نافِذَتي تُطلُّ على "قِراءاتِ في بعضِ تجَلِّيات السِّيرة الفلَسطينيَّة"

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

الرَّفيق محمود إِبن عبد الحافظ وفضَّة شقير، أَبو خالد، كاتب مقدسيٌّ من مواليد بيت المقدس، جبل المكبِّر الصَّامد في وجه الأَنواء العاتية، الجبل الأًحمر، عام واحدٍ وأَربعين من القرن المنصرف، درس في مدارس القدس، وحصل على شهادة لسانس في الفلسفة من جامعة دمشق، ويُعتبر من أبرز كتَّاب القصَّة القصيرة في فلسطين والعالم العربيِّ حيث تُرجمت قصصه إِلى عدَّة لغاتٍ، وله مساهمات مهمَّة في أدب السِّيرة، والرِّواية، وأدب الأطفال والنَّاشئة، بالإِضافة إلى المقالة السِّياسيَّة والثَّقافيَّة...

رفيقي العزيز أَعتزُّ بك وبنهجِك وبشجاعتك، وبطريقِك القويم الصَّائب نحو الحرِّيَّة والاستقلال والدِّيمقراطيَّة ومن أَجل تحقيق العدالة الإِجتماعيَّة..

يقول الشَّاعر سميح القاسم: "فالفنُّ هو خندق الشُّعوب الأَخير، خندق الدِّفاع عن مُثُل الحرِّيَّة والسَّلام والدِّيمقراطيَّة والتَّعدُّديَّة فلندافع عن هذا الخندق. وما دمنا نصون الثَّقافة ونحمي الإِبداع، فهذا دليل حيٌّ على أَنَّنا شعبٌ حيٌّ" وهنا أُحيِّي الرفيق المحامي فؤاد مفيد نقَّارة على مشروعه الوطنيِّ الحرِّ والتَّثقيفيِّ والرِّياديِّ في خدمة الثَّقافة "فانبرى لتمكين الإِبداع وصقل المواهب" كما وصفته الأديبة الأَريبة صباح بشير  في كتابها الجديد نفحات من النَّقد، وطبعًا أُحيِّي جميع أَعضاء نادي حيفا الثَّقافي على هذا الدَّور..

يؤكِّد لنا، كاتبنا ورفيقنا، محمود شقير، في غالبيَّة مؤلَّفاته أَنَّ القدس بالنِّسبة له هي بمثابة الرُّوح للجسد، أَوهل يعيش الجسد بلا روح، فمسكَنُ الرُّوحِ هو الجسد، وهي توأَم روحه، وحين يفنى الجسد تبقى الرُّوح ملتزمة بحبِّ الجسد، تراقب ما أّراد الجسد تحقيقه وتسعى لتحقيقه، وتبقى ساهرةً على ما أَراد الجسد أَن يكون، وتبقى القدس في رواياته، حارات القدس وأَزقَّتها وخاناتها وأَسواقها وأَصوات أَجراس كنائسها وأَصوات أَذان مساجدها وذلك لضرورة التَّأكيد على أّنَّ القدس لنا وأَنَّ روايتنا هي الصَّحيحة وأَنَّ أَهلَ القدس الأَصايل هم الثَّابتون والباقون والمرابطون وليس المارُّون أَو العابرون، ونقول لهم دونها حبلُ الوريد..

"للقدس دورٌ كبيرٌ في إِغناء شخصيَّتي..علَّمتني القدس إِحترام التَّعدُّديَّة النَّاتجة عن طبيعة المدينة، كونها حاضنة الدِّيانات السَّماويَّة الثَّلاث" (ص 323)..

فكذَّبتَ رفيقي بهذا شعارهم الصَّهيونيَّ "أَرضٌ بلا شعب لشعبٍ بلا أَرضٍ"، فها هي القدس كما سائر الوطن مأهولةٌ بالعرب الفلسطينيِّن، فهي أَرضٌ لشعبٍ ولشعبٍ له القدسُ..

