كيف يُكتب الوداع لأحد أعمدة الوعي الجَمالي والفكري العربي؟ كيف نرثي من لم يُشبه إلا نفسه، ومن عاش على الهامش لأنه رفض أن يكون في المتن الزائف؟ كيف نرثي زياد الرحباني، وهو الذي شَتم كل شيء ثم غنّاه، عادى العالم ثم صالحه بلحن، فضحنا ثم احتضننا بنكتة؟
زياد لم يكن مجرد موسيقي، ولم يكن فقط كاتبًا مسرحيًّا ساخرًا، ولا حتى ذلك الابن الشقي لفيروز وعاصي الرحباني.
كان مشروعًا فكريًا مُكتملًا، شيوعيًّا لا تُقيده العقائد لم يرَ الله إلا في الفقراء، فنانًا لم يطلب المجد بل سخر منه، مثقفًا رفض أن يُؤطَّر أو يُستَخدَم.
لم يكن زياد حياديًّا يومًا. كان منحازًا — بعمق، وبلا اعتذار — لطائفة واحدة: طائفة الفقراء.
كان صوت "المُعترّين بكل الأرض"، أولئك الذين لم تصلهم التنمية، ولا الشاشات، ولا التحليلات السياسية الباردة.
أولئك الذين يجلسون على عتبات الوطن المهجور، ينتظرون خبزًا أو عدالة، فيأتيهم لحنٌ من زياد يشبههم، يقول عنهم ما لا يقدرون على قوله، ويمنحهم كرامة أن يكونوا في قلب الأغنية، لا في هامشها.
زياد كان ابن المقاهي الشعبية، والأحياء المنسية، والعمال المُرهقين، اللي "انكسر ظهرها من الشغل والسكوت".
لم يكتب عنهم، بل كتب معهم، ومنهم، وفيهم. في مسرحيته نزل السرور، لم يكن بطل الحكاية السياسي ولا الثائر، بل "واحد من الناس" يراهن في اليانصيب ويتنقل بأحلامه كل يوم على الأرصفة.
وفي بالنسبة لبكرا شو؟ جعل البطل يتساءل:
"أنا منين؟ أنا ابن مين؟ أنا لأي طبقة بنتمي؟ أنا مع مين؟"
أسئلة زياد لم تكن فكرية فقط، بل وجودية تُرمينا في عمق المتاهة التي يعيشها المواطن العربي المهزوم، منذ وُلد وحتى سُلبت منه ملامحه.
هو صاحب النكتة الحارقة، التي لا تُضحك فقط، بل تُحرج، وتُربك، وتخلخل ما استقرّ في وعينا من مسلّمات.
هو مَن ترجم الخراب العربي بنصوص تُضحكك حتى البكاء، ثم تتركك تتساءل: كيف وصلنا إلى هذا القاع؟
هو من وضع الحرب الأهلية اللبنانية على خشبة المسرح بلا رتوش، وسخر من الطائفية، ومن القيادات، ومنّا جميعًا، دون أن يَسلم من حنانه أحد.
زياد، في زمن ابتُذِل فيه كل شيء، ظلَّ صادقًا حدّ التوحّش.
كتب عن القهر بلغة القهر. لحّن للحب وكأنّه الخاسر الوحيد فيه.
وحين غنّى:
"أنا مش كافر... بس الجوع كافر، بس المرض كافر، بس الظلم كافر"
لم يكن يصرخ من فراغ، بل من داخل مجتمع اختنق بالرماد.
وفي مش كاين هيك تكون، اختصر وجع خيبة الحلم:
"مش كاين هيك تكون، مش كاين صوتك حزين… مش كاين فيك الوطن مكسور، والناس طايرين."
لم يكن بحاجة إلى دروعٍ تكريمية، ولا إلى تصفيق. كان يكفيه أن يُسلّط الضوء على زاوية من زوايانا المنسيّة، فيغدو السؤال مؤلمًا، والجواب أكثر تعقيدًا.
هو من قدّم للناس ذاتهم، بلا تجميل، وبلا عبارات تحفيزية مزيّفة.
هو من حكى عن الذين "مش قادرين يهاجروا"، عن الذين "نطرونا وما أجينا"، عن "الضيع اللي رح تضلها ضيع"، عن الوطن الذي يتآكله السكوت، ويتغنّى بالشهداء كأنهم داتا بيز لخطابات القادة.
واليوم، يرحل زياد.
ينطفئ الجسد، ويبقى كل شيء آخر مشتعلاً: الفكر، اللحن، النص، النبرة، الطرافة القاتلة، واللغة التي لا تشبه إلا زمنها الصادق.
نخسره في زمنٍ ازدحم بالرداءة، وقلّ فيه الأحرار، حتى صار غيابه حدثًا ثقيلًا لا يُحتمل.
ولأنه زياد، فإن رثاءه لا يكون بالرثاء. بل بالكتابة الحرّة، بالموقف الصادق، بالفعل الذي لا يُقايَض.
نرثيه بأن نُكمل مشروعه: أن نبقى إلى جانب الناس، لا فوقهم. أن نصدّق أنّ في الفن خلاصًا، وفي الكلمة سلاح، وفي الضحكة ثورة.
نرثيه ونحن نعرف، كما كان يعرف، أنّ الثمن باهظ. لكن الخضوع أثقل.
وداعًا يا زياد.
وداعًا يا من قلت ما لم يجرؤ عليه أحد، وضحكت بدلًا عن بكائنا، وبكيت في العمق عنا.
وداعًا يا من علّمتنا أن نحلم بلا مكياج، أن نحب بلا أقنعة، أن نفكر رغم الألم، وأن نكمل الطريق حتى لو عرفنا — كما قلت — أننا سندفع الثمن.
نم قريرًا،
فنحن، تلاميذ حريتك،
راح نِمشي ونِكمل الطريق
.png)






.png)


.jpeg)



.png)

