د. جنّات حمّود
لماذا نُسمّي العربيّة "لغة الضّاد"؟ وهل التّسمية مجرّد اصطلاح بلاغيّ، أم أنّها تعبير عن تفوّق صوتيّ حقيقيّ؟ يتتبّع هذا المقال الجذور الصّوتيّة والتّاريخيّة والثقافيّة لهذه التّسمية، بدءًا من الخليل بن أحمد وحتّى الدّراسات اللّسانيّة المعاصرة، ويُبرِز كيف أنّ حرف الضّاد، بما يحمله من صفات نادرة عالميًّا، لم يكن مجرّد علامة في الأبجديّة، بل أحد أعمدة الهُويّة الصّوتيّة العربيّة.
التّسمية ليست اعتباطيّة
قرّرتُ الكتابة عن تسمية اللّغة العربيّة بـ"لغة الضّاد" حين لاحظتُ أنّ بعض المثقّفين والأكاديميّين يُبدون تحفّظًا عليها، بزعم أنّ الحرف يرتبط بمعاني "الضّد" والتّضاد، وكأنّ العربيّة تتبنّى من هذا التّكوين دلالة عدائيّة. غير أنّ هذا الاعتراض، يتجاهل سياقًا صوتيًّا وتاريخيًّا بالِغ الأهميّة؛ فالتّسمية لم تأتِ اعتباطًا، بل جاءت نتيجة وعي دقيق بتفرّد هذا الصّوت في النّظام الفونولوجيّ العربيّ، ونُدْرته بين لغات العالم، حتّى استحقّ الضّاد أن يُصبح رمزًا يُعرَّف به لسان العرب.
بين الأصالة والتميّز: شهادة القُدماء وتأكيد العلم الحديث
أوّل من أشار إلى خصوصيّة حرف الضّاد كان الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت. 175هـ)، الذي قال في كتابه "العين":
"الضّاد غير موجودة في كلام العجم، ولا تعرفها ألسنتهم."
هذا القول لم يكن مجرّد ملاحظة عرضيّة، بل هو تأسيس لرؤية ترى في الضّاد حدًّا فاصلًا بين اللّسان العربي وغيره. ولذا تبنّى سيبويه (ت. 180هـ) هذا التّصوّر، مخصّصًا للضّاد وصفًا دقيقًا في "الكتاب":
"الضّاد من أوّل حافة اللّسان وما يليها من الأضراس، وهي من الحروف المجهورة الشّديدة المستعلية المطبقة."
توالت إشارات العلماء بعده، فجاء ابن جنّي (ت. 392هـ) في "الخصائص" مؤكّدًا على أنّ الضّاد معيار للفصاحة:
"مَن أحسَن إخراجها، فصيح، ومن لحَنَ فيها، فقد دلّ على عجمته."
أمّا ابن سيْدَه (ت. 458هـ) فذهب إلى بُعد دلاليّ حين قال في "المحكم":
"الضّاد حرف جليل، استحقّ أن تُميّز به العرب، وقيل إنّ اسمه مشتقّ من الضّديّة والمخالفة، لمخالفته سائر الحروف."
لا تقتصر فرادة الضّاد على الموروث القديم؛ فقد أثبتت الدّراسات الصّوتيّة الحديثة أنّ الضّاد الكلاسيكيّة كانت تُنطق كصوت جانبي مفخَّم [ɮˤ]، لا وجود له إلّا في العربيّة وبعض اللّهجات اليمنيّة القديمة.
كما تُبيّن أبحاث مثل Watson (2002) وYounes (1994) أنّ الضّاد الصّوتيّ الأصيل يتميّز بجريان الهواء من جانب اللّسان، على خلاف معظم الأصوات التي تُنطَق من وسط الفم. هذا النّطق الجانبي المفخّم ندرته استثنائيّة، ولا تُسجَّل في أيّ من اللّغات الكبرى الأخرى. وعندما نقول إنّ الضّاد تُنطّق بصورة "جانبيّة"، فإنّنا نقصد أنّ الهواء يمرّ عبر أحد جانبي اللّسان أثناء نطقها، وليس من منتصف الفم. هذه ميزة صوتيّة تكاد تنفرد بها العربيّة.
وبذلك، لا تعود التّسمية مجرّد رمز بلاغيّ، بل تتويجًا علميًّا لصوتٍ فريدٍ في الجهاز الفونولوجيّ الإنسانيّ.
عنف المعنى لا يُلغي جمال الصّوت
قد يُلاحظ بعض المعترضين أنّ الضّاد ترِدُ في كلمات ذات طابع عنيف أو سلبيّ: ضرب، ضرر، ضغينة، تضادّ... لكن هذا الرّبط بين الحرف والدّلالة خادع، لأنّ الحروف تُقوَّم بماهيّتها الصّوتيّة لا بمصادفة وجودها في كلمات دون غيرها.
بل إنّ هذا الحرف نفسه يدخل في كلمات إيجابيّة مثل: ضياء، ضمير، ضبط، رضا، فضيلة. وبالتالي، فإنّ التّسمية بـ "لغة الضّاد" لا تنبع من دلالات المعجم، بل من الخصوصيّة الصّوتيّة النّادرة لهذا الحرف.
الضّاد هويّة لا زخرفًا
إنّ تسمية العربيّة بـ "لغة الضّاد" ليست نزعة تعظيم شكليّة اعتباطية، بل إقرارًا نابعًا من صميم الوعي العربيّ اللّغويّ. فالقُدماء نبّهوا إلى هذا الخصوص، والمُحدثون أثبتوه علميًّا، ولا تزال هذه التّسمية اليوم تمثّل هويّةً صوتيّة للعربيّة لا تشاركها فيها أيّ لغة أخرى.
فمن أراد أن يرفض التّسمية فعليهِ أن يواجِهَ كلّ هذا الإرث المتراكم من الدقّة الصّوتيّة، والشّهادة التّاريخيّة، والتّمايز العالميّ، وأمّا من أراد الاعتزاز بلغته، فليقُل بثقة: نعم، نحن أهل لغة الضّاد.







.png)


.jpeg)


.png)

