حول برنامج "يلّا نخطِّطها": تخطيط ترفيهي مُجحِف غير مُبَرَّر

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

صحيح أن قناة "مكان" الإسرائيليَّة، قد ارتقت قدرتها الإعلاميَّة شكلًا، "لكي تنافس الفضائيّات العربيَّة"، لكن للأسف الشديد بات المضمون العام لبرامجها، أحيانًا برأيي، هزيلًا أكثر، مليئًا بالسخافات، لسد فراغ خطّة البرامج غير المدروسة، تعتمد فقط على إعادة بثَّها، تُكثِر من برامج توك شو سمجة، مقتَبَسة لبنانيًّا، وأغلبها برامج تحضير المأكولات، مع بهار دردشة بلا شهيَّة فكريَّة، أو برنامج لإعداد أكلة ما، يعني مطبخ "ما كان" يصوِّرنا وكأنّنا شَرهين، لا هَمَّ لنا سوى ملأ معِدَتنا. شاهدتُ سابقًا برنامج "يلّا نخطِّطها"، واليوم شاهدت موسمه الثّاني صدفة، المُعتمد على المهارة المعلوماتيَّة للمتسابقين العرب، يقدِّمه منذ عدّة سنوات بشير خوري، بطريقته الاحترافيَّة، بأسلوب يليق بفكرة البرنامج.

إنَّه يستضيف أربعة متسابقين من المجتمع العربي، كل واحد له مجاله العلمي والوظيفيّ... لديه هوايّة معيّنَة، وهذا الأمر يثبت أنهم أهل علمٍ، كما يشير إلى جهوزيَّة تفكيرهم، للحصول على "الجوائز القيِّمة جدًّا"، ولكنَّ... تقديرهم صُدِمَ، عندما اكتشفوا أنّ المبالغ التي حصلوا عليها خلال الحلقة، متدنِّيَة للغاية، وقد تأمَّلوا أن تكون قيمتها عالية، آملين أن تدعم طموحهم، لكي توازي تعبهم، بما أنّ بعضهم ما زال يُكمِل دراسته العليا، والأهم من كل ذلك، أنهم تحت الرعاية الماديَّة الكاملة، لمؤسَّسة "كان"!!

أعلى قيمة حصل عليها المتسابقون في البرنامج، وصلت إلى أقصى حد 3000 شيكل، بينما في برامج المسابقات التي تُعرَض على قناة "كان"، تصل الجوائز إلى مبالغ طائلة، أقلّ مبلغ 15000 شيكل، هكذا جعلت مؤسَّسة "كان" من التمييز علامتها الفارقة، مع أن ميزانيَّتها مدعومة حكوميًّا بمئات ملايين الشواقل، مصدرها الأموال العامة التي يدفعها أيضًا الجمهور العربي في البلاد، الشريك الفعليّ بتمويلها، لكنّها بدأت تتعرَّض مجدَّدًا، لخطر الإغلاق النهائي، فلماذا إذًا هذا الإجحاف التَّرفيهيّ بحقِّنا؟!

العجيب، أنّه في حال أخطأ المتسابق بالإجابة على السؤال الأخير في آخر فقرة، يحصل على نصف المبلغ الذي وصل إليه، إن هذا يُحبِط من عزيمة فوزه، يشعُر بالنَّدَم لقبوله المشاركة في البرنامج، الذي يُبَث من استوديو صغير، بدون جمهور يشجِّع المتسابقين، لأن هذا الأمر يتطلَّب استئجار وسيلة نقل على نفقة القناة لإحضاره، عدا الميزانيَّة التي رَصَدَتها للبرنامج، هذا يُعتَبَر إعلانًا فاضحًا، بأنّ وجودنا غير مرغوب به، ليس فقط في أروقة الكنيست، المُروِّجَة الرَّسميَّة للعنصريَّة، بل أيضًا ترفيهيًّا.

يجلس المتسابقون ومُقدِّم البرنامج أمام شاشة إلكترونيَّة كبيرة، منتصبة أمامهم، تَعرِض مؤثِّرات بصريَّة ورقميَّة، أضِف إلى المؤثِّرات الليزريَّة المُبهرة، وهنا تبيَّن لنا أن هذا الاستثمار "استنزف الإنفاق الإنتاجي"، مع أن المُشاهِد العربي لا يهتم لها، إزاء ما يشاهده يوميًّا على القنوات العربية من استوديوهات فخمة واسعة، مُجهَّزَة بأحدث المواصفات العالميَّة. المتَّفق عليه عالميًّا، أن كل شخص يَحضُر إلى الاستوديو، يحصل على مبلغ رمزي، وهذا يتعلَّق بنوعيّة المادة المقدَّمَة، هذه الأمور تمّ الاستغناء عنها، لأنّنا لا نستحقها بنظر القيِّمين على مؤسَّسة "كان"، وعلينا أن نكتفي بالموجود، حسب نظرة مُعِدّي برنامج "يلّا نفركشها... عفوًا يلّا نخطِّطها"، وبالفعل خطّطوها حسب اعتباراتهم العنصريَّة.

ليس لنا أي مكانة اعتباريَّة حقيقيَّة في قناة "مكان"، لأنها لن تُغيِّر أسلوبها الإعلامي المضَيِّق علينا منذ زمن طويل، كذلك لن تُغيِّر سياستها التمييزيَّة الجائرة تجاهنا، رغم أنها بدأت تبث منذ فترة وجيزة على قمر النايل سات، إلّا أنها نجحت بتسخيف ذوق عرب الدّاخل، بالتحضير المُسبَق لرزمة برامجيَّة قامعة لقيمتنا وقيمنا المحليَّة. هكذا أظهرتنا قناة "مكان" للعالم العربي، أنّنا معزولين عن واقعنا، وبرنامج "يلّا نخطِّطها" المستمر عرضه إلى الآن، يحاول أن يُخطِّط لتفكيرنا الواسع، خطواتنا المعلوماتيَّة كما يحلو له، وهذا التصوُّر لن يحصل.

قد يهمّكم أيضا..
featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:47:52

يجيل ليفي: لماذا دعم اليسار الصهويني جرائم الحرب في غزة ؟

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:41:16

كاتب أمريكي: ترامب يشن حرب هيمنة على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذج

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-04 15:36:48

المسألة الفنزويلية والإمبراطورية الأمريكية