الرسالة الأولى:
هذا كتاب أصيل لأنه الكتاب الأوّل الذي يوثّق الحياة اليومية الحيفاوية قبل النكبة، فهناك من وثّق مؤسسات حيفا، ثقافتها، أسماء شوارعها، دورها النضالي وما قاموا به هو عمل وطني عظيم، ولكن هذا هو الكتاب الأوّل الذي يوثّق حياة بسطاء المدينة، الحياةَ ذاتَها:
وإني وإن كنتُ الأخيرَ زمانُهُ
لآتٍ بما لم تَسْتَطِعْهُ الأوائل
وهو يوثّق حياة حيفا العربية بصميمية لدرجة أنّ كلّ حواسك تعيش المدينة كيف لا وهو، كما كنت أمازح خاله الفنان عبد عابدي، ساموراي حيفا الأخير، وهو الإنسان المثقف والنبيه والمنتمي والذي سمع حكاياتِ حيفا من والدته زهرة وجدّه قاسم، لدرجة التماهي التام. وقد كتب د. ماجد في الكتاب: لكثرة اهتمامي بالموضوع حسبت نفسي وكأنني عشت تلك الأيام، أيام العرب، حتى العام ١٩٤٨.
الرسالة الثانية:
د. ماجد خمرة هو المحاولة الجادّة للحفاظ على روح حيفا ببثّ الحياة بشخوصها، بأسواقها، ببيوتها، بأماكن العمل، بثّ الحياة بزينب القرعة، جورج حزبون، زينب الهدروس، ماري الشوا، سنية الغزاوي، لطيفة كنعان، عزيزة الخمرة، المدام كلير، الحاج نايف، عبد الله محمد فرج، أبو بولس، فاطمة الزعرا، سعيد البلاط، محمد الدلول، نعيم العسل…
وقد قام د. ماجد ببداية رائدة بتوثيق اللهجة الحيفاوية: طفّات طفّات، حِيفا، الحيافنة، ويشدّد على الواو بالبقدووونس ويمدّ واو الثومي، يا صباح الشوم، عاهة مندبي، بُضَلا, رايح اعمل لك مارغاروش… وغيرها من الكلمات واللهجات الحيفاوية المدنية التي بحفاظ د. ماجد عليها يكون قد قدّم مساهمة تراثية فلسطينية هامة، وهذه المساهمة الأولية يجب أن تتحوّل إلى مشروع شامل. ولحيفا ميزة استثنائية بعد تحوّل مجتمعنا إلى قرويّ بشكل شبه مُطلق، فرصد المدنية، وكذلك العيش المشترك العربي اليهودي، ومنها العلاقة مع المهاجرين الجدد، ولغة الايديش، واختلاط الشعوب.. وكل هذه الحركية … هي مساهمات استثنائية بالأدب الفلسطيني.
الرسالة الثالثة:
فكّرت بد. ماجد الإنسان الذي تعلّم بالابتدائية الحكومية العربية أناشيدَ مثل: عيد استقلال بلادي غرّد الطير الشادي، ونجم تألّق في سماء المشرق.. ويركوننا الصافي، وتعلّم مفاهيم صهيونية بالثانوية في مدرسة عيروني أ، وهو يعمل منذ أكثر من ثلاثة عقود موظفًا وموظّفًا كبيرًا في بلدية حيفا المبائية، وكلها مكابسُ ضغط على وعيه وعلى انتمائه وهويته، أشبه بأميّةَ يجلد بلال ويحضّه: أُذكر هُبل! وبلال يردّ: أحد أحد. طيلة ستين عامًا يضغطون الطفل، الصبي، اليافع، الرجل، الكهل د. ماجد: قُل استقلال، وهو يردّ استحلال، وينهي مقالاتِه بهذا الكتاب: إنه وحي وإنها نكبة.
الرسالة الرابعة:
بمن تأثّر د. ماجد خمرة وفق كتابه؟ بوالدته زهرة، بجدّه قاسم، بثقافة الحزب الشيوعي، مع تشديد استثنائي لتأثّره أسلوبًا بإبن بلده إميل حبيبي إما مباشرة كاستعماله عوالم إميل حبيبي كقوله: هل جميلتنا هي سرايا بنت الغول؟ أو ليتسنّى ليُعاد إميل حبيبي… أو كأنا يا بدر لا رحنا ولا جينا، أو رجال فضاء المتشائل، أو تلك المرأة التشاؤلية، أو باق في حيفا… ولكن التأثّر أشمل من ذلك فهو تأثر بالأسلوب. ومن لم يتأثّر بإميل حبيبي ولم يخرج من معطفه؟! وفي الكتاب دكتور ماجد متأثّر ثقافةً واسلوبًا بالديانتين المسيحية والإسلامية، فيعجّ كتابُه بالكلمات مثل: فصل أليم من رسالة، هل أتاكم حديث أبو شحادة.. وإذا جاءك الملاكان الشفوقان، الله يرحم، خميس الأموات، والشعانين، والقيامة، الأم الحزينة.. التي صُلبت ولم تقم بعد في يومها الثالث.. وتحضرها تلك المجدلية، ألن تكفيك أورشليم قاتلة الأنبياء، لتتم النبوءة حسب بشارة النكبة، إنهم في الوادي المقدّس طوى، مثلّث الرحمات، ملكوت السماوات، ما طاب لي من مثنى وثلاث ورباع، لحاجة ما في نفس يعقوب، ونذكر في الكتاب جاسمًا إنه كان بطلا شقيًا، اختلفت الروم ولم تُهزم، في مثل هذا اليوم عُلقت انت وغيرُك على خشبة. وتنفض يديها كبيلاطس البنطي. وإنني ولدت وعشت ومت على أنني "باق في حيفا".
وإذا جمعنا كل المؤثّرات كالوالدة والجدّ والحزب وإميل حبيبي والديانتين الإسلامية والمسيحية، مع تأثير مجتمعي يهودي عربي، لكان الرابط بين هذه كلها كلمة واحدة: حيفا.
الرسالة الخامسة:
يذكر د. ماجد عمليتيْ المقصّ وشكمونا كعمليتين موجّهتين للقضاء على الوجود الفلسطيني في حيفا. أردت لفت نظرك د. ماجد لكتاب آدم راز אסונו הפרטי של סמי סעאדה (مأساة سامي سعادة الشخصية) الذي تحدّث عن خطة نهب حيفا، فبعد الاستحلال كقول جدّك قاسم أراد بن جوريون للجمهور اليهودي، لأفراد الشعب أن ينهبوا البيوت، وكان هنا "اليسار الصهيوني" أشبه بعجائز زوربا، يبكي وينهب! وصف عامي بوبِر سرقة المعدّات وطواقم الصحون والأثاث وحتى قلع بلاط البيته بسخيزوفرينيا… ولكن هدف بن چوربون كان أعمق من ذلك فهو أراد لأفراد الشعب أن يكونوا جزءًا من الجريمة! أن يبني شعبًا على انقاض الجريمة، وأن يجعلهم مجنّدين ضد عودة اللاجئين، لأن عودة اللاجئين ستكون بالنسبة للسارقين ليست مسألة عامة وحسب وإنما مسألة شخصية.
الرسالة السادسة تحمل طلبًا:
أرجو أن يكون كتابك القادم، د. ماجد، عن حياة حيفا، شخوصها، قضيتها، نضالها.. في سنوات الخمسينيات والستينيات حذو النعل بالنعل مع كتابك هذا.. وقد بدأتَ بذلك أنت بالمقالين الأخيرين في كتابك هذا..
الرسالة السابعة:
أريد التأكيد على ما كتبه د. ماجد بنفسه في هذا الكتاب الهام، حيث كتب: اصبحنا نكتب حيفا وليس عن حيفا. وكتب: دخلنا مرحلة كتابة النكبةِ ذاتِها وليس عنها أو ما يدور حولها.
وما كتبه:
إن ملفّ نكبة حيفا ما زال مفتوحًا، لم يُغلق بعد، حتى لو أغفلته مؤسسات الدولة العبرية منذ قيامها محاولة الاعتماد على تآكل الذاكرة لدى الأجيال القادمة. فالذكرى والذاكرة مخروطة في نفوسنا وقلوبنا وعقولنا، نستلهمها كأصحاب حقّ في هذه المدينة، لنا الشرعية التامة بإعادة كتابة تاريخنا، محطّ فخرنا واعتزازنا، نشمخ به ونواجه من نواجه بقوّة الحقّ والبرهان".
شكرًا د. ماجد على هذا الكتاب الوطنيّ الأصيل الذي سدّ فراغًا حقيقيًا في مكتباتنا جميعًا وبالأساس في وعينا الجمعيّ.
(نصّ الكلمة التي ألقاها النائب أيمن عودة عند إشهار كتاب مارغاروش للكاتب د. ماجد خمرة، وذلك في نادي حيفا الثقافي)







.png)


.jpeg)



.png)

