قراءة في سردية رواية "لتكن مشيئتك"  (1-2)

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

مقدمة:

تتابع الكاتبة دعاء زعبي في مشروعها الروائي وتُصدر روايتها الثانية، "لتكن مشيئتك" (2025) بعد أن كانت قد أصدرت روايتها الأولى، "جوبلين بحري" (2021) التي تمكّنت من استقطاب مجموعة من النقّاد والدارسين، وحظيت باهتمام لافت من القرّاء تجلّى من خلال نشر مجموعة من المقالات تناولتها بالنقد والتحليل، وإقامة عدد لا بأس به من الندوات واللقاءات حول الرواية في العديد من المنتديات الأدبية. ما هو موضوع روايتها الجديدة؟ وهل تُثبت دعاء زعبي من خلالها أنها تمكّنت من تجذير تجربتها الروائية وتأصيلها؟ وهل أفادت من التجربة السردية الحديثة؟

نذكّر أنّ كل رواية تحوي في داخلها قصة، وأن القصة الواحدة يمكن أن تروى بطرق مختلفة، بحيث إننا "لو أعطينا لمجموعة من الكتّاب الروائيّين مادّة لأن تحكى، وحدّدنا لهم سلفًا شخصيّاتها وأحداثها المركزيّة وزمانها وفضاءها لوجدناهم يقدّمون لنا خطابات تختلف باختلاف اتّجاهاتهم ومواقفهم، وإن كانت القصّة التي يعالجون واحدة". (يقطين، ص7) إن الحكاية أو القصة هي المادّة الأساسيّة التي تبنى منها السرديّة، والسرد هو شكل المضمون، والرواية، أصلًا سرد، لكنّه ليس بالضرورة متسلسلًا زمنيًّا. فالروائيّ عندما يكتب رواية إنّما يقوم باقتطاع الوقائع التي ينوي سردها، فالاقتطاع أو الاختيار لا يتعلّقان بالضرورة بالتسلسل الزمنيّ للأحداث، التي قد تقع متقاربة أو متباعدة. إنّ هذه العمليّة تفرضها الضرورة الفنّيّة، فيما يقوم الروائيّ بنظم هذه المادّة الخام كي يجعل منها شكلًا فنّيًّا ناجحًا ومؤثّرًا في القارئ، (تودوروف وأوئليه، ص21-22) "ولهذا السرد أشكال كثيرة: تقليديّة كالحكاية عن الماضي، وهي الشكل السرديّ لرائعة ألف ليلة وليلة، وجديدة كاصطناع ضمير المخاطب أو ضمير المتكلّم، أو استخدام أشكال أخرى كالمناجاة الذاتيّة، والحوار الخلفيّ، والاستقدام والاستئخار". (مرتاض، ص30)

تتجدّد السردية الروائية بوتيرة متسارعة بحيث بات من الصّعب تحديد تعريف شامل متّفق عليه لمفهوم الرواية، حتى قال تودوروف وآخرون إنها في صيرورة لا تثبت على حال. لكن، ومع ذلك، بات واضحا أن هناك أصولا لا يمكن التغاضي عنها عند كتابة الرواية، وبالتالي عند دراستها، تتعلّق بكونها عملا فنّيا سرديّا طويلا يحكي قصة قد تكون واقعيّة أو خياليّة. ومن أهم أهدافها البحث في قضايا المجتمعات والكشف عمّا تواجهه في مسيرتها، فتعرض أحداثا بأسلوب فنّي جذاب وتبني حبكة معقّدة. وهي تقوم على عدة عناصر أهمها الراوي، والشخصيات، والمكان، والزمان. تُنسَج الحبكة ومركّباتها بواسطة اللغة التي يجب أن تتنوّع وتتشعّب بحيث يمكنها أن ترسم الأحداث والشخصيات وتراعي مستويات تفكيرها وانتماءاتها إلى بيئات وفضاءات وأزمنة متنوعة.

الموضوع الرئيسي وتفرعاته

هناك مواضيع متعدّدة تراود فكر المبدع قبل اختيار أحدها ليكون الموضوع الرئيسي في مؤلَّفه القادم. كانت الأعمال الأدبية، ولا تزال، تستلهم العديد من مواضيعها من البيئة، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان واسعة تشمل المعتقدات والتقاليد والأساطير والخرافات وأسلوب الحياة، وما يواجه الإنسانَ من مصاعب وعقبات وما يحقّقه من إنجازات. وكان من الطبيعي أن تتّسع المواضيع مع تطوّر المجتمعات من عصر إلى عصر، وأن يواكب الأدبُ كلّ ما يحدث من مستجدّات تؤثّر على حياة البشر.

توقّف الباحثون عند محطّات مهمّة، تاريخيّة وعلميّة واجتماعيّة وفكريّة، غيّرت الكثير من الأفكار والمفاهيم، كما حدث، على سبيل المثال، في أوروبا في أعقاب الثورة الصناعيّة والثورة الفرنسيّة، وما كان للحرب العالمية الأولى والثانية من تأثيرات على المجتمعات كلّها في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب، وما كان لها من انعكاسات في الآداب العالمية. فقد رافق ذلك ظهور روايات عالمية ودواوين شعر وقصائد صوّرت آلام الشعوب ومآسيها.

وكما نعلم فإن الأمور والأحوال لا تبقى على حالها إذ شهد العالم اكتشافات علمية هائلة، وموجات من الأوبئة التي أثّرت في حياة الناس فانعكست في الأدب، ولعلّ من أشهر تلك الروايات "الحب في زمن الكوليرا" للروائي غابرييل جارسيا ماركيز. تبعا لذلك فإن الأدب كان ولا يزال مرآة للبشريّة، يواكب المستجدّات التي تؤثّر في حياة المجتمعات اليومية.

قامت الكاتبة دعاء زعبي بنشر أوّل مؤلَّفاتها تحت عنوان "خلاخيل" (2017)، وهو عبارة عن مجموعة من السرود التي تتراوح بين الخاطرة والومضة واللوحة والقصة القصيرة، وبعض المحاولات الشعرية. وقد برز في كتابها هذا لغتها الأدبية الشاعرية، وميلها إلى القصّ الفنّيّ، واهتمامها بالمواضيع الاجتماعيّة التي تخصّ الإنسان العربيّ الفلسطينيّ وتشغله في حياته اليوميّة، ومتحت بعض أحداث سرودها مما خلّفته الصراعات السياسية من أوجاع ومآس. ثمّ ولدت روايتها الأولى "جوبلين بحري" (2021) التي تناولت قضيّة الصراع العربيّ اليهوديّ من زاوية أخرى غير تلك المألوفة. لقد اختارت الروائيّة أن يكون هذا الصراع تحديدا في الجامعات الإسرائيلية، وما له من تأثيرات على حياة العربي في هذه البلاد، وما يتلوها من أبعاد.

أما في روايتها الجديدة، "لتكن مشيئتك"، فقد دخلت الروائيّة في صلب العلاقات داخل العائلة الواحدة؛ علاقة الزوج والزوجة والجدّ والجدّة، ودور كلّ منهم في الحفاظ على المبنى العائلي وعلى متانته وصلابته حين تتعرّض العائلة لأزمة، أو لحدث طارئ قد يزعزع أركانها. وبرزت إلى الواجهة قضية حرية المرأة في الانفصال عن زوجها في حال عدم التفاهم، وحقّها في اختيار الزوج ورفيق العمر حين يكون من طائفة أخرى، وما يرافق ذلك من تعارض مع ما هو متّبع في البيت وفي المجتمع العربي.

اقتحمت الروائيّة هذا العالم المركّب من خلال حالة جديدة تتعلّق باضطراب طيف التوحّد، بكل ما يجلبه من مصاعب وإشكاليّات إلى حياة الزوجين، وإلى حياة العائلة بشكل عام. إن اختيار طيف التوحّد ليكون المحور المحرّك للموضوع الرئيسي فيه الكثير من الجرأة، نظرا لجِدّته، وفيه من الريادة ما يجعل التخويض فيه مغامرة ومجازفة تحسب لصالح الروائيّة التي انتبهت إلى هذا الموضوع الحسّاس وإلى صعوبة تعامل الأهل والمجتمع مع هذه الشريحة من الناس، من ناحية، ولكونه موضوعا صعبا لا تزال الأبحاث تسعى إلى اكتشاف بعض مجاهيله، من ناحية أخرى. وبالتالي فإنّ طريقة التعاطي معه ليست بالأمر السهل، مما يستدعي الكثير من الصبر والأناة إلى أبعد الحدود، ويفرض على الروائيّة، في الآن ذاته، الاطّلاع على بعض الأبحاث التي تعالج هذا الموضوع للتزوّد بمادّة علميّة صحيحة وسليمة.

بدت رواية "لتكن مشيئتك" للمتلقّي في الفصل الأول وكأنّها رواية رومانسية، ثمّ، ومع بداية الفصل الثاني منها تسيطر القضايا الاجتماعية الشائكة، وما يجلبه موضوع اضطراب طيف التوحّد من إشكاليات تعرقل مسار التفاهم بين الزوجين، وما يتلو ذلك من تبعات وصراعات سرعان ما يتلقّفها القارئ ليصبح جزءا منها، يتخبّط في مواقفه مؤيّدا أو معارضا لهذا الموقف أو ذاك.

لا يمكن للقارئ المتأنّي إلا أن يرى الجانب النسويّ في الرواية، وإن كانت ليست رواية نسويّة وفق مفهومها التقليدي المألوف. يكشف السرد عن ميل الروائيّة لشخصيّة الزوجة في صراعها مع الزوج، بل وتعمل على تبرير حقّها في الانفصال عنه والارتباط بشخص آخر، صوّرته الراوية/ الزوجة/ منى، عن طريق ضمير المتكلم، أكثرَ قربا إلى وجدانها، وأكثر تواؤما مع طريقة تفكيرها، وأقرب إلى روحها الباحثة عن الرومانسيّة التي فقدتها في البيت، إثر انعزال الزوج وتنحّيه جانبا، حتى بدا جسدا خاملا دون روح.

لا تدور هذه الأحداث في فراغ بل إنها مؤطّرة بأحداث سياسية كان لها انعكاسها المباشر على الإنسان الفلسطيني في شتّى مواقع تواجده. فعلت الروائيّة كلّ ذلك بسلاسة حين أدخلت السياسة من الباب الخلفيّ دون أن تقحمها بكل مركّباتها وتشظّياتها، فأقبل المتلقّي على قراءة الرواية ومواجهة هذه الصراعات بهدوء ورويّة، بعيدا عن الخطابيّة التي قد ترافق قضايا الصراع بين العرب واليهود في هذه البلاد، ليظلّ الموضوع الاجتماعيّ هو سيّد الموقف.

للرواية بشكل عام قضاياها ومواضيعها التي تراود فكر المؤلّف، كما ذكر أعلاه، حتى إذا ما نضجت يقوم بنقلها إلى الورق. إنّ هذه العملية، بحد ذاتها، كما يعلم الجميع، هي العملية الأصعب التي تتطلّب جهدا وفكرا وطاقة وموهبة ومهارة ولغة تدمج كل مركّبات العمل معا. يقوم الروائي برسم مخطّط للرواية محدّدا نقطة الانطلاق ونقطة النهاية وما بينهما من أحداث بعد تفكير عميق، كما يرسم صورة في رأسه للشخصيات الفاعلة.

كيف بنت دعاء زعبي روايتها؟ وماذا يميّز هذا البناء؟ وهل نجحت في اختراق المتلقّين، وكيف؟ هذه بعض الأسئلة التي ستقوم هذه المقالة بالإجابة عنها.

الراوي

لا يمكن الإجابة عن التساؤلات أعلاه دون الحديث عن الراوي ودوره المهم في تحديد بنية السرد الروائيّ. "فهو عنصر رئيسيّ من عناصر الرواية، ولا يمكن للدارس أو الباحث أن يتحاشاه. ولا يمكن للقصّة أن تكون بدون راوٍ أو سامع أو قارئ، فهناك مرسِل للقصّة وهناك مستقبِل لها، بكلمات أخرى هناك ثلاثة مكونات تشكّل البنية السرديّة للخطاب: الراوي، المرويّ، والمرويّ له.  فالراوي هو الشخص الذي يحكي القصّة، سواء كانت حقيقة أم خيالًا، وقد يحمل اسمًا أو يتقنّع بضمير أو يرمز له بحرف، أمّا المرويّ فهو كلّ ما يصدر عن الراوي بشكل منظّم يحمل مجموعة من الأحداث تقترن بأشخاص، وتؤطّر بمكان وزمان. والمرويّ له هو الذي يستقبل ما يرسله الراوي. (عزام) إذًا "هو الذي يأخذ على عاتقه سرد الحوادث ووصف الأماكن وتقديم الشخصيات، ونقل كلامها والتعبير عن أفكارها ومشاعرها وأحاسيسها"،(قاسم، ص158) وهو "الذي يمثّل صوتُه محورَ الرواية، إذ يمكن ألّا نسمع صوت المؤلِّف إطلاقا، ولا صوت الشخصيات.". (بوطيب، ص68) يبدو أن البعض قد حاول التنكّر لدور السارد ووجوده في السرد فجاء رد بعضهم حاسما، لأن الراوي، كما ترى شلوميت ريموت كينان، موجود في كل سرد حتى في الكتابات اليومية، وإن كان ذلك خارج وعي الكاتب. (Kenan, pp 89-99)

قد يسرد الراوي الأحداث من زاوية رؤية خارجيّة، ويكون في هذه الحالة راويا كلّيّ المعرفة يلاحق الأحداث والشخصيات، عبر ضمير الغائب، تاركا الحرّيّة للمتلقي ليفسّر ما يُروى له، وقد أسماها البعض الرؤية الموضوعيّة. وقد تكون الرؤية داخليّة عبر ضمير المتكلم؛ يكون الراوي في هذه الحالة شخصية مشاركة في الأحداث يرويها ويعلّق عليها ويؤوّلها داعيا القارئ إلى الإيمان بها، ولذلك أُطلق عليها الرؤية الذاتية. وهناك الرؤية الثالثة التي تعتمد تعدّد الرؤى حيث يوظّف الروائي أكثر من راو لسرد الأحداث، فضلا عن توظيف تقنيّات فنيّة وحوارات تساهم في ذلك.

لقد سيطر ضمير الغائب سيطرة شبه كلّيّة على الفصل الأول من رواية "لتكن مشيئتك"، فكان الراوي مشرفا كليّا معلّقا يحرّك الأحداث ويرسم الشخصيات ويبنيها من الخارج والداخل، بحيث اطّلع المتلقّي على الأمكنة، وعلى مسار الأحداث، وعلى تحرّكات الشخصيات وملامحها وأفعالها من خلال العرض الذي يقوم به الراوي، الذي نجح في خلق لقاء مباشر بين المتلقّي والخطاب الروائي، دون أن يكشف عن رؤيته هو، ما جعل العرض موضوعيّا، سيما وأن إيديولوجيا الروائية كادت أن تختفي كليا لولا بعض الجمل القصيرة الحواريّة التي تكشف جانبا بسيطا من رؤيتها، بالذات فيما يتعلّق بالميول السياسية، لكنّ ما يشفع لها هو اللغة الشاعرية القادرة على الوصف الدقيق للمشاعر وشكل الأمكنة وملامح الشخصيات بأسلوب يعتمد الترميز والإشارة والمزج بين التاريخ والتخييل.

انتقلت السيطرة شبه الكليّة في السرد إلى الشخصية المركزية، منى، عبر ضمير المتكلّم في الجزء الأكبر المتبقّي من الرواية، وذلك منذ الفصل الثاني حتى نهاية الفصل السادس، فيما خُصّص جزء بسيط منه لشخصية أخرى تسرد مشاعرها وذكرياتها عبر كتابة مذكّراتها بضمير المتكلم، أيضا. يتيح هذا الأسلوب للروائي، بشكل عام، أن ينتقل من ضمير المتكلّم إلى ضمير الغائب مما يساهم في الابتعاد عن السرد الأوتوبيوغرافي، دون أن يفقد القارئ الانطباع بأنّ الراوي شخصيّة مشاركة في الرواية، كما يتجلّى في المثال التالي:

"أنشأنا أنا ومنى مؤسسة صغيرة في البلدة القديمة في القدس [...]. يضع جاد قلمه جانبا، يغلق دفتره وينظر بعيدا حيث كانت تجلس كعادتها." (الرواية، ص204)

كما يُفسح المجال لإقامة حوارات يتسنّى للقارئ، من خلالها، التعرف على الشخصيات؛ فقد أتاحت الحوارات، التي احتلّت نسبة لا بأس بها من صفحات الرواية في القسم الثاني منها، المجال للقارئ للاطلاع على شخصية الزوج، كريم، وبيّنت هروبه من مواجهة الواقع، وكشفت عن جوانب من شخصية منى لم تفضِ بها مونولوجاتها المطوّلة.

يبدو أن الروائية أدركت أهمية دور تجنيد الضمائر وأهمية توظيف أكثر من رؤية، فقد أتاحت زاوية السرد الداخلية، عبر ضمير المتكلم، للراويةِ المشارِكةِ في الأحداث أن تخلق تواصلا مباشرا مع المتلقّي، وبذلت قصارى جهدها لإيجاد المبرّرات، لنفسها أوّلا، وللقارئ ثانيا، التي جعلتها تتّخذ قرارها المصيري بالانفصال عن زوجها والارتباط بآخر. كان لهذا الصراع الداخلي، وما يرافقه من تحوّلات تدريجية، بالغ الأثر في المتلقّي الذي يتواجه مباشرة مع الراوية ومع صراعاتها النفسية. أما الصراع في الفصل الأوّل من الرواية فكان أقلّ دراميّة، بحيث يمكننا أن نقول إنه لم يصل حدّا يفرض على القارئ أن يتصارع مع ذاته لاتخاذ موقف مما يحدث، فقد وصلته الأحداث بطريقة شبه محايدة تسرد قصّة رومانسيّة تدور بين فتى وفتاة عكّر صفو لقائهما الوضع السياسيّ القائم.

اقتصر السرد عبر التقنيّة الأولى على ما جرى في الماضي، فيما اقتصر السرد بواسطة التقنية الثانية على ما يحدث في فترات زمنية لاحقة تصل إلى زمن السرد الحاضر، فكان الفصل الأول فصلا تمهيديّا لما سيحدث لاحقا، ما يؤكد على أن الروائية ترمي إلى تقديم رواية اجتماعية تتناول تاريخ عائلة ما كنموذج لعائلات أخرى، ما يذكرنا برواية "بداية ونهاية" لنجيب محفوظ التي قدّمت رواية اجتماعية أبطالها أبناء عائلة واحدة.

هل تغيير زاوية الرؤية وتوظيف أكثر من سارد يعني أن الروائية تبنّت الرؤية الديالوجية التي دعا إليها ميخائيل باختين؟ وهل ذلك يجعل الرواية أكثر عمقا وأكثر قربا من المتلقي؟

بين الرواية المونولوجية/ الأحادية الصوت والرواية الديالوجية/ الحواريّة

إن دراسة هذا الجانب ليس بالأمر السهل، رغم أنّ الأبحاث قد أولته الكثير من الاهتمام في العقود الأخيرة سواء في الغرب أم في الشرق. يبدو لنا أن بعض الدراسات العربية التطبيقية قد بحثت موضوع الحوارية التي دعا إليها ميخائيل باختين، بحثًا سطحيّا؛ فقد غاب عن بعضهم أنّ المقصود هنا ليس مجرد كثرة الرواة بقدر ما هو التحرّر من سلطة الروائي، بحيث تعبّر الشخصيات عن وجهة نظرها هي، لا وجهة نظر الروائي، ويُسمَع صوتها هي لا صوت الروائي؛ فقد يتعدّد الرواة وتكثر الشخصيات دون العمل على تعدّد الأصوات وتعدّد اللغات، حتى لتبدو الشخصيات نسخة واحدة تحمل صوتا واحدا هو صوت الروائيّ. إن صعوبة دراسة هذا الجانب تكمن في فشل عملية التطبيق وعدم تقصّي مدى انعتاق الراوي أو الرواة والشخصيات من سلطة الروائيّ وإيديولوجيته.

لا تحتوي رواية "لتكن مشيئتك" على كم كبير من الشخصيّات، لكنّ الروائيّة حرصت على أن تكون لكل منها رؤيتها وثقافتها ومعتقداتها، وبالتالي لها لغتها الخاصة، وخلقت بينها حوارات عدة مباشرة وغير مباشرة، بدءا من الأب سعيد والأم روز، كما ينعكس بوضوح في الفصل الأول الذي يروي قصة تعارف الأبوين/ الجدّين. يُعرف الأب، بطريقة مباشرة، على أنه علمانيّ وذو ثقافة أوسع من ثقافة الأم، وأكثر استعدادا لاحتواء من حوله، ما جعله أكثر قربا من ابنته التي تفضّل اللجوء إليه وقت الشدة أكثر مما تلجأ إلى والدتها، بينما الأمّ متديّنة متمسّكة بالله وبالسيدة العذراء القادرة على شفاء المرضى وتقديم العون لكل محتاج، ولا تتردّد عند الشعور بالضيق بالتوجّه إلى الكنيسة لنيل بركة الكاهن. لا يتأخّر الراوي في تعريف القارئ على الشخصيات وعلى اختلاف رؤاهم منذ الصفحات الأولى من الرواية كما يتجلّى في النص التالي:

"تستمر روز في سيرها البطيء، وهي تردّد بصوت لاهث متعب: "يا عدرا..." تصمت قليلا وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها قبل أن تكمل:

"يا أم القدرة...".

ثوان أخرى من الصمت، ثم تتابع وهي تلهث باسم العذراء:

"دخلك شدي هالقدرة".

يدركها سعيد حتى يكاد يتجاوزها. يسير إلى جانبها لاهثا هو الآخر وهو يشبك ذراعه بذراعها:

"بربّك يا روز أخبريني... أكان من الضروري كل هذا العناء في هذا الوقت المبكر من الصباح؟ اسمحي لي أن أقول لك يا روز بأن هذا اسمه شقاء. هذا هو الشقاء بعينه. شقاء بكل معنى الكلمة. أما كان بالإمكان تأجيل هذه الزيارة إلى ما بعد ظهر هذا اليوم؟".

بتأثّر بدا واضحا على محياها تكبح خطواتها اللاهثة المتعبة، تزجره بنظراتها الغاضبة العاتبة وهي تسحب ذراعها من ذراعه: "وهل تعتبر زيارتنا هذه للكنيسة شقاء يا سعيد؟ هل تسمي شكرنا للرب وتقديس اسمه عناء؟". (الرواية، ص16-17)

المقطع أعلاه يصوّر حوارا بين الزوج والزوجة، واختلاف وجهات النظر بينهما، إذ فيما ترى الزوجة في زيارة الكنيسة فرجا وراحة، يرى الزوج في هذه الخطوة عناء وشقاء. وفيما تتكرّر الأدعية، على لسان الزوجة، التي تُظهر مدى تمسكها بالإيمان بالسيدة العذراء وقدرتها يبدو الزوج غير مقتنع بهذه الخطوة. وبالتالي يقع القارئ أيضا على لغتين تحمل كل منهما مواصفات شخصيتين مختلفتين؛ إذ فيما تكثر الزوجة من الدعاء ومن ذكر السيدة العذراء مستنجدة بها،  فإنه لم يرد اسمها أو اسم أي من القديسين على لسان الزوج.

يتعرّف المتلقّي عادة على الشخصيات ومواصفاتها من خلال السرد والحوار على حدّ سواء؛ ففي السرد يقوم الراوي بهذا الدور لربط علاقة بين السرد والمتلقّي الذي يبني لذاته صورة عن الشخصيات، دورها وثقافتها وانتمائها وملامحها الخارجية. أما في الحوار فإن الشخصيّة تقدّم ذاتها، بتوجيه من الروائي، وتنكشف على المتلقّي بطريقة أكثر قربا ومباشرة. يدور حوار بين أهل سعيد وجيرانهم حول مصداقية زيارة مدينة القدس بعد أن قامت إسرائيل بضمّ القسم الشرقيّ منها إلى القسم الغربيّ، يقول والد سعيد:

"أخشى أن تكون هذه هي البداية فقط، وأخشى أن تشهد القدس أياما وزمنا أشدّ رداءة من هذا الزمن. أن تستمرّ إسرائيل في احتلالها للقدس. هذا يعني استمرارها في نشاطها الاستيطاني لتهويد الزمان والمكان في جنبات المدينة وضواحيها أيضا. ما أخشاه يا جماعة هو سياسة الجرف والتشويه هذه. تشويه هوية القدس وطابعها". (الرواية، ص27)

فتجيبه زوجته:

"لا تنسوا أننا في النهاية محميّون من قبل الكنيسة. لن يستطيعوا المسّ بنا ولا بمؤسّساتنا الدينية. ماذا يعتقدون أنفسهم؟ هناك رب وهناك كنيسة مسؤولة عنا وستحمينا. الدنيا مش فوشطة". (الرواية، ص27)

هناك مستويان من التفكير ورؤيتان مختلفتان؛ يبدو الرجل صاحب نظرة واقعية استقصائية، ترى أنّ المستقبل يحمل لهم في طياته أخبارا سيّئة. فيما تؤمن الزوجة أنّ إسرائيل ليست بقادرة على تنفيذ مشروعها لأنّ هناك كنيسة قادرة على حماية الناس وأماكنهم المقدّسة. وفيما يبدو كلام الرجل أكثر عمقا وأوسع رؤية، بالذات من ناحية سياسية، بدت الزوجة صاحبة رؤية مثاليّة، "الدنيا مش فوشطة". لم يتخلّل كلام الزوج أية كلمة محكية، فيما أنهت السيدة كلامها بجملة محكيّة يُكثر الناس من ترديدها للخروج من مأزق فكريّ أو لتبرير موقفهم. تشهد الحوارات أعلاه أن الشخصيات تتحدث بلسانها هي وبصوتها هي، وبلغتها هي، لا بصوت الروائية ولا لغتها.

 إن المتلقّي حين يتواجه مع أكثر من سارد يميل إلى تصديق ما يُسرد، لأنّه يصدر عن أكثر من صوت وأكثر من رأي، وقد تحدّث المنظّرون عن أهمية الحواريّة في الرواية لأن آراء الناس، في الواقع، ليست واحدة، وبالتالي فإن الرواية يجب أن تعكس هذا الواقع.

إن الصراع الحقيقيّ الذي بُنيت حوله الرواية يتصدّر واجهة الأحداث في القسم الثاني من الرواية. صراع يدور معظمه في داخل الشخصية المركزية، الزوجة منى، أكثر مما يدور بين الشخصيّات الأخرى، ولذلك فإن اعتماد ضمير المتكلِّم في هذا القسم ساهم بشكل فاعل في نقل الصراع إلى الداخل أكثر مما هو في الخارج، وإن كان هناك من حوار حقيقيّ فهو يدور بين المتلقّين، كصدى للمونولوجات والمناجيات التي احتلت حيّزا واسعا من السرد، ما ساهم في توسيع رقعة الحوارية في الروايّة. لقد لجأ الزوج إلى الصمت بشكل تدريجي، ولم يسمع له المتلقّي صوتا إلا نادرا، حتى بدا وكأنّه حضر جسدا وتلاشى روحا، فكانت هذه التقنيّة هي الحيلة الأكثر تعبيرا عن موقف يجري بثّه للخارج من خلال الصمت المطبق.

كانت المونولوجات المطوّلة المدعومة بتقنيّات تيار الوعي، الموظّفة في الرواية، عبارة عن صوت عال ومدوّ، وصرخة عميقة وصل صداها إلى المتلقّي، وكان ذلك تعويضا عن انعدام الحوار بين الزوجة والزوج الذي حيّد نفسه بنفسه وأخرج ذاته من دائرة المواجهة المباشرة، حتى بدا هيكلا يُرى ولا يُسمع. يرى المتلقّي في هذه الصرخة حوارا مفتوحا امتدّ ليشمل حيّزا واسعا من صفحات الرواية، وتطاول زمنيا، لأنه زمن نفسي لا زمن حقيقي، ليتسنى للزوجة اتخاذ قرارها بالانفصال عن الزوج والارتباط بشخص آخر يحمل من الأفكار ما يجعله شريكا وجدانيا يعوّضها عمّا خسرته من اهتمام عاطفي ووجداني من الزوج:

"بقائي في البيت وملازمتي الفراش منحاني وقتا أكبر لاستذكار جميع التفاصيل الصغيرة التي رافقت مشواري الأخير للنّبعة [...]. كنت كالفراشة التي تعلّمت لتوّها الطيران، مزهوّة بنفسي أحلّق طلقة حرّة في فضاءات ما كان من أحداث ومشاهد ولحظات. أحطّ مرّة على تلك اللحظة، أمتصّ رحيقها حتى آخر رشفة منها [...]. أما عطره الممزوج برائحة المطر والأرض والصنوبر العابق بالبلل، فقد كنت لا أزال أحمله معي. ظل ملازما لأنفاسي عالقا بها، يأبى أن يفارقها. لم تبرحني تلك الرائحة، بل ازدادت قوة وحضورا كلما استذكرتها". (الرواية، ص156)

كان لهذه التقنيّات الأثر البارز في المتلقّي الذي وقف، في مرحلة معينة، في مواجهة الصراع الأصعب في الرواية، حين كان على الشخصية المركزية أن تختار بين خيارين صعبين مصيريّين: البقاء مع الزوج الذي أحبّته فترة طويلة من عمرها وأخلصت له، وبين شخص جديد ظهر في حياتها يشكل مفاجئ. احتدّ الصراع في داخلها وبدأت تميل بشكل تدريجي نحو شخص ظهر دون سابق إنذار فاتّخذت الأحداث منحًى رومانسيا، في مرحلة معينة من السرد، فيما أنّ الحدث المركزيّ يدور حول أهميّة الشراكة الزوجية في تحمّل المسؤوليات في كل الظروف، رغم الصعوبات والعراقيل التي قد تعترض طريقهما، لكن الروائيّة أبدت حكمة وحنكة فجعلت الأمور تسير باتجاه التحوّل العقلانيّ المتأنّي مدعوما بالعاطفة، وهيّأت الأجواء لانحياز البطلة للخيار الثاني.. (يتبع حلقة ثانية وأخيرة)

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية