مقدمة
يُصدر الأديب الأردني سمير القضاة روايته "الساعات الأخيرة للشيطان" (2025)، بعد أن أصدر روايتين سابقتين، ومجموعة من الدواوين الشعرية. وهي رواية اجتماعية تأخذ على عاتقها الدخول في صلب القضايا التي كانت، ولا تزال، تشغل المجتمعات في كل الأقطار العربية. وهي مجتمعات تقوم على أصول وأسس لصيقة بالعادات والتقاليد والمعتقدات الموروثة منذ قرون. يبدو أن هذه القضايا تؤرّق فكر بعض المبدعين العرب الذين يحلمون بالتغيير أملا باللحاق بركب التطورات الذي يسير بشكل متسارع نحو الأمام فيما يتخلّف العرب عن اللحاق به.
تعالج الرواية مواضيع حسّاسة تعرضها على حقيقتها عاريةً، وتطرحها على المتلقّي بصورة مباشرة تصل حدّ الصدمة، حتى ليُخيّل للقارئ وكأنّ الروائيّ قد تعمّد أن يجمع كل عيوب المجتمع وآفاته في رواية واحدة لعلّها تُحدث تصدّعا في مبنى العادات والتقاليد والقوانين والأعراف والمفاهيم المجتمعيّة السائدة.
تقف في صلب أحداث الرواية عائلتان عربيتان أردنيتان، لكل منهما ظروفها وبيئتها، وبالتالي مشاكلها وهمومها. وهما، وإن كانتا تختلفان في بعض الأمور الصغيرة، فإنهما تشتركان في القضايا الكبرى التي يعاني منها أبناء المجتمع الأردنيّ في شتى أماكن تواجده. وحتى تكتمل الدائرة الاجتماعية فقد اتّسع حيّز الأحداث ليشمل فضاء الأردن بكل مواقعه من قرية وبادية ومدينة، وامتدّ ليشمل مدنا عربيّة وأجنبيّة، وشخصيّات ذكوريّة وأنثويّة تنتمي إلى بيئات عدة وطبقات مختلفة.
تستفيد هذه المقالة من "سوسيولوجيا النص الروائي" ومن نظريات "جماليات التلقي". يتيح لنا ذلك بحث الرواية من الداخل والخارج واكتشاف المبنى الكلي للرواية والتوقف عند التقنيّات التي يوظّفها الروائي في عملية السرد مثل تعدّد الأصوات والرؤى، وتعدّد اللغات، وتحليل الشخصيات والبيئة التي تتحرك من خلالها، دون أن يقتصر التحليل على المضمون. ولن يتأتّى ذلك إلا من خلال إدراك العلاقة القوية بين المؤلّف والنص والقارئ، فالمؤلف هو مبدع النصّ والمتلقّي يتلقّفه ويقوم بتأويله بعد إدراك مركّباته إدراكا عميقا.
إن الرواية ليست مجرد حكاية تروى بل إنها مرآة ترصد العلاقات بين أفراد المجتمع اقتصاديا وسياسيا وفكريا وتعكس الصراعات الإيديولوجية فيما بينهم، ولكنها ليست محاكاة للواقع بقدر ما هي عملية تخييلية تُعرض بأساليب فنية جاذبة لتحقق غايتها.
تستمدّ الأعمال الأدبية فكرتّها من الحقل الاجتماعي أما بناؤها وصياغتها فهي من إنتاج المبدع. لقد توقّف كثيرون عند كلمة أدب ومفهوم هذه الكلمة منذ اليونانيين، ويكاد يكون هناك إجماع حول تعريفه، إذ يذهب كثيرون إلى أنّه الكتابة التي تُحدث لذّة لدى القارئ وتثير اهتمامه وترسخ في ذاكرته. ما هي القضايا التي تعرض لها هذه الرواية؟ كيف قام الروائيّ ببناء أحداثها؟ وما هي التقنيّات والوسائل التي وظّفها في السرد الروائي؟ وهل حقّقت مبتغاها في إثارة اهتمام المتلقّي؟
تمهيد
يرى الفيلسوف وعالم الاجتماع لوسيان جولدمان أنّ لكل كاتب وجهة نظر في الحياة، وله، كما للفيلسوف، رغبة في مخاطبة الآخرين على أمل التأثير، وأنّ وسيلته إلى ذلك هي اللغة، ويضيف أنّ المحيط الاجتماعي الذي تنمو فيه هذه الرؤية، والطبقة الاجتماعية التي تعبّر عنها ليسا بالضرورة المجال الذي قضى فيه الكاتب قسطا من حياته، لكنّ هناك احتمالا كبيرا أن يكون قد تأثّر بالمحيط الذي ينوي معالجته، وقد يولّد هذا التأثّر حالة من التمرّد على هذا المحيط أو على طبقة بعينها. نعي تماما ما يقوله لوسيان جولدمان ونعي أيضا أنّ الكاتب، حين يكون منخرطا في قضايا شعبه، لا مجرد مشاهد ومراقب حياديّ، يسعى بكل ما أوتي من رغبة إلى معالجة قضايا تؤرّقه أو تؤرّق بيئته ومحيطه.
تمزج رواية "الساعات الأخيرة للشيطان" بين قضايا عدة كبرى تشغل بال المجتمع الأردنيّ حتى ليبدو وكأنّ الروائي سمير القضاة يرمي إلى توجيه ضربة قويّة وشاملة نحو جهات عدة في آن معا، إيمانا منه أن كلّ مشكلة وكل آفة تفضي إلى أخرى كالأواني المستطرقة، وأنّ ما يتفشّى في المجتمع من عيوب ونواقص ومظاهر فساد لا تقتصر على فئة دون غيرها، بل إنها مترابطة فيما بينها بشكل عضوي؛ فالاعتداءات الجنسية غير منفصلة عن آفة تعاطي المخدرات، ولا عن تهريب الممنوعات، كما أنّ الانحلال الاجتماعي والأخلاقي نابع من مفهوم خاطئ للأنوثة ولدور المرأة ومكانتها، ولمفهوم الذكورة والرجولة؛ هناك تشويه لهذه المفاهيم الأساسية، وللقيم الدينية والأخلاقية، فقد نُسبت إلى بعضهم ألقاب أكبر منهم أو ليسوا جديرين بها، فذاك يكنّى العلّامة مع أنه لم يخترع حبة دواء. (الرواية، ص22) وذاك رجل إصلاح يفتقر إلى أقلّ أسس العدل والنزاهة، وذاك محاضر جامعيّ لا روادع تمنعه من التحرش بطالباته، وذاك رجل سياسة يستغلّ موقعه لتهريب الممنوعات ونشر الفساد.
إن أحد أهم أدوار الرواية، بشكل عام، هو تصوير الواقع الاجتماعي ولفت النظر إلى ما يحدث في المجتمع من قصور وعيوب، وقد يعمل الروائي على توظيف التاريخ بهدف الإشارة إلى الحاضر. لقد آثر سمير القضاة أن يدخل في عمق الواقع الراهن دون مواربة، ووجد أنّ الجنس والسياسة والدين هي قضايا تحتاج إلى مواجهة صريحة، وأن الكبت، من ناحية، والتستر على الخطأ، من ناحية ثانية، يوديان إلى الضياع الشامل للمجتمع كله.
