رصيف نصيبها الضَّيِّق...!!

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

سيِّدة انطلَقَت منها حرارة ود باردة، وضَعَني القَدَر أمامها بدون ميعاد، بدأت تكلِّمَني بلا حَرَج، أو مقدِّمات عن وضعها العشقي المحطَّم، شعرتُ أنها مكلومة، تبحث عن شخصٍ ما تُفضفِض له بإسهاب دون أن يُقاطعها، لذا وجَدَتني أُصغي لها منذهلًا جدًّا من جرأتها، وكأنّها تعرفني منذ وقت طويل. لقد تركتها تطهِّر جوانب ذاكرتها مما تبقّى فيها من ذكريات ملتصقة في قاع عقلها، عاشتها مع رجُلٍ أحبّته بصِدق. الآن لا تستبعد التَّعرُّف إلى شخص جاد، شريطة ألّا تمنحه فرصة ثانيَة إذا خانها، لأنها لن تحتَمل أن تراه داخلًا من رواق مسامحتها، فبنظرها لا يستحق شفقتها، وهذا الأمر لم يعُد يسري على مشاعرها.  

استمعتُ لحديثها، وكأنه يريدنّي أن أسدَّ ثغرة الفراغ التي أحدثَها لها حبيبها، بعد أن أفلَسَت أحاسيسه تجاهها. أنا لستُ جسرًا مُمَدَّدًا على مسار نصيب هذه السَّيِّدة الضيق، لتعْبُر فوقه "بأمان"!... أنا أيضًا مثلها، أحتاج لفتاة ماضيها حريريّ الملمس، ولا أريد أن أشعُر بخشونة تجاربها، لأنّها لا تعنيني، كما لا أريد أن أسمع ضجيج حكاياتها... ولكن استنتجتُ من حديثها، بأنها لا تسعى وراء معيل ماديّ، بل هدفها أن يخلِّصها نهائيًّا من خوفها العتيق الذي اخترق أعماقها.

اليوم تريد رجُلًا قويًّا تحتمي به، قادرا أن يحرص على كرامتها... يحافظ عليها بذراع مروءته، لديه موقف رجولي ثابت، ليس ذَكَرًا منساقًا، لا يُجديها نفعًا. لا تريد حبًّا، لأنه ليس ملاذها الحتميّ، لتُغلق دائرة شعورها بالنَّقص، فهي ليست قطعةً أنثويَّة ناقصةً، بل مكتملة النُّضج، لذا تريد من رجُلها أن يملأ فراغ احتياجها للاستقرار، ليستوعب أن الرّجولة ليست صوتًا مرتفعًا يخيفها به، والشي الأبرز، ألّا ينزعج من قوّة حضورها، بل عليه الافتخار بها، وأن يكون أوّل المُنبهرين من نجاحها الذي صنعته بذكائها.

الرجُل المعني بها، عليه أن يكون سندًا حقيقيًّا، وليس سيفًا قاطعًا لحبال آمالها، المتعلِّقة هذه المرَّة بتفهُّمه لرؤيتها الحياتيّة الخاصّة، لتستطيع أن تقدِّمه للمجتمع كظَهرٍ اجتماعيٍّ تتكئ عليه عندما تخدشها مخالب الظّروف، لا أن يتسلَّق على جدار ضعفها، فهذه السيدة تريد من النّصيب القادم، أن يُؤمِّن لها حريّتها، فهي جزءٌ مُكمِّل لكيان أنوثتها، وكما يتوجَّب عليها احترام مركزه ومكانته، فمن المفروض أن يكون صاحب قلبٍ، قبل أن يكون صاحب لقبٍ.    

استوعبتُ ما قالته، لكنّي أقوى منها، لأن رصيف نصيبي شِبه الخالي لم يصعقني، رغم أنه أتعَبني كثيرًا، لكنّي صامد فوقه. جابهتُ خفر القدر لوحدي، حملتُ بين يَدَي مرساة اللحظات التي أخرَجْتها من بحر الحظوظ الغامض! فعِوَضَ أن تشرح لي هذه السَّيِّدة عن مشروع حلمها الشّخصي، كان عليها أن تستخلص عصارة تجربتها مع "نصف حبيب"، لترى أين خطأها معه أيضًا، فمن غير المعقول أن تكوُن دائمًا المستضعفة، المنزَّهَة عن الأخطاء!!

تركَت هذه السيدة رصيف نصيبها الضَّيق التّعيس بنظرها، رافضة تمامًا عرضي حلًا لمشكلتها مع حبيبها، يبدو لي أنّها كانت في المرحلة الأخيرة من الانسحاب العشقي، وكنتُ حلَقَة خروجها الوحيدة، إلى عالم التنفيس... لماذا أقْحَمَتني بحكايتها؟! هل توجَّهت إليّ بصفَتي مجَرِّب عتيق، تخمَّر تفكيره في خميرة الزَّمن، من خلال قراءتها لكتاباتي؟!

رغم كل ما شَرحَها لمُبرراتها، فأنا أشَكِّك بقدرتها على الاندماج مجدَّدًا بعلاقة متوازنة، كالتي خطَّطَتها حسب مقوِّماتها المثاليَّة، لأنها لا تثق أن هناك رجالًا يحبِّذون هذه النوعيَّة من السَّيِّدات المبدئيّات، المتزمِّتات فقط لقيمهنَّ. برأيي ستظلّ تُحدِقُ في رصيف نَصيبها الضَّيق، الذي قد يُتيح لها حياة ترضي تطلُّعاتها.

  

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية