العقل في إجـازة خمس نجـوم

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

غالبية النّاس يقاطعون الكِتاب، قناة وعيهم مسدودة بالنقارش الاجتماعيَّة. تدنّى مستوى القراءة لأدنى درجة محليًّا وعربيًّا، منذ عدّة عقود، تكاد تكون محظورة مجتمعيًّا، المكتبات المنزليَّة (إن وُجِدَت) حوّلتها بعض السَّيِّدات إلى واجهة للزِّينة، المكتبات العامّة منبوذة. أصبح نشاط العقل في حالة خمول، جميع المتمرِّدين على الكتاب، اختاروا جهازًا رقميًّا ذكيًّا، مكانه في الجيب وليس على المكتبة. نفتقر حتّى لإصدار الكتاب الإلكتروني، الذي لم ينتشر لدينا لغاية الآن، بل تسوِّقه مواقع دور النَّشر الإسرائيليَّة، التي صنَّفَت قيمته كقيمة الكتاب. 

أوقات الفراغ الحديثة هي عدوَّة القراءة الأولى، لا نستغلها بجِدية، بل نستخفُّ بها، نملأ أجواءها بمفرقعات من المَسْخَرات السمجة، وأما قسم من الشعب الإسرائيلي، جعل من المطالعة، فرصة لتعزيز علاقته مع الكتاب أينما حلّ، أثناء راحته، أسفاره، حتّى في الأماكن العامّة، أمّا لدينا تحوّل الكتاب إلى لائحة اتهام "خطيرة" ضد النّهوض بالثّقافة. لقد وجد أبناؤنا مَخرَجًا عصريًّا للكتاب، فتعاملوا مع التطبيقات المتعبة للعينين، استرخوا في المنتجع التكنولوجي معشوقهم الأكبر، دون أن يقوموا بأي حراكٍ تطوّعي، يعزز من حضورهم الشخصي، كما أن بعضهم لا يبادر للبحث عن فرصة عمل، بل يفضِّل أن يُكرِّس يومه للنَّوم المطوَّل، عِوَضَ أن يموِّل "مصاريفه الصيفية الطّارئة". 

سيطرت على المجتمع ظاهرة "النِّسيان الصيفي"، فأدّت إلى فقدان بعض المهارات الذِّهنيَّة، مثل القراءة، الكتابة وحب المعرفة، وبوضوح أكثر، حدث تراجع في الأداء الذّهنّي، أصبحت خلايا الدّماغ عديمة الحياة الفكريَّة، وضعها الطلّاب تحديدًا على حفّة الحياد لفترة زمنيّة طويلة، إلى أن يحين الوقت، فينقلونها ببطء إلى مسار الاستعداد الاضطراري للمدرسة. 

يكره هذا الجيل من الشباب أن يتحكّم به أحد، يرفض الوقوف عند حاجز المطالعة، لئلّا يستجوب معلوماته!، يُمضي إجازة فاخرة على مستوى خمس نجوم، بتحضير مُسبَق لخطّة استجمام مليئة بفقرات الانبساط والمرح، مع "عشّاق اللهو"!... يقضي هذا الجيل وقتًا طويلًا بمتابعة أوكار المتعة الهاتفيّة، لأن مضامينها "تفيد مستقبلهم المُشرِق"، لينسوا فقط "عبوديّة جهاز التعليم"!! 

أصبح الليل شريك هؤلاء السّهارى، ليُغطّي على جلسات الباربكيو مع أصدقائهم، يتجرّعون كميّات عالية من الكحول، آخر موضة أخلاقية!... لا شك أن تفكير الشبّان يستمتع بهذه النقاهة، التي تحتوي على خدمات تُطربهم، باستخدام موقع اليوتيوب "الطّرَبي"، وهُم يُدركون أنّ أهاليهم ليس بمقدورهم استيعاب مفاهيمهم الغريبة!! ممّا سبَّب صدامًا تربويًّا، لم يؤثِّر بأبنائهم بالمرّة. 

استبعد الشبّان كل أصناف الكُتُب!، قاموا باضطهادها بلامبالاتهم، مكتفين بما قرأوه من مراجع علميَّة خلال العام الدراسي الماضي، فشمّعوه بعبارة "يِنذِكِر وما يِنعاد"، بحجّة أن الكُتُب مُملَّة! إذا عُدنا لأيّامنا أي قبل أربعة عقود، كانت المطالعة ملجأنا الثقافي... قراءة الصُّحف بوابة الاطِّلاع على الأخبار المحليَّة والعالميّة، التلفزيون مَدخَل ترفيهنا الوحيد، قبل أن يصبح الإنترنت إشبيننا اليومي، ومع ذلك كنّا راضين، لم يكُن السَّفر صرعة عصرنا، لأنّه كان نادرًا، ليس كاليوم أصبح فخرًا اجتماعيًّا، وصار حديث الجميع، فبدون السَّفر يغدو الصيف قفرًا!   

أيها الشبان، العطلة الصيفية توشك على الانتهاء، وبدأ العد العكسي لافتتاح المدارس، كي يتحرّك دولاب السّنة الدراسية الجديدة بنشاط. بعد أن "هَيّصتو وشفتو وجه ربكو"، ستزول معالِم إجازتكم الفاخرة، التي ارتقيتم بها إلى مستوى خمس نجوم، لكي تبقى سيرة العطلة تقرقِّع في ذاكرتكم، وسيفقع بالون تجاربكم وهمًا، وستخسرون علامة الخمس نجوم المبتذلة. 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية