هدية سعدت بها من صديق، رواية اهدانيها د.محمد هيبي تحمل العنوان اعلاه. لا ادري لماذا شدني هذا العنوان وتساءلت هل سببه التداعي الحاصل مع كتاب "الف ليلة وليلة" الذي اشتهر عالميا ام كلمة "النهار" الذي لا بد أن يأتي حتى لو طالت الليالي. لقد استفزني هذا العنوان ووددت ان اعرف اي نهار هذا ولماذا هذا الإصرار على انه لا بد ان يأتي حتى ولو طال الليل بالمعنى المجازي. في العنوان ينمّ عن "امل" يسكن فينا وعن حالة "التفاؤل" التي يجب ان لا تغيب عن اذهاننا ونفوسنا اذ بدونها لا يمكن للإنسان ان يحيا.
الرواية تتكلم عن احداث بدأت قبل اكثر من مئة وخمسين وسنة تتعلق بـ "فلسطين" وما جرى من محاولات لجعل اهلها ينسونها. لقد اطلق المتآمرون على سكانها بعد ما حصل ما حصل وترك اهالي 516 قرية بيوتهم لاجئين في الدول العربية القول او الشعار "الكبار يموتون والصغار ينسون". لكن خيبة الأمل التي أصابت حاملي هذا الشعار كانت كبيرة حين رأوا بأم اعينهم العكس، لأن ما يجري في الساحة ظل منعشا للذاكرة التي تتجدد وتتعمق في نفوس الأجيال المتوالية. فكيف يمكن ان ينسى اللاجئ جرحا دائم النزوف يوما بعد يوم مما يجعل هذا الشعب الواقع تحت الأحتلال لا ينسى وظل يعيش مع هذا الجرح الذي يتعمق يوميا. أقول هذا لأن الرواية التي بين ايدينا هي "حكاية شعب" بدأت منذ رزح الشعب العربي عامة والفلسطينيون خاصة تحت حكم الأتراك، حيث حاربوا ضد "تتريك" العرب وظلوا يواجهون التحديات التي مثلت امامهم وبقوا يعيشون هويتهم ولغتهم مستمرون في ذلك بالرغم من الاستعمار الغربي للبلاد العربية متمثلا الإنجليز والفرنسيين ومن بعدهم أمريكا وبشكل غير مباشر، كل هذا جعل الفلسطينيين اكثر عنادا واصرارا في الوقوف امام المؤامرات التي حيكت لهم ولا زالت حتى اليوم وغدا وبعد غد، مرورا بما حدث من أمور ترتبت نتيجة الحرب العالمية الأولى و"وعد بلفور" (1917)، والتصدي لهذا منذ العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي مرورا بالحرب العالمية الثانية (1939-1946) وما تلا ذلك من حَبّكّ المؤامرات خاصة ضد الشعب الفلسطيني وذلك حين صدر قرار التقسيم من قِبَل هيئة الأمم المتحدة والانحياز الذي كان فيه، حيث اعطى الفلسطينيين اقل من 25% من الأرض. وتستمر هذه الأيام المحاولات التي تعدّت تقسيم حصة العرب الفلسطينيين حيث تحاول الحركة الصهيونية اليوم تحقيق "وعد الرّب" ونهب الضفة الغربية بأقامة المستوطنات فيها والسعي نحو حكم "ابرتهايد" وتحقيق الحلم "من الفرات الى النيل".
هذا هو موضوع رواية "النهار بعد ألف ليل" حيث يبنيها الكاتب على اربع اعمدة أهمها "الكيان الصهيوني" و"الكيان الفلسطيني" وقصة الحب التي تمتد على طول الرواية بين مصطفى بطل الرواية وصفاء. أما العمود الرابع فهو ما كان يجري بين مصطفى الحفيد وجده خالد عندما كان يحكي بطل الرواية "خالد" بكاملها على لسان شهرزاد وشهريار ومن خلال فترة الغيبوبة التي حصلت للجد ودامت عشرة، أشهر تخيل من خلالها كل الرواية بتفاصيلها التي تتصل بكل ما كان وصار وحدث على الساحة الفلسطينية وكل الروايات حولها وحول والتاريخ "المزيف" الذي كان صاحبه صاحب الأموال الطائلة – البارون روتشلد وعائلته من بعده. هذا بالأضافة الى اعمدة اخرى تنبني عليها الرواية وتتصل بما كان يحاك من وراء الكواليس من اجل تحقيق "الرؤية" "ووعد الرب" وايفاء "وعد بيلفور"، هذا الوعد الذي رمى الى اقامة دولة "يهودية" في ارض بلا شعب "لشعب بلا ارض". تتطرق الرواية الى هذا الوعد والذي لاقى دعما من العرب وعلى رأسهم الملك عبد العزيز ال سعود والشريف حسين طمعا بنيل "كعكة" تحافظ على مطامعهم الشخصية ويكتفون بها كما تكتفي الكلاب بقطعة خبز تضمن كيانهم النفعي والشخصي. لقد أوصى الملك عبد العزيز آل سعود بإعطاء فلسطين لهذا الشعب المسكين كما سأوردها لاحقا.
وعودة الى الرواية التي بين ايدينا لقد اكتشفت من خلال قراءتها ومن بعد إتمامها انها تمثل وثيقة تاريخية تصف الحقائق التي رافقت قيام دولة إسرائيل. وثيقة تعتمد على الرواية التاريخية الصحيحة لا على التاريخ "المزيف" الذي كتب عن هذا الموضوع وعلى تسييس الحقائق وتقديمها بشكل يخالف الحقيقة الأصلية التي عاشها الناس في الفترة التي سبقت قيام الدولة، وما كتب عنها عند إقامتها، وما زال مستمرا في تزوير الحقائق وقائما من اجل تحقيق اهداف خبيثة تخدم مصلحة ومطامع الصهيونية في جعل الكيان القائم ركيزة للاستعمار الغربي في الشرق العربي. ان من يقرأ الرواية لا بد له من الوقوف عند ذلك واستذكار بعض الأمور التي وردت فيها لتكون شاهدا يعكس الواقع المر الذي يتعايش معه الفلسطينيون اليوم. لقد استوقفتني امور كثيرة سأذكر بعضا منها للقارئ لعلها تحفزه على قراءتها لأنها رواية تستحق القراءة. لقد استوقفتني في الرواية امور كثيرة سأتعرض في ما يلي الى استذكار بعض منها كي تكون شاهدا يعكس الواقع المر الذي كان يحصل في المئة والخمسين سنة التي حدثت قبل قيام الدولة. من هذه الأمور يورد الكاتب حكاية الامير عبد العزيز ال سعود مع المندوب البريطاني الذي طلب منه تصريحا خطيا على منح فلسطين لليهود تجسيدا لوعد بلفور الذي قطعته بريطانيا على نفسها حيث قال: "صاحب الجلالة ينظر بعين العطف الى اقامة وطن للقزوينيين (اليهود) في جوهرة الشرق (فلسطين) ويلتزم ببذل كل الجهود وتذليل كل العقبات لتحقيق وعد بلفور مع الحفاظ على الحقوق المدنية والدينية والسياسية للسكان المحليين." تقول الوثيقة: "انا السلطان عبد العزيز ابن عبد الرحمن ابن فيصل ال سعود اقر واعترف ان لا مانع من اعطاء فلسطين للمساكين اليهود كما تريد بريطانيا العظمى ولن اخرج عن رأيها حتى تصبح الساعة."صفحه(128) وعندما سأله المندوب البريطاني: "ألا تتوقع ان يغضب العرب فيما لو عثروا على هذه الوريقة؟" فقال باستهزاء: "لو انتظرنا العرب ما اصبحنا سلاطين كما ترى." وعندما سأله انه ربما يسبب هذا التوقيع (او الوثيقة) تشريدا لشعب فلسطين بكامله من فلسطين اجاب السلطان: "تريد ان اغضب بريطانيا لأن عددا من أهل فلسطين سيشرد، اهل فلسطين لا يستطيعون حمايتي اذا لم تحمني بريطانيا من الاعداء. ولتحرق فلسطين بعد هذا." كما جاء في الرواية. واضاف عبد العزيز: "لن ننسى فضل امنا وابينا بريطانيا، كما لن ننسى فضل ابناء عمومتنا اليهود في دعمنا وفي مقدمتهم السير بيرسي كوكس (كوكس كان صهيونيا) وندعو الله ان يلحقنا اقصى ما نريده ونعمل من اجله لتمكين هؤلاء اليهود المساكين المشردين في انحاء العالم لتحقيق ما يريدون من مستقر." أما بالنسبة لإعتراف امبراطورية الدب القطبي (روسيا) بالاعتراف بمبدأ التقسيم واعطاء اليهود اكثر من 75% من الارض. فيقول الكاتب: "انها كانت بين الدول الاوائل التي ايّدت الاقتراح وانشاء دولة لليهود في فلسطين". في الكتاب وصف لتعامل الانتداب البريطاني مع اهل البلاد الاصليين (الفلسطينيون) كأعداء في ظل مساعدتهم على قيام دولة اسرائيل. فطاردوا كل من شارك من بين الفلسطينيين في ثورة 1936 وكانت قصة اعدام الثوار الثلاثة في سجن عكا في يوم اطلق عليه الثلاثاء الحمراء اشارة الى فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير.وعن دور الدول العربية في اسناد فلسطين وحمايتها فقد اقامت ما سمي "بجيش الانقاذ" الذي كان مهزلة كبرى واداة لإخراج الفلسطينيين من بيوتهم في حيفا ويافا وعكا ووعدهم بأنهم سيعودون بعد اشهر وبعد ان يطهر هذا الجيش فلسطين من الغرباء. يذكر الكاتب ان جيش الإنقاذ بقيادة "فوزي القاوقجي" من ناحية والقائد البريطاني للجيش الأردني الجنرال "اللنبي" من ناحية أخرى فكانت هذه مسرحية هزلية ترك فيها جيش الإنقاذ فلسطين واباحها لمنظمات: "ايتسيل والهاجانا" وغيرها والتي بدأت وحسب خطة مرسومة بطرد الناس من بيوتهم في جميع القرى العربية التي وصل عددها الى 516 قرية مستعملين اقصى انواع الاساليب لحثهم على الهرب من قراهم، فكانت المجازر التي قتل فيها الكثيرون وهرب بسببها الكثيرون من سكان القرى نذكر منها مجزرة "دير ياسين" و"الطنطورة" وغيرها...
يستحوذ على الرواية خيط رفيع يربط بين مصطفى حفيد الراوي خالد وبين صفاء الطالبة الجامعية وزواجهما في اخر الرواية. كما يشير الى ما كان يحدث في الجامعات من دور أجهزة الأمن "الشاباك" في مراقبة ومتابعة والتحقيق مع المحاضرين الجامعيين الذين كان يشتموا من اجواء محاضراتهم ما يسيء الى مؤسسات الدولة والاضرار بأمنها. يغلب على الرواية في جميع فصولها دور مصطفى الحفيد وجده خالد وحديث الأخير عما جرى له عندما دخل في غيبوبة لمدة 10 اشهر، صحا بعدها وبدأ يستذكر ما حدث له خلال غيبوبته مصورا ذلك في حديث شيق لعب فيه خالد دور شهريار والى جانبه شهرزاد التي دأبت تحدثه كل ليلة عن تسلسل الأحداث التي جرت على الساحة الفلسطينية وعما كان يجري بين الدول التي احتلت سوريا الكبرى وعن دور الدول (بريطانيا وفرنسا)هذه الدول التي احتلت سوريا الكبرى وتقاسمتها حيث كانت سوريا ولبنان من نصيب فرنسا وفلسطين والعراق والأردن ومصر من نصيب الانجليز.
وفي الختام لا بد من الاشارة الى ان هذه الرواية هدفت الى توثيق كل ما يتصل بفلسطين بدءا من أواخر حياة الامبراطورية العجوز (العثمانيون) في اواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين وما رافق ذلك من أحداث تتصل بفلسطين واقامة دولة اسرائيل والدور الذي لعبته الدول الغربية من خلال المؤامرات التي كانت تحاك من وراء الكواليس من أجل دعم قيم إسرائيل. لقد نجح الكاتب في وضع النقاط على الحروف والكشف عن خيوط المؤامرات التي كانت تحاك من اجل تحقيق الحلم الصهيوني. ان كتابة مقال حول هذه الرواية لا يسد عن قراءتها تفصيلا بل يهدف الى اثارة القراء وتحفيزهم لقراءتها تفصيلا فهي رواية تستحق القراءة في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وما رافق ذلك من حبك مؤامرات وتزوير حقائق يخدمون من خلالها مطامع دولة جاءت لتحقيق ما ورد في التوراة اولا من حيث تحقيق الحلم الصهيوني وإقامة دولة من البحر الى النهر وثانيا جعل اسرائيل ركيزة للغرب وسعيهم للسيطرة على الشعوب العربية ونهب خيراتها وعلى رأسها النفط وجعلها تابعة لا تقوى على نيل استقلاليتها.







.png)


.jpeg)



.png)

