ونئنّ تحت وطأة الأشواق، ولا نصدّق أنّك غير موجود جسديًّا بيننا، حضورك الطاغي ترك فراغًا لا ندري كيف ومَن سيسدّهُ؛ حنانُكَ، محبَّتُكَ الجمّة، نكاتُكَ، أشعارُك التي كنتَ تتغنّى فيها، ثقافَتُك، مواقفُك التي أورثتنا إيّاها، يا مَن علّمَنا الأمميّة وحبّ الناس كلّ الناس، يا مَن علّمنا الأخوّة، وجعَلَ ناصرتنا لا تفرّق بين مواطنيها حسب دياناتهم، أنت مَن علّمنا الانتماء لبلدنا، وحبّ التطوّع والعطاء.
أنتَ مَن علّمنا أنّ المحبوبةَ السمرا تُجلى في الفناجين، وكما ذاع ذكرها في الصين، فقد ذاع ذكْرُكَ في بلداتنا لأنّكَ رجلُ المواقف والعمل، وفَوْحُ طيبِكَ ملأ حياتَنا، تَعَطّرْنا بفَرَحِكَ، بكثير حبّك، بقَلَقِكَ علينا، بسؤالك عنّا وكأنّا ما زلنا صغارًا، دائمًا كنتَ وراء الكواليس، تلقّننا دروسَ الحياة، تذكّرنا بأنّك على الخير تجْمعُنا، تساندنا، تعلّمُنا التحدّي، والتجدّدَ، تهيّئ نفسَك لسفرةٍ جديدة، لأنّك أحببتَ السفر والانكشاف على العالم، فكيف سافرتَ إلى حيث لا رجعة، وتركتَنا تبكيك قلوبُنا قبل عيونِنا؟
نئنّ تحت وطأة الأشواق والأيّام التي فرّقَتنا قليلة هي، فكيف سيكون الحِمْلُ بعدَ طولِ الفراق؟
أيموت الأب؟ سؤال كَوْنيٌّ برأيي، فالأب الذي ربّى وأنشأ وأحبّ وأعطى ودعم وساندَ، مهما غاب لا يموت، يبقى منه في البال ذكريات، وفي القلب الكثير الكثير من النبض الذي يقول: أحببناك وسنبقى نحبّك حتّى لو عدتَ إلى التراب، وإلى باريك، لا اعتراض لدينا على رحيلك، فالموت حقٌّ، وكلّ من عليها فانٍ، لكنّ الأب لا يموت، لأنّ الأبوّة هي سيرورة حياة كاملة، هي تشكيل لحيواتٍ جديدة، هي ماضينا ومستقبلنا، كيف يمكننا أن ننساك ولو لحظة، وقد كنتَ معَنا في كلّ لحظة من لحظات حياتِنا، كنتَ أبًا مثاليًا، واقعيًّا، قدماك على الأرض، ورأسك تناطح سحب الظلام والظلم؛ كنتَ قبل الخامسة صباحًا تحمل عدّتك وهموم حياتكَ تخبّئها هناك حيث لا يراها أحد، تبتسم وتنطلق لتؤمّن لنا خبزَنا كفاف يومِنا، وتعود، بعد يومك الشاقّ المرهِق، فلا نسمع منك كلمة تذمّر، ولا شكوى، ولا "آخ"، تحتضننا بفرح الأب الذي انتصرَ على يومِه وأمّن لصغارِه لقمة اليوم، تحتضننا بفرح الأب الذي ينتظر إشراقةً جديدة ليعمل بإخلاصٍ وتفانٍ ورثناهما عنك في حبّ العمل، وتلومنا؟ وتقول لنا خفّفوا من ساعات عملكم؟ أنتَ يا مَن أورثتَنا حبّ الحياة، وحبّ العائلة، واحترام الأهل، والانتماء، "أنت يا من رَقَّصَ الكاس على اسكملتنا وصلّى مع حلوة الخيّات"، وبقيْتَ معها زوجًا وفيًّا حوالي الستين عامًا، أنت يا مَن ملأ موائدَنا أعيادًا، كانت لمّتك لنا هي عيدُكَ، كانت دموعُكَ التي تمسحها بطرف ابتسامتِكَ في كلّ لقاءِ فرَحٍ لنا، هي دموعُ إنسانيّتِكَ التي لا يستطيعُ أحدٌ أن يجاريكَ فيها، هي دموعُ الحياةِ التي كنتَ تعشقُها ولا تريد أن تتركَها، كنّا حياتَكَ، وها نحن بقينا، إذًا أنتَ باقٍ، فالأب لا يموت، معَ كلّ عرق أخضر علّمتنا أن نقطفه من السهول والجبال كلّ يوم سبت من "صفوريّة"، سنذْكرُكَ؛ معَ كلّ قطرةٍ من بحيرة طبريّا تلامسُنا سنذكر كيف علّمتَنا السباحة ضدّ التيار، مع كلّ لمّة مع الأصدقاء سنذكر كيف كنتَ تقدّر الصداقة حتّى أنّك زدتَ لنا من الأعمام عائلةً؛ عمّي جوزيف الديب، وعمّي نعيم السيلاوي، وعمّي نعيم عبّود، وعمّي باسم جبران، وعمّي عزيز نمر، وعمّي توفيق كناعنة، وعمّي نمر مرقس، ولي في كلّ بلدة عمّ يحتفي بي لأنّي ابنة أخيه "أبو منهل".
مع فاتح كلّ أيّار سنراك في ساحة "الصداقة" و"عين العذراء" تضع الشارةَ الحمراء حول عنقكَ وتوزّع الوردَ على الطبقةِ التي أنتَ منها، توزّع الأملَ على العاملين في يوم عيدهم، وتحتفي معهم بانتصارهم على الطبقيّة.
يا مَن جعلَ الاشتراكيّةَ دربَ عطاء وتقاسُم، واعتمدَ بالمحبّة قبل الماء، وطهّرَ قلبَهُ من أحقاد الدنيا.
يا مَن استيقظَ كلّ يومٍ ليحقّق أحلامَه فينا، وعلّمَنا ماذا تريد منّا الحياة.
يا مَن فتح أذنه للثقافة والعلم، فوزّع "الاتّحاد" وقرأها، وربّانا على "الاتّحاد" و"الجديد" و"الغد"، كيف سنصدّق أنّك غادرتَنا؟
يا رجلًا يستحقّ لقب الرجولة نَمْ وَقِرَّ عيْنًا.
يا أبًا يستحقّ لقب الأبوّة ربّيت وأنشأتَ وسكنْتَ قلوبَنا وقلوبَ أحفادِكَ وأحفادِنا، بنيْتَ لكَ في قلوبنا وفي حياتنا مكانًا ومكانةً..
في ناس بتسكن معْنا
وفي ناس بتسكن فينا
وفي فراقُن بلا معنى
وفي وجودُن بيِغْنينا
نشتاقك، نتألّم، ونعلَم "أنّ الألمَ سيصبح ذاتَ يومٍ علاجَنا"، لأنّه ألم الفراق الجسديّ فحسب، فأنت بروحِكَ ونَفْسِكَ ونفَسِكَ ومحبّتِكَ تحيا فينا ما دمنا أحياء، ومحاولات نسيانِك ما هي إلّا تدريبٌ للخيالِ على احترام الواقع، واقعِ بقائكَ معَنا،
فيا "يابا"، وهذه لن تكون آخر مرّة نقولها، سنناديك على الدوامِ
يابا
يا مَن روى "رياضَ" الحبِّ بِسَعْدِهِ ورمى "نبالَ" الشوقِ بنا ببُعْدِهِ
تفتّحَ "روزٌ" على "مَنهلِ" وِرْدِهِ و "راويةُ" تروي لنا عن مجدِهِ
لكَ الرحمة والسلام
(كلمة العائلة في تأبين الشيوعي العريق قسطندي جرجورة







.png)


.jpeg)



.png)

