ثقافة الاختلاف مع الغيرالاختلاف سمة متأصلة بين جميع المخلوقات بشكل عام وبين بني البشر بشكل خاص. ومن العجب ان يظن الانسان ان الاختلاف عيب, بينما هو برأيي فطرة فطر الله الانسان عليها من حيث الاختلاف في اللون والجنس واللغة والشكل والدين والمعتقدات والآراء والافكار. وبمجرد خلق ذكر وانثى فهذا يعني الاختلاف في المخلوق, ومن ثم تأتي اختلافات كثيرة في مجالات الحياة والعيش بين جميع سكان الكرة الارضية في كل ما ذكر اعلاه. فالاختلاف يثري الحياة ويجعلها اكثر تنوعا وابداعا. يقول الكاتب "ستيفان كوفي": "ان اعظم مسألة تواجهنا هو اننا عندما نسمع الغير يتكلم، لا ننصت لكي نفهم بل ننصت لكي نجيب فيكون رد السامع مختلفا عن ما قاله المتكلم". والصحيح هو ان على السامع ان ينصت بكل جوارحه للمتكلم وعليه وقبل ان يجيب على ما ورد على لسان المتكلم ان يتأكد انه سمعه فعلا وفهم ما قاله. عليه ان يبدأ معه بالقول: "اذا فهمتك جيدا فأنت قلت كذا وكذا..." فإذا ما وافقه المتكلم على ذلك يبدأ حينها بالإجابة على ما قال والمحاورة معه. اما اذا كان جواب المتكلم "لا! انا ما قلت هذا بل قلت كذا وكذا"، فيمكن بعد ذلك ان يبدأ السامع برد الفعل على ما قاله المتكلم.
تعالوا نتخيل ان الناس، جميع الناس، متشابهون في كل شيء, متشابهون في طبائعهم وعاداتهم وميولهم وتقاليدهم واراءهم وافكارهم وفي كل ما يحبون وما يكرهون, فأي طعم للحياة يكون عندهم, تعالوا نتخيل ان كل زوج وزوجة متشابهون في طبائعهم وفي نظرتهم للأمور, فأي طعم للحياة بينهم تكون. لقد امنت دائما بأن الزواج يمكن ان نشبهه بنظريتين في المثلثات, نظرية التطابق عندما يكمل الجزء الواحد من المثلث الجزء الثاني فينطبقان على بعضهما تماما, ونظرية التكامل عندما نأخذ جزئي المثلث ونضعهما الواحد الى جانب الاخر فينتج عن ذلك شكلا متكاملا فيه يكمل الواحد الاخر. ان هذه النظرية (نظرية التكامل) تليق للعيش بين الزوجين اذا ما اردنا للحياة الزوجية ان تستمر, بحيث لا يمل الواحد الاخر ويجد طعما في كل ما يحمله الاخر من اختلاف, فتتغذى في هذه الحالة حياتهما ويجدان طعما لها. ان التطابق بين الزوجين يجعل من حياتهما شيئا مملا. اما العلاقة المبنية على اساس التكامل فتجعل حياتهما اجمل ولها طعم احلى, وما بعد الخصام الا المحبة وصفاء القلوب.
وكما قلت انفا فالبشر خلقوا مختلفين في امور كثيرة من الحياة, ولكنهم متشابهون من حيث الايمان بالقيم والمبادئ العليا التي يجب تذويتها في النفوس واتباعها مثل قيمة المحبة والاحترام المتبادل وقيمة بر الوالدين وقيمة المساعدة والتعاون عند الواحد للاخر وغير ذلك الكثير من الثقافات، مثل النظافة والابتسامة والاطراء والايثار أي تفضيل غيرك على نفسك ووو... هذه الثقافات تنطبق على الناس في كل زمان ومكان وعلى رأسها ثقافة تقبل الاخر المختلف, واحترام المختلف بين الناس وثقافة الحوار والنقاش في الامور المختلف عليها وتقبل المختلف وان كان يتعارض مع تفكيرك وايمانك. ما احلى التصالح بعد الخصام في حياة الازواج وبين الشعوب والتي من شأنها ان تبعد العنف والتخاصم والعداوة. علينا ان نتذكر ان النزاع وعدم التنازل للغير وعدم الاتفاق هو الذي قد يؤدي للحرب والقتل والدمار على صعيد الافراد والجماعات والدول. لقد تناولت الكتب السماوية والاديان والرسل وتناول كثير من الحكماء والعلماء والفلاسفة موضوع ثقافة الاختلاف وأكدوا ان الاختلاف امر طبيعي بين ابناء البشر، وان الله بنظر المؤمنين فطر (خلق) الناس مختلفين, وكما ورد في الاية الكريمة "ايَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا بينكم إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم". لذا ينبغي علينا ان نتعلم كيف نفض الخلاف فيما بيننا للأفضل, علينا ان نتقبل الاخر المختلف فكما لك الحق في التميز في اللغة والدين والفكر والرغبات والهوية والانتماء يحق للآخر ان يكون كذلك وكما تطلب من الغير المخالف احترام تميّزك عنه في الامور عليه, عليك ان تفعل معه نفس الشيء وتحترم المختلف فيه عنك. عليك ان تتفاعل معه على اساس هذا المبدأ لأن الخلاف في الغالب يثري الحياة ويجعلها اكثر تنوعا وابداعا. علينا ان نتذكر ان تراب الارض ليس على لون واحد بل منه الاحمر والابيض والاسود والبني والرمادي, هكذا جاءت الوان الناس المختلفة.
ان الاختلاف كثقافة ليس جزءا من ثوابت الخلق فحسب بل هو سنة كونية وقانون يعيش في دائرته الجميع, يختلفون في اجناسهم والوانهم ومعتقداتهم ويختلفون في الابعاد الشخصية وفي الانتماءات السياسية وفي اساليب العيش وفي اللغة والدين والعرق. يجب الا ينظر الواحد الى نفسه وكأنه الاصل في كل شيء وما على الاخرين الا ان يكونوا صورة عنه خاصة بين افراد العائلة الواحدة فلدى كل الناس ما يمدح وما يذم ولديهم ما هو صواب وما هو خطأ. يجب ان نحاول فهم وجهة نظر الاخرين وظروفهم ونتخذ من خلق الاعذار والتسامح منهجا نسير عليه. علينا ان نتذكر ان احد اسباب الاختلاف بين الناس قد ينتج عن الحالة الاقتصادية والاجتماعية وهذا بدوره يؤثر على الصفات الاجتماعية والعاطفية والفكرية. لذا يجب عدم تحويل الخلافات الى صراعات بل اتباع اساسيات الحوار الصحيح في ما بينهم.
نحن نعيش اليوم في عالم واسع تسيطر فيه "العولمة" من ناحية وتبرز فيه "التعددية" على اختلافها من ناحية اخرى, ولكننا في النهاية مجتمعون يسكنون في قرية صغيرة اسمها "قرية الكرة الارضية". يسكنون بعيدين وقريبين في نفس الوقت بحيث أنك وانت جالس في بيتك تعرف ما يجري في بقاع الارض والبلدان المختلفة, ويجمعك معهم كثير من انماط الحياة العصرية في مجال التكنولوجيا والاتصال وقوانين السير والمعاملات البنكية والقائمة طويلة... ولكننا في النهاية مجتمعون يجمعنا البعد الانساني والقيم الاخلاقية ولون الدم الواحد والمشاعر النفسية والعاطفية على كل ابعادها. علينا ان نتذكر ان "الانسان" يسكن في كل واحد منا. علينا ان نتذكر اننا في عالم يجمع بين التعددية وما تعنيه من تعزيز الذات والهوية والانتماء واللغة والاعتقاد, تعزيز المختلف بيننا واحترام الاخر دينيا وقوميا وعرفيا وبين العولمة والعالمية التي تتطلب منا تعزيز وتأكيد المشترك بيننا واتخاذ الحوار والتسامح والتعاون واحترام الغير وتذويت القيم المشتركة وتقبل المصالح المشتركة وتعزيز القيم الانسانية التي تجمع بيننا نحن سكان هذه القرية الصغيرة قرية الكرة الارضية.







.png)


.jpeg)



.png)

