بدون عنوان

A+
A-
منحوتة من خشب؛ بلوط وميبل، 127 / 105 سم؛ ريم قندلفت،أيلول  2024

منحوتة من خشب؛ بلوط وميبل، 127 / 105 سم؛ ريم قندلفت،أيلول 2024

عليكَ أن تَخرج عما ألفتَه لكي تُقارب هذا العملَ الفنيّ. فهذا الذي ألفتَه صار سيدك. سيدك في صحراء اللا-معنى المُتكون من حُمى تَنقُلك السريع (والمُبهر) من تجربة بَصرية الى أخرى، حَاملا جِهازك النقال واقفًا أو جالسًا، متكئا أو مستلقيًا، أمام شاشته. سيكون عليك، وأنتَ الآن صريع التُخمة التي وصفها جورج زيمل1، للخروج من هذه الحُمى، أن تستسلم ليد هذه المنحوتة الخشبية، تأخُذك الى تداعيات المعنى.  فأنتما، أي أنت البشريُ وهو هذا الخشب، تعودان لأصل واحد؛ لأبيكما الذي في الأرض، لهذا التراب. والترابي الذي فيكما هو صِلتكما بأبيكما الذي في السماء. ألم يُقل : "من التُراب وإلى التُراب تعود"، أوليس في هذا التراب نَفَخ الرب، أباكما، من روحه روحا فأعطاكما حياة.

إن فكرة الخلاص والخشب مرتبطتان ارتباطا وثيقا لا تنفك عراه. وتعود الى ما قبل اليهودية، ففي ملحمة جلجامش على سبيل المثال وبالتحديد في اللوح الحادي عشر يُحكى لنا عن سفينة بُنيت من خشب استعدادا للطوفان الآتي وهي تَسبِق سفينة نوح في القادم بعدها من الأيام. ومع أن فكرة الخلاص والبَعث مرتبطتان إلا أنهما تُحيلان الى معانٍ مختلفة وإن كانت مُتقاربة على مستوى الأسطورة، فنستطيع أن نُثبت هنا أن تابوتَ الإله أوزوريس (المرتبط بالبعث) قد صُنع من خشب الأرْز. ولأشجار الأرز والسرو دائمي الخضرة، حضور وازن في أسطورة البَعث الكنعانية2؛ إن عَنات على سبيل المثال تبني بيت بَعل المُنبعث إلى الحياة من أخشاب الأرز والسرو:

 "ليُبنَ بيتٌ من أرز لِبعل،
ليُرفع سقفٌ من سروٍ للإله العظيم."

وفي صِراع الشَكل والمَعنى (أو لنقُل المضمون) لا يستطيع الشكلُ التغلبَ على المعنى ولا يستطيع المعنى الهروبَ من الشكل، فهو مُقيّد بمادته، لأنها هنا هي الخشب. ولا يستطيع الخشبُ الخروجَ عن تداعيات ما يطلقه فينا من صَدى. لا تَجريد خارج المعنى! أو لنقل لا تَجريد مُمكن للتجربة البَصرية بوجوده. ما كان ممكنا لدى كاندينسكي أو بولوك3 من ممارسة التجريد المُطلِق حركةَ اللونِ والشكلِ والخط، نوتةً موسيقيةً أو حركةً ’عشوائية‘، غير ممكن بحضور الخشب. إن الخشب قيده. والخشب هنا ليس كل الخشب ولا أي خشب، بل خشبة هي، هي، الخشبة التي لا خشبة بعدها أو قبلها. إنها هنا الخشبة التي عُلق عليها المُخلص.    

وقد ينجح الفنان التجريديُّ في الإفلاتِ من المعنى الذي يحاول وعيه فَرضه على لا-وعيه المتحرك لونًا أو شكلًا أو خطًا على مستوى سطح اللوحة، غير أنه، أي الفنان، لا يستطيع فرض هذا اللا-معنى على المُتلقي الذي يحق له أن يرى في بقعة لون رشَقَها الفنان على سطح لوحته، غيمةً أو سروالًا أو قبعةً كان يعتمرها مايكوفسكي4. هذا إذا ما كان وَسيطه المادي لإنتاج اللوحة هو القِماش واللون، أما إذا ما كان وَسيطه هو الخشب، كما تفعل الفنانة ريم، فإنه لن يجد فكاكًا للخشب عن تداعيات المعنى الكامن فيه.

لكن ريم لا تحاول هنا تَفكيك المعنى من قيود الشكل، أو لنقل ابعاده عنه، انها تحاول تفكيك شكل الصليب نفسه، أي خشبته الأفقية عن تلك العمودية.  وخلال إنتاجها هذا العمل قصًا، وربطًا ونحتًا، وحرقًا لمسطحه الخارجي تحاول أن تَشترك مع جمهرَة الناس الواقفين على جوانب درب الجُلجُلة المحتارين متسائلين عن درجة متانة هذا الصليب الذي يَنوء تحت وطأته جسد السيّد. إنها لا تريد سَلب الشكل (أي الصليب) من معانيه، بل إضفاء معان أخرى أكثر مُعاصرة والتصاق بنا، هنا والآن، وهي التي أنتجت العمل تحت وطأة المجزرة في غزة، هذه المجزرة القائمة على قدم وساق. وهي إذًا تحاول تفكيك الشكل وخلخلة متانته، لتتمكن الأم من انزال جثمان ابنها عن الصليب ولتجد متكئا لها على قطعة من خشباته.هكذا تحاول ريم تفكيك الشكل الذي يشكل مجالنا الحيوي.

نحن إذا أمام فعل اشتباك وجداني بصري وتعبيري تحاول الفنانة من خلاله إنزال الفلسطيني عن الصليب، مجاله الحيوي، مسراه الوحيد،  من حصار إلى حصار5!

*ريم قندلفت، فنانة ومعمارية فلسطينية مواليد الناصرة.

شواهد واحالات:

1)      حول مفهوم " The blasé" ل جورج زيمل، اُنظر في :"الحاضرة والذهنية" ترجمة جوزيف بوشرعة، 2024

وفي "فلسفة النقود" جورج زيمل ترجمة عصام سليمان "اصدار " ترجمان" 2020.  خصوصا الفقرة بعنوان السلوك اللامبالي ص. 272 الى نهاية الفقرة.  

تُرجم المصطلح (The blasé) هنا وهناك مرة كحالة لامبالاة ومرة كلا تأثر. أما أنا فأفضل ترجمة المصطلح الى "التُخمة"، حيث يعكس مفهوم زيمل عنه. التُخمة لدى زيمل هي حالة من الإنهاك العاطفي والحسي التي تهيمن على الأجهزة العصبية والنفسية للفرد في المجتمع الحديث الذي يتعرض لفيض متواصل ومفرط من المؤثرات، وفي ظل هيمنة النقود تتحوّل كل قيمة إلى قيمة تبادلية. إن فقدان القدرة على التفاعل مع التفاصيل أو الاهتمام بالتمييز بين الأشياء هي السمة البارزة للتخمة. والتخمة بهذا المعنى ليست مجرد "لامبالاة" كمعطى أولي قائم،  بل حالة استنفاد ناتج عن تراكم الفائض.

2)  كاندينسكي وبولوك، من رواد الرسم التجريدي.   

3)  موسوعة تاريخ الأديان، الكتاب الثاني، تحرير فراس السواح، دمشق 2017.

4) مايكوفسكي، الشاعر الروسي الكبير، وهو صاحب قصيدة "غيمة في سروال". 

5)    مديح الظل العالي، محمود درويش.

نيسان 2025

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية