقرأها كمان مرَّة وهذا ما كان ولذلك قدَّمتُ قراءة وعرض للرِّواية، فبوركت الكاتبة العزيزة دعاء زعبي وبوركت مشيئتها..







.png)


.jpeg)



.png)