مواجهة الأعراف والتقاليد والتابوهات
هناك أسباب عدة تدفع الكاتب وتحثّه على الكتابة، من أهمها الرغبة في التأثير، ولطالما صرخ الأدباء ورفعوا صوتهم لمواجهة المحظورات وتحدّي التابوهات وكسر شوكتها، وازداد الأمر حدّة ووضوحا مع ازدياد وعي المرأة لحقوقها الشرعية في المساواة، فتمخّض عن ذلك روايات نسويّة وأخرى تحمل ملامح نسوية يكتبها رجال. يسير الروائي سمير القضاة في إثر من سبقوه وفي قلبه غصّة، وفي صدره تتحرّك عواصف أراد لها أن تهبّ وأن تثير إعصارا في المجتمع مؤمنا أن السكوت ليس بقادر على تحريك الساكن. لقد أدرك هول ما تمرّ به الأنثى العربية من ظلم وضيم منذ قرون، وأدرك أن الخلل كامن في بعض العادات والتقاليد والأعراف، وأنه لا يمكن معالجة قضية المرأة بمعزل عن الخلل الكلي الذي أصاب بنية المجتمع العربي. لم تنحصر هذه الرواية في معالجة قضية المرأة بل تعدّتها، كما ذكرنا، إلى طرح قضايا الفساد في مجالات عدة.
ليس هذا الموضوع بجديد، فقد طرقه من قبل نجيب محفوظ في كثير من رواياته، وكذلك فعل يوسف إدريس في "الحرام" وحنا مينة في العديد من رواياته وبالذات في "بقايا صور"، وعالجه محمد شكري في "الخبز الحافي" وإبراهيم نصرالله في العديد من إنجازاته الروائية نذكر منها رواية "شرفة العار" وغيرهم كثيرون. تناول كل منهم مواضيع اجتماعية مختلفة وبنوا رواياتهم وفق مبنى معين ووظّفوا في سبيل ذلك وسائل وتقنيّات عدة ساهمت في اختراق القراء وتجنيدهم. يبقى السؤال هل من جديد في رواية "الساعات الأخيرة للشيطان"؟ وهل حاول الروائي أن يتواجه مع بعض هذه المسلّمات وأن يعمل على تحطيم بعضها؟
يعمل سمير القضاة في هذه الرواية الاجتماعية على تعرية المجتمع، وكشف عوراته وعيوبه، مؤكّدا على أن القوانين الاجتماعية وتزييف المبادئ الدينية تقيّد حريّة التعبير وحرية التفكير. واللافت حقا في هذه الرواية هو توظيف عدد كبير من الشخصيات من الذكور والإناث على اختلاف أعمارهم، ومن مختلف انتماءاتهم وبيئاتهم، من مدنيين وقرويين، وكان للبادية وأهلها حظ لا بأس به من هذه الرواية، وكأنّ الروائي يتعمّد أن يجمع كلّ مركبات المجتمع الأردني في رواية واحدة. تعرِض الرواية صورا قاسية وصعبة لهذا المجتمع المتمسّك، في ظاهره، بالقيم والمبادئ، فيما يتفشّى الفساد في شرائح واسعه من أبنائه؛ فابن العقيد يتعاطى المخدّرات ويشرب الكحول ويلاحق النساء وينتهك أعراضهن دونما رادع، والطبيب يخون مهنته كما يخون زوجته ويتناول المخدرات الممنوعة، والسيدة الغنية تخون زوجها وتنتظر سفره لتأتي برجل آخر بديلا له، وقريب العائلة لا يتورّع عن التلصّص على مفاتن زوجة قريبه دون أن تفوته مواعيد الصلاة. يحدث كل ذلك تحت عين بعض المسؤولين الذين يساهمون في نشر الفساد وجني المكاسب الماديّة.
يبدو أن القضاة قد وضع كل القضايا الكبرى في سلة واحدة، وهي تنحصر في التابوهات الثلاثة، أو القضايا المسكوت عنها: الدين والجنس والسياسة، ولعلّنا لا نبالغ حين نقول إنها اليوم أكثر المواضيع تناولا وتداولا، دون أن يعني ذلك أن باب الانفتاح قد شُرّع على مصراعيه، بل لأنّ هذه الموضوعات لا تزال ضمن الممنوعات والمحظورات، لا لأنّ قوانين الدولة قد تمنع تداولها واتخاذ موقف منها وحسب، بل لأن قوانين المجتمع غير المنصوص عليها في أيّ مستند رسميّ هي أكثر حدّة وصرامة من القوانين المدنية التي تسنّها الدولة. واللافت فعلا أنّ البحث فيها مُجاز للبعض بحجّة أخلاقية ومحرّم على البعض الآخر بالحجّة الأخلاقية ذاتها. هذا ما تسعى رواية "الساعات الأخيرة للشيطان" إلى محاورته، وهذا ما تحاول إبرازه وتوجيه الأنظار إليه، فقد عاقب الابن، عوض، والدته وفق قوانين المجتمع، دون أن يأتي بدليل قاطع يدينها، فيما كان يقيم أكثر من علاقة متزامنة مع نساء عازبات ومتزوجات لإيمانه بمقدرته على ترويضهن وإخضاعهن لسلطته الذكورية.
تدخل الرواية في صلب قدس أقداس العِرض الذي تشدّد عليه التقاليد والأعراف العربية، سواء أكان المجتمع مدنيّا أم قرويّا. والعِرض أكثر حساسية لدى العربيّ من مصطلح "المسكوت عنه"، وقد توارث عيوبَه ونواقصه جيلا بعد جيل منذ ما قبل الإسلام، وكان دائما مصدر إذلال للقبيلة وكسرا لهيبتها إذا ما هُتك أو خدش. وللمجتمع العربي مجموعة عادات وتقاليد ومفاهيم متأصّلة فيه تلعب دورا مهما جدا في بناء منظومة من العلاقات بين أفراده وأبنائه الذين ما انفكوا يلجؤون إلى علاج قضايا كبرى وفق تلك التقاليد والأعراف المتوارثة منذ قرون، دون أن يعملوا، بعد كل ما جرى من تطورات علميّة، على تغيير المفاهيم الاجتماعية والثقافية بما يتناسب مع العصر الراهن. ما انفكّ هذا المجتمع محاصرا بأعراف وطرق تفكير تقليديّة تدعو إلى التستّر على الخطأ والسكوت عن المواجهة خشية "الفضيحة" وما يتبعها من عواقب. تلجأ السيدة، رقية، أم عوض إلى التكتّم على اعتداء أخي زوجها عليها، ولا تجرؤ على البوح بما جرى لها وإلا فإن أقل ما قد يفعله زوجها في مثل هذه الحالة هو تفريغ رصاصات مسدسه البلجيكي في رأس أخيه. (انظر الرواية، ص52)
إنّ الخوض في المحرّمات وفي المسكوت عنه أمر في غاية الأهمية نظرا لحساسيّته، وإني لأعتقد أن "العِرض" في مفهومه التقليديّ والحديث بات يدرك مخاطرَه كثيرون، لأنه يُطرح في الكثير من المحافل الاجتماعية تحت باب السِّتر والسَّتر وإخفاء العار إلى أن "يقع الفاس في الراس"، كما يقول المثل الشعبي ويكون الوقت قد فات، في حين أنّ القضيّة الأكثر إلحاحا هي معالجة الدوافع والأسباب التي تقود المجتمع إلى هذا المصير. والرواية، أيّة رواية، مثلها مثل أي عمل فنيّ لا تعالج القضايا الملحّة وفق قوانين علم الاجتماع بل تطرحها بشكل فني لتزعزع القارئ وتخضّه من الداخل.
تكسر هذه الرواية، برأيي، الازدواجية في التعامل مع الرجولة والأنوثة، ومع مكانة الرجل ومكانة المرأة؛ إنها ترى أنّ هناك حاجة إلى إعادة النظر في مفاهيم الشرف والعيب والعِرض، بعد أن كانت تقع مسؤولية الحفاظ عليها على المرأة أكثر مما هي على الرجل. لقد قلبت هذه الرواية بعض الموازين، إذ كان الابن هو السبب في إلباس العائلة ثوب العار، وهو الذي أنزل عليها من الويلات ما لا تقوى على حملها وتحمُّلها بعد أن "وطى عقال والده"، فانهالت المصائب الواحدة تلو الأخرى؛ فقدت العائلة هيبتها ووقارها، وعادت الابنة مكسورة ذليلة مهيضة الجناح بعد أن طلقها زوجها بجريرة أخيها، دون أن ترتكب أيّ ذنب، وخسرت زوجَها وأبناءها، وتناولت وسائل إعلام أردنيّة عيوب هذا الرجل وما ارتكبه من أخطاء وخطايا لم يحتمله الأب فمات، ولم يحضر جنازته أكثر من عشرين رجلا ليس ابنه من بينهم. (انظر الرواية، ص9)
يكشف الروائي سمير القضاة في هذه الرواية عن الاعتداءات التي تتعرض لها المرأة العربية من القريب والبعيد، على حد سواء، بدءا من النظر إليها كمخلوق ناقص، وصولا إلى التعامل معها كجسد مغرٍ تقع كامل المسؤولية على صاحبته أكثر مما يتحمّلها الرجل المعتدي. لم تتوقف الرواية عند انتهاك الجسد والاعتداء عليه بل تعدّته إلى تأثير ذلك على الأبناء الصغار وما يتعرّضون له من أوجاع نفسيّة تترك ندوبا وجروحا مستديمة في أعماق النفس تهزّ ثقتهم بذاتهم وبمن حولهم منذ سن مبكرة حتى آخر يوم في حياتهم.
تمتد أحداث الرواية لتطال شرائح مجتمعية متعددة، وتطرق قضايا الفساد كلها دون مواربة؛ فـ"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"، وكل فرد في المجتمع يتحمّل مسؤوليّة الحفاظ على الذات وعلى الآخر، أما السكوت عن العيوب والنواقص والتهرّب من مواجهة الواقع فسوف تكون نتائجه كارثية ويعود أثره السلبيّ على الجميع دون استثناء.
افتتاحية الرواية ودورها
يجهد الروائي ذاته في البحث عن جملة يفتتح بها الرواية، ويدقّق النظر ويُعمل الفكر فيما يتلوها من نص قادر على تثوير القارئ واستفزازه وحثّه على متابعة القراءة، ويبذل كل ما أوتي من طاقة وتجربة في البحث عن الطريقة الأفضل التي يواجه بها المتلقّي لتقريب وجهة نظره منه. يوظّف في سبيل ذلك تقنيّات فنيّة لتيسير اللقاء به وإقناعه بوجهة نظره، فيوكل عمليّة السرد إلى راوٍ تخييليّ كي يقوم بهذا الدور، وقد يقوم بتوظيف أكثر من ضمير وأكثر من وجهة نظر كي تتحقّق حيلة الإيهام بالواقع التي يلجأ إليها الروائيون.
يعي الروائيّ المتمرّس أهمية اختيار افتتاحية روايته، وللحقيقة فقد أصبح هناك وعي ظاهر لدى الروائيين لأهمية هذه الفقرة التي قد تستغرق وقتا طويلا في البحث عنها والتفكير بها وإقرارها. يقيني أنّ الروائيّ سمير القضاة قد أدرك ذلك فاختار أن يبدأ السرد بجملة لافتة تثير فضول المتلقي يفتتح بها الرواية: "لماذا لا أكون شجاعا لأول مرة في حياتي، وألقي بنفسي في أعماقك أيها البوسفور؟"، (الرواية، ص5) يتبعها مباشر بفقرة مثيرة ومحفّزة تكمل ما جاء في الجملة الافتتاحية ليصدم بها المتلقي: "خصوصا وأنني لا أتقن السباحة، إنها أفضل طريقة لتنتهي هذه الضجة الكبرى التي خلّفتها ورائي في الأردن، ألا يكفيني ما عشته من حياة صاخبة؟ هل ظل شيء آخر أريده من هذه الحياة؟ وهل في جعبتها دهشة جديدة لتقنعني بالبقاء أكثر". (الرواية، ص5)
تثير هذه الافتتاحية لدى المتلقّي مجموعة من التساؤلات عما كان من قبل، وعن السبب أو الأسباب التي أوصلت هذا الشخص إلى التفكير بوضع حد لحياته، وعن سبب وجوده هنا في إسطنبول بعيدا عن بلده وأهله في الأردن، وعن سر الضجة الكبرى التي أثارها حوله هناك في الأردن، وعن الحياة الصاخبة التي أوصلته إلى ما هو عليه اليوم، وتكشف عن رجل مأزوم مكسور يتّهم نفسه بالجبن، معتبرا أنّ إلقاء ذاته في البوسفور ووضع حدّ لحياته هو نوع من الشجاعة، تجلب له ولأهله الراحة. ما يدلّ على أنّ الفكرة قد كانت تراوده، ولا تزال تلاحقه، وأنها الحلّ الأمثل الذي يخلّصه من العذاب النفسي الذي يتواجه معه.
اختار الروائي سمير القضاة أن يبدأ عملية السرد في الصفحة الأولى من الرواية من زاوية رؤية داخلية موظّفا ضمير المتكلِّم. تتيح هذه التقنيّة للراوي أن يسيطر على الداخل والخارج في آن معا، وأن يتنقّل بينهما بسلاسة، كما أنها تيسّر عملية الانتقال من ضمير المتكلّم إلى ضمير المخاطَب أو ضمير الغائب، فقد قام الراوي عبر الحوار الداخلي والمناجاة بإجراء حوار مع ذاته ومع والديه اللذين استحضرهما في خياله حتى بدا وكأنّهما يمثُلان أمامه يخاطبهما عاتبا وغاضبا: "... غدا سيصل والداي إلى هنا قادمين من عمان، ماذا تريدان مني بالضبط؟! ألا تعلمان بأنّ ما تحسّان به لا يعنيني في شيء؟ لست نادما، بل إنني لا أتذكّر أنني ندمت على شيء". (الرواية، ص6، وهي الصفحة الثانية من الرواية).
يرى المتلقّي، بعد الاطلاع على ما جاء في افتتاحية الرواية، أنّ الراوي، الشخصية المركزية، يواجه أزمة نفسية مرهقة جعلته يفكّر بالانتحار، ما يثير التساؤلات عن السرّ الكامن خلف هذا التفكير الخطير، ما يعني أن باب التواصل بين القارئ/ المتلقي وبين الراوي قد انفتح على مصراعيه، خاصة وأن الراوي يسرد ما يمرّ به بواسطة ضمير المتكلم بصفته مشاركا في الأحداث يروي سيرة حياته الذاتية، فيتلاشى الحاجز بينهما ويتابع المتلقي "الإصغاء" إلى شكوى هذا الشخص لمعرفة همومه ودوافع أزمته.
تبدأ الأحداث من الزمن الحاضر، ما يعني أن هناك أمورا مهمّة وصعبة قد حدثت في الماضي جعلت المتكلّم يفكّر بوضع حدّ لحياته. يصدم الروائيُّ القارئَ بهذه الحقيقة المقلقة دون مقدمات أو تفاصيل، فمن شأن الرواية التقليدية أن تقدم تمهيدا مطوّلا لتعريف القارئ بالشخصية المركزية أو وصفا للبيئة التي تنطلق منها، لكنّ الروائيّ، سمير القضاة، آثر الانزياح عن أسلوب الرواية التقليدية وفضّل التكثيف وفتح الفجوات لتحفيز القارئ على متابعة القراءة وكشف ما خفي عنه.
يتبع حلقة ثانية وأخيرة







.png)


.jpeg)


.png)

