من البورتريه الشخصي إلى الهم الجمعي: الفنانة ياسمين شموط

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

من الضروري، حتما وقبل البدء بتناول بعض أعمال الفنانة الواعدة ياسمين شموط، التطرق الى المبادرة الهامة والاستثنائية التي يقدمها الصديقان اسعد ابو الزلف وحسام حلبي، في غاليري "مساحة"، في دالية الكرمل، اللذان يستمران بتقديم المعارض الفنية التي يقومان بإخراجها، على حساب جهدهما الخاص وبتمويل ذاتي وبتنظيم عروض متميزة تستقبل فنانين من كامل الوطن. إنّ تكريسهما التطوعي لهذا الجهد المبارك، يعبر عما هو وكأنه مفهوم ضمنا متجاوزا له الى ما هو ضروري ومطلوب من المثقف والفنان. وحيث انهما يقومان بهذه المبادرة دون أي دعم من أية هيئة، فإن هذا هو المكان المناسب لدعوة بعض هذه الهيئات لتقديم الدعم المادي واللوجستي من اجل استمرار المشروع وخصوصا من قبل مجلس قرى الكرمل الأغر؛ دالية الكرمل وعسفيا.  

استقبلت غاليري "مساحة" الفنانة ياسمين شموط في هذا الأسبوع وهو الأول من شهر تشرين عام 2025  ولم تكن ياسمين هي الفنانة الأولى. لقد دأب قيما الغاليري على استقبال فنانات عديدات، في لفتة هي ضرورية لإظهار دور المرأة فنانة وشريكة في صنع الحالة الثقافية، هنا والآن.

وإذا ما كان الموضوع المهيمن في النص التحتي للوحات المعروضة هو، وكما أشار له الفنان اسد عزي، غزة وحرب الإبادة الجارية ضد شعبها، فإنك لا تستطيع أن تجد لك مهربا من مشهدية التآكل المهيمنة على ثيمات كل لوحة ولوحة، بل أنك ستقع مشاهدا للوحات، فريسة هذا التآكل المفروض على الطبيعة من خارجها، أي من خارج دورة الحياة ربيعا وخريفا، إنما بقوة النار والحديد. خذ على سبيل المثال اللوحات التي تظهر فيها ثمار الرمان متآكلة جافة فاقدة للحيوية، في معارضة كلية لما يرمز لها الرمان في المخيال الفني والذائقة الجمعية العربية والإسلامية. ففي هذه الذائقة ترمز هذه الثمرة إلى الخصوبة والحياة المتجددة دوما والى جدلية الوحدة في الكثرة، التي قد تجد لها صدى محوريا في التصوف الإسلامي، وهي هنا، أي في الصوفية، رمزُ التوقِ نحو الجمال الإلهي، عابرة هي من اللذة الحسية إلى الجلال الروحي المتحد بالإلهي. وإذا ما كانت هذه الثمرة رمزا للتجدد والانبعاث فإنها دلالة في القرآن إلى الجنة؛ «فيهما فاكهة ونخل ورمان» (الرحمن: 68). وهي أيضا رمز الانسجام الكوني والجمال الأنثوي. لكن الفنانة إذ تشاء أن تعرضها، فإنها تختار أن تعرضها في\ومن خارج هذا السياق، هو هنا سياق الخراب والتآكل كما ذكرت.   

 وإذا ما وضعنا لوحة ياسمين شموط هذه، مقابل لوحة قطاف الرمان للفنان الراحل عنا جسدا لا روحا، فتحي غبن، فإننا سنجد أنفسنا أمام مرثية بصرية للرمان كرمزٍ للحياة الفلسطينية وقد تحولت فيه هذه الثمرة من عنوان الخصوبة والتجدد الى ايقونة فقدانٍ ودم، وهي تراوحُ بين الجمالِ المأساويّ والسكينة المميتة. أن أحاديةَ الطيفِ المُهيمنةِ لتدرجات الرمادي والبنيّ الترابي، الذي يكاد يلتهم بقايا ألوان الثمارِ التي كانت حتى الأمس يانعةٌ، هو اختيارٌ واعٍ يعبّر عن ذبول الحياة وصمتِ ما بعد الكارثة. وهذا الرمانُ المتناثرُ في الحقل المنكوبِ هو الخصوبةُ مهدورة، والحياةُ التي أُزهقت، إنه هنا أقرب الى الجماجم منه الى الثمرة الشهية الرائعة. لا تستطيع الشجرة الملتوية الرمادية في مقدمة المشهد والتي تمثل جسد الأرض الأم وذاكرتها، رغم حُنوها المميت، حمايةَ الثمار. نحن على تخوم الموت والحياة. إن جسد اللوحة الصارم بنيويا يَعبُر بنا الى الجرحِ المفتوحِ والنازف، إلى منفى هو خريف يطأ ربيعنا، جاثما بكلكله عليه، مانعا انفاسه عنه.

لا تنوءُ الطبيعة وحدها من هذا القهرُ الجاثم بكلكله على جسدها فحسب، بل تنوء روح البشر واجسادهم منه، هم ايضا.  ففي لوحةِ الصِبية مع الكرة، تتوقف الحياة. هنا ايضا تسود السكينة المميتة وتَفقدُ ساحةُ اللعبِ وتَفقد الكرة كما الصبية أيضا، الحيويةَ المُفترض وجودها فِعلا إنسانيا طبيعيا أو قل تلقائيا، لا تلقائية هنا! فالتعابير تميد عن الوجوه راحلة، وتفقد القسمات ذاتيتها وتذوب الشخصيات رويدا رويدا كلما ابتعدنا في النظرِ من مقدمة اللوحة إلى عُمقها. فعلى المحورٍ الأفقيّ الممتد في المقدمة يقف عددٌ من الصبية في فضاءٍ مفتوحٍ من فراغ العدم، لا شجر هنا ولا خضرةُ العشبِ المتوقعِ وجودُها تكسو أرضَ الملعب. ومقابل الشخصيات المتلاشية برسوم أجسادها في الخلفية يبرز في المقدمة صبيٌ يحمل الكرةَ بيده، وكأنها الذاكرة الجماعية للطفولة. ما هي إذا دلالات الايادي السابلة وتعابير الوجوهِ الفاقدةِ تعابيرها في ظل ضوء يتوزع متساويا على كامل لوحةٍ كما يتوزعُ الحزنَ الدفينَ ذاَته؟ هو أيضا.  يتسيد الترابيُّ المائلُ إلى البنيّ والرماديّ المشهدَ، في مزيجٍ مع ضربات فرشاةٍ سريعة تُحضر إليه تدرجات الألوان الباردة؛ الأزرق الباهت، الرمادي والوردي الشاحب، عاكسةِِ مزاجًا نفسيًا يصرخ؛ يا لهذا الحزن العظيم!  يا لهذا الجيل الفلسطيني اليافع ذو الوجوه الجادّة، المتيبّسة، فاقدة الابتسامة ويا لهذا الحقّ بطفولة مسلوبة، ويا لهذا الحق بوطن وهو الممتنع.  هذا هو المكان الفاقد للزمن؛ فراغٌ كامل التكوين ومخيمٌ خارج المكان. هذا هو المكان الذي به وفيه تستطيع فلسفة القوة وهيمنة السيطرة أن تفعل فعلها دونما رقيب أو حسيب. ها هنا يحضر الحديد والنار. إن الجسدَ البشريّ كما الطبيعةَ، صار موضوعا للقوة الغاشمة.

أننا أمام صياغة شكل إضافي للتعبيرية الفلسطينية الحديثة، هي هنا داخليةُ وتأمليةُ ولا تصرخ فحسب، بل وتهمس بحزنٍ متقهقر متوارٍ، ايضا. في البورتريه الشخصي لها، تقوم الفنانة بصياغةِ شكلٍ ممكن من المقاومة، مقاومة بالصمت الذي يجمع الهوية والذاكرة والأنوثة، تتقاطع وتتشابك فيه معا لتنتج بناءا تشكيليا متماسكا. الوجه هنا هو جامعُ الألم وخازنُ الصمتِ البليغ بقولِه. إن الوجهَ الذي يحتل مركز المشهد ومساحة  مقدمته الكبرى، مرسوم بدقّة واقعية وانضباط تعبيري لكنه محاط بتفكّكٍ تدريجي في كل ما حوله، هو الثابت الوحيد! وإن الجدارَ الآخذَ بالانهيار في الخلفية وبقايا الشجيرات المتآكلة لا تمنع هذا الوجه من التعبير عن كامل حقه في التعبير. هل نحن أمام صلابة يكسرها الحداد؟ أم نحن أمام حدادٍ تصوغه الصلابة، صلابة داخلية لا تستطيع مُلامستها يد القهر القاهرة. وعلى وقعِ شكلِ الشبكةِ المتكونةِ من الخطوط العمودية للأشجار والأفقية للحجارة-هي شبكة المجزرة-  يتصاعد القولُ الفصل، قولُ التعابير المصوغة بريشة التحدي، التحدي الجريح.  قولٌ يحفظه ويحتفظ به وجه تصونه يدٌ، يدٌ تُمسك بطرف ثوبٍ هو هنا إيماء مزدوج الحمولة، سترٌ واحتفاظٌ بالكرامة وتشبّثٌ بالهوية والجذور.  وهنا لا ينهزم الحزنُ، بل يُكثف وجوده مقاومةً مضاعفةً بالفن. أنها فلسطين في صيغة وجهٍ واحدٍ، وحائطٍ واحدٍ، وذاكرةٍ واحدةٍ لا تنطفئ.

رسمومات الفنانة ياسمين شموطالفنان الفلسطيني فتحي غبنرسومات الفنانة ياسمين شموط

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية