بينما وأنا أتردد على مقر الجيل الذهبي في "نجمة الصبح" أبو سنان العامر، وقع نظري وأنا أبحلق في زواياه الهادئة، لأكتشف مكتبته المتواضعة، الغنية بنوعية ممتازة من الإصدارات والكتب والروايات التاريخية والأدبية والسياسية والثقافية وغيرها. وقع نظري كوقوع البرق والرعد في كوانين الشتاء الباردة، والملهوف على الدفء الثقافي المتعطش للقراءة، على كتابين؛ الأول بعنوان نجمة النمر الأبيض للكاتب د. محمد هيبي، الابن البار لبلدته وشعبه كابول حاليًا، ابن الأعفم المارد الفلسطيني المشرد والمنتشر على ضفاف الحلم والمنافي، ويعود بجذوره إلى المنارة/ميعار المهجرة، والثاني بعنوان سأخون وطني، للكاتب السوري المبدع محمد الماغوط. شرف الثقافة لي شخصيًا أن تضم مكتبتي المتواضعة هاتين الروايتين الشامختين كشموخ الكاتبين في عالم الأدب والرواية والثقافة السياسية والوطنية.
سرعان ما انغرست في بحر القراءة والاطلاع على الرواية الأولى، من كثرة انجذابها وتمحورها في الهم الفلسطيني، وكيفية سرد الرواية والحكاية والمعاناة وواقع الألم والجرح الذي لم يندمل للمواطن الفلسطيني في الداخل والمشرد في خيام اللجوء، إذ التهمت الرواية في أقل من يومين على وتيرة ساعات متقطعة، لأكتشف وأتعمق في خبايا رواية نجمة النمر الأبيض. سرعان ما انصهرت وانبهرت في فن الجاذبية والاستمرارية الجنونية وهوس القراءة، عندما تعجب برواية كـرواية كاتبنا المبدع، يأخذك ويحلق بك عاليًا في خيال الرواية، لدرجة يطبع في ذاكرتك، بأن المارد الأعفم الذي أحب المنارة، هو نفسه الأعفم المارد المنتشر في حلم المنارة، بل في المنارات المنتشرة على ضفاف الوطن المغلوب والمسروق والمجروح والمقتول والمهدوم، لأكثر من (530) منارة (قرية فلسطينية)، جرى قتلها وهدمها وتشريد ساكنيها.
الوصف يفوق الخيال ويتغلب على الذاكرة، والذاكرة الحية الجماعية، كما يصفها الأديب هيبي، هي ذاكرة الأعفم الشعبية الحاضرة في كل زاوية من زوايا المنارة والريف الفلسطيني في أحاديث الناس اليومية. نعم، الكاتب نفسه هو سيد الكلام والموقف في الوصف الوطني، يجمع جمال الحكي والكلام في تعابير جمال اللغة ليصل إلى جمال المنارة، وحكايات العشق الخالد بين وصف المنارة كـوصف حمدة وسلوى، لتكتمل السيمفونية الوطنية في قالب وبريق واحد جمعها هيبي في رواية نجمة النمر الأبيض.
الأسلوب يأخذك عاليًا، تحلق في فضاء الحكاية السردية ونوعية ورقي الإبداع، تجعلك تنساب لتصبح مجرورًا مجبورًا في حكاية العشق الوطني، وتعيش كوابيس الأحلام الوطنية والتاريخية والغذائية، المكونة للأرض والإنسان الفلسطيني، والتي أصبحت جزءًا منه وهو جزء منها، كـالزيتون والزعتر والميرمية ودقة العدس والعكوب والعلت والخبيزة وغيرها، من المطبخ الطبيعي الشعبي الفلسطيني، سيد الموقف فيها وعليها.
أبدع د. هيبي في الرواية المذكورة، ليطعمها بالعشق والحب والعواطف الجياشة، ليغوص في عمق الأعماق التي لا بد منها، في تغليب الوطني على العاطفي والعكس في درامية المشهد والانتماء، وترسيخ الحلم والحقيقة، في تقريب الإنسان الفلسطيني في داخل الوطن والشتات، وخاصة الأجيال الشابة، نحو الهوية وحب وصيانة الأرض والعرض، إذ يوصينا ألا ننسى خوفًا من أن تأكلنا الضباع في يوم من الأيام إن نسينا. الحكاية والرواية، عند هيبي، تدغدغ أفكارنا وعواطفنا وانتماءاتنا الوطنية والسياسية والثقافية، إذا تأخرنا أو فكرنا أن نتراجع عن حقوقنا وكرامتنا وإنسانيتنا وأخلاقنا وعواطفنا الوطنية المرتبطة، بتاريخ وجذور هذه الأرض وهذا الوطن الذي ليس لنا وطن سواه.
رواية نجمة النمر الأبيض ما هي إلا المزيد من إلقاء الضوء وشعشعة النور في زيادة ورفع نسبة الهرمون التراثي والسياسي الوطني الامتدادي لشعب، أُجبر في يوم من الأيام وتحت البطش والإرهاب تارة، والوعود المعسولة والتآمر، أن يفقد أرضه ووطنه، وجرى استبداله واستجلاب بشر من هنا وهناك، على هيئة "شعب" لتعبئة "الفراغ"، وما كان من المستعمر البريطاني أن وعد الوعد المشؤوم في أواخر القرن التاسع عشر، أن يعطي لمن ليس له حق في افتراس أرض فلسطين التاريخية، وخلق مأساة مستمرة لغاية الآن، حيث يرزح الأعفم المنتشر في أصقاع الأرض من مشرقها إلى مغربها.
أحيي أخي ابن كابول وميعار د. محمد هيبي على هذه الرواية وهذا المستوى الراقي في تجسيد الرواية الفلسطينية مقابل الرواية السلطوية الحاكمة، والجمع بين تسلسل القصة وتفاعلاتها على المستوى الوطني والثقافي، بما يرفع عاليًا مستوى منسوب الأدب المقاوم المتحيز للناس، ولكل الناس الذين ينتمون للمعسكر الوطني والقابضين على ناصية الحلم، كما يتمسك حبيبنا الأعفم بالمنارة وسلوى وأبطال الرواية.







.png)


.jpeg)



.png)