لقد جاء في مقدِّمةِ كتابي "حيفا في ذاكرة برهوم، كي لا تُنسى" (ص 7)، إِدَّعى الأَب الرُّوحيُّ للحركة الصَّهيونيَّة، بنيامين زئيف (ثيودور) هرتسل والمفكِّر الصَّهيونيُّ البريطانيُّ يسرائيل زانغويل، في أَواخر القرن التَّاسع عشر، أَنَّ فلسطين هي لليهود بمقولته الشَّهيرة "أَرضٌ بلا شعبٍ لشعبٍ بلا أرضٍ"، والحقيقة أَنَّ هذه المقولة هي مقولةٌ كاذبةٌ في شطريْها، وأنَّها أوهى وأوهن من بيت ﴿..العَنْكَبوت﴾. وعندما بدأتُ أَجمع ذكريات والدي وجدْتُ أَنَّه من واجبي أَن أُدوِّنها لتخرج إِلى النُّور وتجدَ متنفَّسًا لها بين قرَّائي الأَحبَّاء. وعندما كنتُ أَكتبُ ذلك كنتُ أَجد الحقيقة التي يعرفها شعبي في بلدي وأَصدقاؤه من شرفاء الوطن والعالم أَنَّنا هنا منذ فجر التَّاريخ على أَرضنا، كما قال الشَّاعر توفيق زيَّاد: "وجذورنا في رحم هذي الأرض ممتدَّة" وستبقى لنا إِلى دهر الدَّاهرين، جذورنا في رحم الأرض ورؤوسنا فوق الغمام شامخات وعاليات..

القُدسُ هي قدسُ أقداسِنا، هي زهرة المدائن، هي عروس المدائن، هي عروستنا المقدَّسة، هي بيت المقدِس، هي ابنة الأكابر وهي مركزُ العالم، هي مركز الكون، هي محور العالم، القُدس هي الرُّوح وهي روحُ القُدُّوس، هي أطهرُ بقاعِ الأرض، تسكن قلوب الأحرار وأفئدة شرفاء العالم، فعيونهم ترحلُ إليها كلَّ يومٍ إلى أَن يُحلَّ الوثاق، وتُكَسَّر الأصفاد، وعلينا أن نشدَّ أزرها ونؤازرها، هي قُدسُنا..

دونَ القُدس حبلُ الوريدِ..

القُدسُ قبلتنا..

القُدسُ نجمتنا..

القُدس قيامتُنا ومسرانا..

هي الحبلُ السِّرِّيُّ بين الجنَّة والأَرضِ، بين الغبراء والسَّماء..

القُدسُ هي تُحفة القُدُّوس على الأرض..

فيقول كاتبنا محمود شقير في إِحدى مقابلاته لمجلَّة "الجديد" مع الصَّحفيِّ أَوس داود يعقوب: "القدس هي المدينة التي ألهمتني الكثير من اهتماماتي واختياراتي في السِّياسة وفي الأدب سواءً بسواء"..

ويُتابع:" أَهمُّ درس تعلَّمته من القدس هو احترام التَّعدديَّة وتعايش الدِّيانات والأَفكار والمذاهب والتَّجارب السِّياسيَّة والحزبيَّة"..

في مقدِّمة المجموعة القصصيَّة الأُولى، "خبزُ الآخرين"، الصَّادرة عن دار النَّشر "منشورات صلاح الدِّين" القدس، عام أَلفٍ وتسعمائةٍ وخمسة وسبعين، حيث أُعيدَت للنَّشر حينما كان معتقلاً في السجون الإسرائيليَّة جرَّاء نشاطه السِّياسيِّ ضد الاحتلال، بعد أَن طُبعت مرَّاتٍ عدَّة. إِذ حازت هذه المجموعة القصصيَّة على جائزة وزارة الإِعلام الأردنيَّة في العام أَلفٍ وتسعمائة وستَّة وستِّين، والتي كان قد أّهداني إِيَّاها المناضل والشَّاعر داود تركي، صاحب مكتبة النُّور، حين كنتُ أُساعده في أُمور المكتبة وترتيب المكتبة، الواقعة في زاوية شارعي الخوري وصهيون بحيفا، حيث كتبَ الشَّاعر والقائد توفيق زيَّاد مقدِّمة "خبزُ الآخرين" (ص 5) عن الكاتب القصصيِّ محمود شقير: "صاحب موقف فكريٍّ تقدميٍّ وثوريٍّ واضحٍ، نذر نفسه لأَجل تحرُّر شعبهِ من نير وظلم الاحتلال.. وللقضاء على مجتمع العبوديَّة الطَّبقيَّة وبناء مستقبل شعبه ومستقبل الإِنسانيَّة الاشتراكيِّ وموقفه الفكريِّ، هذا هو مضمون حياته ونشاطه".

لقد كان ثمنُ مواقفه الشَّريفة باهظًا، من اعتقالات انفراديَّة وإِداريَّة وزنازين وتعذيب وترهيب وحرمان وتجويع في سجون الضِّفَّتين، إِن  كان "في ظلِّ النِّظام الهامشيِّ" أو "بعد الإِحتلال الإِسرائيليِّ" فيكتب توفيق زيَّاد في مقدِّمته للكتاب (ص 6) "..لم تكن حياته في ظلِّ النِّظام الهاشميِّ شهدًا ووردًا بل تعرَّض دائمًا للملاحقة والضَّغط والإِضطهاد فما لانت له قناة وما ازداد إِلا تمسُّكًا بطريقه"، "إِضطُهد ولوحقَ واعتُقل أَكثر من مرَّة"، "وبعد أَكثر من سنة قضاها في الزَّنازين والسُّجون، قامت سلطات الإِحتلال بإِبعاده، مع عددٍ من رفاقه خارج حدود الوطن"، وقد رُزق بطفلة، اسمها أَمينة، وهو داخل زنازين الإِحتلال.

لقد كان يكفي على الشُّيوعيِّ في السُّجون الهاشميَّة وغيرها من سجون وطننا العربيِّ المجروح والنَّازف دمًا غاليًا، أَن يُنكر عضويَّته في الحزب، ويُعلن انسحابه منه، ليكون هذا كفيلاً لتحريره من سجونهم وإِطلاق سراحه، لكنَّهم كانوا يرفضون ذلك بكلِّ عزَّةٍ وإِباءٍ وشهامةٍ وإِخلاصٍ، "هيهات منَّا الذِّلَّة" والمهانة، ومن بين هؤلاء الأَبطال كان الرَّفيق العزيز أَبو خالد محمود شقير الثَّابت والثَّائر والمرابط والصَّامد..

إِذ أّنَّ العدوَّ المشترك لأنظمة المملكة الأُردنيَّة الهاشميَّة والرَّجعيَّة العربيَّة والإِحتلال الإِسرائيلي والإِمبرياليَّة العالميَّة هو الشُّيوعيُّون واليساريُّون والوطنيُّون..

كتب عزيزنا محمود شقير عن المناضل جمال زقُّوت (ص 111) في مؤلَّفه "في بعض تجلِّيات السِّيرة الفلسطينيَّة"، "..يركب الطَّائرة ميمِّمًا شطر بلد شقيق، فلا يُسمح له بالدُّخول وينتظر أَسابيع كثيرة في بلد آخر للسَّماح له بدخول بلد شقيق ويحتمل الإِنتظار ولا تَضعف عزيمته وينتصر في النِّهاية على كلِّ الصُّعوبات والعراقيل". وكذلك يصف لنا تفاصيل تعذيبه في سجون الإِحتلال وعندما فشلوا في كسره أُبعِد إِلى خارج الوطن، لكنَّه انتصر وعاد إِلى الوطن..

"شعرتُ بأَنَّ أَبناء عائلتي لا يملكون ردًّا على ما تعرَّضتُ له وعلى ما قد أَتعرَّضُ له لاحقًا..لم يهُب لنصرته أَحدٌ من أَبناء عائلته..فالقانون هو الغائب الأَكبر في زمن الإِحتلال "(منزل الذِّكريات الكاتب محمود شقير ص 59).

لقد انتصرتَ يا رفيقي على سجون الضِّفتين وعدتَ شامخًا..

وتأخذ كتابات الأَسرى والأَسيرات وأَدبياتهم وأَدبيَّاتهنَّ حيِّزًا كبيرًا من كتاب "في بعض تجليَّات السِّيرة الفلسطينيَّة" ويظهر كاتبنا العزيز اهتمامه بأَدب الأَسرى والأَسيرات ويكتب عن مؤلَّفاتهم ومؤلَّفاتهنَّ ورواياتهم ورواياتهنَّ، ويُظهر مدى اهتمامه بالمرأة فيكتب في "التَّجلِّيات" (ص 164)، حين قال أَحد الأَسرى "ولا يهمك السِّجن للرِّجال"، كتب "لكنَّنا هنا أَمام نساء صامدات في سجون الإِحتلال ولا يستقيم هذا القول الذي لا بدَّ من إعادة النَّظر فيه وشطبه من قاموس التَّداول احترامًا للنِّساء الفلسطينيَّات الماجدات المناضلات"..

يريد أَن يقول لنا الكاتب في مداخلاته إِنَّ الأَسيرات والأَسرى هم أُدباء وأَديبات وشعراء وشاعرات، مثقَّفين ومثقَّفات إِختاروا طريق النِّضال الحرِّ دفاعًا عن حياض الوطن ومن أَجل عزَّته واستقلاله وحتَّى يعيش الشَّعبُ حرًّا شريفًا وعزيزًا وسعيدًا فوق أَرض وطنه..

من النِّساء نجد المرأة العاملة، الفَلاحة، الجريحة، الشَّهيدة، المُناضلة، البطلة، المُعتقلة، المُوَظَّفة، الكاتبة، الأديبة، الأَريبة،الموآزِرة، الطَّبيبة، المُمَرِّضة، الزَّميلة، المُعَلِّمة، المُحامية، المُربِّية، الحاضِنة، الجدَّة، الخالة، العمَّة، الحماة، العين السَّاهرة، الإبنة، الأُخت، الزَّوجة، والمرأة هي العِرض والشَّرف ونور العيون، فلا تكتمل حريَّة الرَّجل بدون حرِّيَّة المرأة، فلولاها لم نكُن ولم نبقَ ولم ندُم، هي الأمُّ هي الرَّفيقة هي النَّصيرة هي الأمل وهي كلُّ شيءٍ لأنَّ "الجَنَّةَ تَحْتَ أَقْدَامِ الأُمَّهَات" لذا "فاستوصوا بالنساء خيرًا"، كما جاء في الحديث الشَّريف،  فالأُمُّ مدرسة ونور الحياة ومُهجة القلوب، هي حياتنا وحيويَّتنا، وحبُّنا وأَحَبُّ الناس لي أمِّي لأنَّها الماء والهواء والسَّماء والدَّواء. وهذه هي أسماء المرأة الحُسْنى.

قال الشَّاعر: "فكلُّ الرِّجال ذكورٌ وليس لكلِّ الذُّكور صفات الرِّجال"..

كذلك جاء في الحديث الشَّريف: إِنَّ النِّساء شقائقُ الرِّجالِ"، فهي صلبة العود، قويَّة العزيمة،  سديدة الرَّأي، ثابتة في نهجها، وشُجاعة في معركتها ومقدامة في خطاها، لا تهن ولا تخاف ولا تهاب شيئًا..

لم تقوَ قبضة المتغطرس المحتلِّ والشَّقيق العميل على ليِّ ذراع هذا المناضل العنيد، بل هو، أَنت يا رفيقي أَبو خالد، الذي لوى قبضتهم و"طعجتهم" وعدتَ من المنفى، بعد أَن رزحتَ فيه ثماني عشرة سنة، إِلى الوطن، حيث قضيت في المنفى، من العام أَلف وتسعمائة وخمسة وسبعين إِلى العام أَلفٍ وتسعمائة وثلاثة وتسعين، وعدتَ إِلى القدس، وظلَّت القدس وفلسطين حاضرةً في كتاباتك، حيث يردُ اسم القدسِ في حوالي سبعة عشر كتابًا، ليؤكِّد لهم أَنَّ القدسَ عربيَّةٌ، حيث يُبرزُ الحضورَ الفلسطينيَّ الإِسلاميُّ المسيحيَّ، متصدِّيًا لمؤامرة تهويد القدس، وها هو موجود بيننا، منتصب القامة مرفوع الهامة "وجبيني ولا مرَّة حِني ما حِني" ﴿..ومَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾..

فقد أَنشد لهم من منفاه نشيد "يا شعوب الشَّرق":

شتِّتونا في المنافي واملأُوا منَّا السُّجون

سوف تأتيكم ليالٍ برقُها حتفُ المنون

يقول الرفيق أَبو خالد في إِحدى مقابلاته الصَّحفيَّة مع الصَّحفيِّ السُّوريِّ وحيد تاجا عام أَلفين وأَحد عشر، موقع جفرا نت:"ولعلَّ من الضَّروريِّ أَلا نكتفي بالكتابة عن القدس باعتبارها مكانًا له قدسيَّته الدِّينيَّة، وفيه أَعظم الأَماكن الدِّينيَّة الإِسلاميَّة والمسيحيَّة، بل باعتبارها كذلك مكانًا دنيويًّا يسكنه بشرٌ من لحمٍ ودمٍ وهم معرَّضون لخطر التَّهجير عن مدينتهم بمختلف الوسائل المباشرة وغير المباشرة" وهكذا يدمج في قصصه بين هاجسين، الهاجس الذَّاتيِّ والوطنيِّ، لأَنَّ الذَّات مرتبطة بالوطن والوطن يحمي الذَّوات ويحضنها ويحتضنها، والإِنسان الفلسطينيُّ هو كائن بشريٌّ مثل باقي النَّاس والبشر، له تطلُّعاته وأُمنياته الوطنيَّة وله همومه الشَّخصيَّة والعائليَّة والحياتيَّة.

وهنا أَذكر على سبيل المثال ما جاء في روايته "منزل الذِّكريات" حيث يصف لنا الكاتب حالة الحضيض التي وصل إِليه مجتمعنا، بتصرُّف شلة من أَبناء ذوي القُربى، والبلوى التي ابتُلينا بها في هذا الزَّمن العربي الرَّديء جدًّا جدًّا الذي لم يشهد شعبي مثله أَبدًا في سابق العصور فيقول "الزّمن الذي ابتُلينا فيه بطُفَيليِّين زعران، وتجَّار مخدَّرات وعملاء، يحملون السِّلاح يهدِّدون به أَبناء جلدتهم من المواطنين العزَّل" (ص 58).

"قد أَتعرَّضُ للأَذى على أَيدي المتطرِّفين الأُصوليِّين المتزمِّتين من بني قومنا الذين يتحيَّنون أَيَّ فرصةٍ للشَّتم والذَّمِّ والانتقام"(ص 34)..

كان الرَّفيق محمود شقير منفيًّا في الأُردن، وقد مثَّل الحزب الشُّيوعيَّ الفلسطينيَّ في براغ، عاصمة جمهوريَّة تشيكوسلوفاكيا الإِشتراكيَّة، في مجلَّة "قضايا السِّلم والإِشتراكيَّة"، وكان مسؤولاً عن قضايا الحزب خارج الوطن،  منذ العام أَلفٍ وتسعمائةٍ وسبعةٍ وثمانين لغاية سقوط الأَنظمة الإِشتراكيَّة هناك..

كذلك كان عضوًا في دورة المجلس الوطنيِّ الفلسطينيِّ في الجزائر عام أَلفٍ وتسعمائةٍ وثمانيةٍ وثمانين حين تمَّ فيه الإِعلان عن الدَّولة الفلسطينيَّة المستقلَّة والتي ما زالت إِلى يومنا هذا ترزحُ تحت نير الإِحتلال والطُّغيان..

وفي العام ذاته شارك في المؤتمر التَّوحيديِّ لإِتَّحاد الكتَّاب والصَّحافيِّين الفلسطينيِّين، في الجزائر.

له خمسون مؤلَّفًا أَو يزيد، يحمل في أَغلبها همَّ القدسِ، يحمي فيها عروبتها وحقَّنا فيها، وتكون مؤلَّفاته سلاحًا ضدَّ الطَّمس والتَّهميش..

الكاتب محمود شقير حائزٌ على جوائز أَدبيَّة عدَّة، من أَبرزها "جائزة محمود درويش للحرِّيَّة والإِبداع" حيث كان أَوَّل فلسطينيٍّ يحظى بها، "جائزة القدس للثَّقافة والإِبداع"، حائز على الجائزة العالميَّة للرِّواية العربيَّة "البوكر"، ونال جائزة فلسطين العالميَّة في الآداب، وحائز على جائزة الشَّرف من اتحاد الكتَّاب الأَتراك وعلى جائزة دولة فلسطين في الآداب.

كنتَ السَّبَّاق والموجِّه والمراقب عن كثب في جمع سيرة ومسيرة الرِّفاق الذين وضع كلُّ واحدٍ منهم دمه على كفِّه، من أَجل حرِّيَّة الشَّعب واستقلال الوطن، لنحميها في ذاكرتنا حتَّى لا تأكلها الضِّباع يومًا، وحتَّى لا تمحيها الذَّاكرة الخؤونة، وحتَّى لا يأتي من تسوِّل له نفسه مدَّعيًا أَنَّ التَّاريخ النِّضاليَّ والمقاوِم قد بدأَ من عنده، منذُ أَن بدأَ هو، "هذا الحضور الذي حاولت بعض القوى الفلسطينيَّة طمسه والتَّقليل منه من دون وجه حقٍّ"(التَّجلِّيات ص 150)، فكان كتاب عن سيرة الرَّفيق فؤاد نصَّار وكتاب عن رفاق يحكون عن الرَّفيق نعيم الأَشهب وآخر عن الرَّفيق فايق ورَّاد وآخر عن المناضل غسَّان حرب وكتاب عن الرَّفيق سليمان النَّجاب وعن الرَّفيق بشير البرغوثي، وذلك لتوثيق وتخليد سيَرَ قادة شيوعيَّين ووطنيِّين آخرين وضعوا دمهم على أَكفِّهم من أَجل تحرير الوطن..

وهنا أَلتقي معك رفيقي في عدَّة محطَّات، في سيرة شادية عودة الأَشهب إِبنة حيفا والخليل، والباقية في حيفا حيث دُفنت فيها، أَنت في "التَّجلِّيات" وأَنا في "حماة الدِّيار"، وعن الكاتب والأَديب سلمان ناطور كتبت أَنت في "التَّجلَّيات" وأَنا في "صفحات من حيفا" والتقي معك في كتاب رفيقنا المحامي فؤاد مفيد نقَّارة في "صيَّاد..سمكة وصنَّارة"، أَلتقي معك بحضور الرَّفيق أَحمد سعد أَنت في "التَّجلِّيات" وأَنا في "حماة الدِّيار" وأَلتقي معك بحضور الكاتبة سامية عيسى في روايتها "حليب التِّين"..

وتقول:

"وأَيقظنا جميع موتانا واستحضرناهم بصورهم وصفاتهم"(ص 138) ولنا صديق ورفيق مشترك أَلتقي به دومًا هو الرفيق حيدر أَبو غوش، الذي شارك حياة الرَّفيقة شادية الأَشهب إِلى أَن أَخذها سيِّدُنا إِبراهيم الخليل إِلى أَحضانه، فهو الذي كشف لي بعضًا من جوانب حياتك،..

وذكَّرتَني في (ص 107) من "التَّجلِّيات" أَنَّ الأَمل بالتَّحرير والانعتاق من الأَسر يلازم الأَسير دومًا، "..إِلا أَنَّ الأَمل بالخروج من هذا الظَّلام إِلى فضاء الوطن وإِلى أَحضان الأَهل يأخذ مساحةً واسعةً من وقت الأَسرى فتظلُّ عقولهم ومشاعرهم مشدودةً إِلى أَيِّ خبرٍ عن صفقة تبادل أَسرى.."، فكان عمِّي المناضل والشَّاعر داود تركي يشحننا، بأَمل الإِفراج دومًا، حين كنَّا نزوره في سجن الرَّملة، ونبقى على وعده، على أَمل التَّحرير، الذي حدث في نهاية الأَمر في عمليَّة تبادل الأَسرى بين القيادة العامَّة للجبهة الشَّعبيَّة وإِسرائيل عام أَلفٍ وتسعمائة وخمسة وثمانين في عمليَّة النَّورس، بعد أَن قضى في السِّجن قرابة عقدين..

ما أَجمل الأَمل حين يتحقَّق، وما أَجمله حين يكون تحريرًا..

أَمَّا أَدبُ الرَّسائل فنجده بين إِبن زيدون وولادة بنت المستكفي، رسائل بين الفقهاء كالغزالي والمنفلوطي، بين جبران خليل جبران ومي زيادة، بين شطري البرتقالة بين الشَّاعرين سميح القاسم ومحمود درويش، وبين غسَّان كنفاني وغادة السَّمَّان، وقد احتفل نادي حيفا الثَّقافيِّ قبل بضعة أَعوام بإِشهار كتاب "رسائل حبٍّ ليست من هذا العصر" بين الأديب المحامي أَنيس أَبو حنَّا ومحبوبته وعشيقته وخطيبته جوليا، حيث جمعت ابنتهما الأَديبة الأَريبة رنا ابو حنا الرَّسائل في كتاب، واليوم هنا نحتفل بإِشهار كتاب "قِراءاتِ في بعضِ تجَلِّيات السِّيرة الفلَسطينيَّة" وفي بعض فصوله تحكي لنا الكاتبة سامية عيسى عن أَدب الرَّسائل وعن تبادل الرَّسائل بين الأَديبين حزامة حبايب ومحمود شقير، ورسائل بين الأَديبين جميل السلحوت والأَديبة الكاتبة صباح بشير..

وهناك رسائل لم توثَّق، للأَسف، ما بين المناضل الشَّاعر داود تركي والاستاذ المؤرِّخ اسكندر عمل، عزيز حيفا، حين كان يرسل له قصائده من داخل سجن الرَّملة، ليراجع عروضها وقافيتها وتصحيحها لتُنشر بحلَّتها الصَّحيحة عبر صحيفة الإِتِّحاد والمواقع الإِلكترونيَّة الأُخرى، وتصدر في ديوان شعرٍ "ريحُ الجهاد"، وما زالت هناك العديد العديد من القصائد التي لم تُنشر بعد..

أَجدُ نفسي في ذات الكاتب رشيد النجَّاب في "الخرُّوبة" (ص 140)، حين يكتب عن جدِّه رشيد الذي "يُساق إِلى الجنديَّة"، "الذَّاهب بعيدًا إِلى المجهول"، في أَواخر أَيَّام الدَّولة العثمانيَّة فقد كتبتُ عن جدِّي يوسف، أَبو تركي، في كتابي "سَفر بَرلك" ومعاناته وعودته، فيجد رشيد نفسه يكتب "أَنَّ الحفيد سوف يستكملُ الكتابة عن الجدِّ وعن أَبنائه وبناته وأَحفاده وحفيداته وعن عائلةٍ مناضلةٍ لها شأنها في الشَّأن الفلسطينيِّ العامِّ" (ص 143)، وهكذا أَنا أَيضًا أَتممتُ ذلك في كتابي "سَفر برلك"..

يقول رفيقُنا محمود شقير في مقابلةٍ صحفيَّةٍ: وكنتُ معنيًّا وأَنا أَكتب أُولى قصصي المكرَّسة للأَطفال أَن أَستوحي وقائع النِّضال اليوميِّ في فلسطين ضدَّ الاحتلال، ورصد الجرائم التي كانت ترتكبها قوَّات العدوِّ ضدَّ أَطفال فلسطين، وأَن أَجعل حبَّ الوطنِ والأَرضِ على رأس القيم الوطنيَّة والإِنسانيَّة التي تضمنتها قصصي المكرَّسة للأَطفال..

فكتب أدب للأَطفال، وكتب القصَّة القصيرة والقصيرة جدًّا والرِّواية وسيَر المناضلين والرِّفاق..حيث أَنَّ قسمًا من نتاجه الأَدبيِّ وصل إِلى العالميَّة..

لفتة جميلة ولطيفة قرأتها، واعذرني رفيقي، عن عينيكَ، وأَنا أَبحث في صفحات الكتب والمواقع الإِلكترونيَّة، عن سيرتك ومسيرتك المشرِّفة، وجدتُ ما يلي: عن عينيه الصَّغيرتين الغائرتين في محجريهما إِذ كان قد ورِثها من والدته كما يقول:

"عندما أَقمتُ في براغ وتعرَّفتُ بالصُّدفة إِلى سائحةٍ هولنديَّةٍ جاءت وشقيقتُها لزيارة المدينة، وكنتُ آنذاك مع عددٍ من الأَصدقاء في مطعم في الحيِّ القديم، ولمَّا تعرَّفتُ إِلى مارجي، وهذا هو اسمها، وهي تعمل مصمِّمةً لديكور المنازل، أَثنت على عينيَّ، فاطمأَنَّ بالي.."

"العين وما تشوف والقلب وما يريد"..

رفيقي أَبو خالد..

تكتب الأَديبة قمر عبد الرحمن، الخليل، عن أَديبنا محمود شقير "وآخرون يتباهون بمنازلهم وأَموالهم وبعضهم بقوَّة أَجسادهم..أَمَّا نحن الفلسطينيُّون المثقَّفون نتباهى بثروتك الأَدبيَّة، علَّمتنا أَنَّ المبدأَ مبدأ حياةٍ مهما عصفت الحروب..علَّمتنا أَن نثق بالقلم كما لم نثق بأَحد.. شكرًا لأَنَّك علَّمتنا أَن نبقى أَطفالاً مهما كبُرنا"(ص 303)..

لقد جاء في الحديث الشَّريف: مَنْ رَأَى مِنكُم إِعوِجاجًا فَلْيُقَوِّمهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ..

لكنَّك اعتمدتَ أَقوى الإِيمان، أَردتَ أَن تغيِّر الحال بيدك وبلسانك وبقلبك..لتبقى القدس عروستنا وزهرة المشرقَين..

واعلم يا رفيقي أَنَّك أَقربُ النَّاس إِليَّ من نفسي..

أَنت يا رفيقي نقيُّ الفمِ واللسانِ واليدَين..

أَنتَ يا رفيقي نقيُّ السَّريرةِ..

أُولئك إِخواني وأُولئك رفاقي..

أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ وَخَيْرُ جَلِيسٍ في الزَّمانِ كِتابُ..

ختامًا..

تبريكاتي القلبيَّة العطرة للكاتب الفلسطينيِّ المقدسيِّ، ابن جبل المكبِّر الصَّامد، ابن بريَّة السَّواحرة، الرَّفيق محمود شقير أَبو خالد، بصدور ثمرة قلمه "قراءات في بعض تجلِّيات السِّيرة الفلسطينيَّة"، أَعتزُّ بك وبنهجك وبطريقك القويم الصَّائب إِلى الحرِّيَّة والاستقلال والعدالة الإِجتماعيَّة..

ملحوظة: صدرت هذه القراءات، عام أَلفين وخمسٍ وعشرين ، عن نادي حيفا الثَّقافيِّ، وعن دار الشَّامل للنَّشر والتَّوزيع، نابلس، فلسطين من الحجم المتوسِّط، في ثلاثمائة وخمسين صفحة..

ملحوظة أُخرى: لوحة الغلاف من تصميم الخطَّاط كميل ضو، من قصيدة الشَّاعر حنَّا أّبو حنَّا، أَنت الكفُّ التي تلطمُ مخرزًا، أَنت الجرحُ الذي ينزفُ قوَّةً، تصميم الكتاب والغلاف الفنَّان سمير حنُّون، (بلدة عنبتا، محافظة طولكرم، من سكَّان رام الله)..

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية