تلك المدينة العريقة التي تمتد عميقًا بجذور التاريخ. نقطة التقاء الحضارات بين آسيا وأوروبا، وبعد أن وحّدها محمد الفاتح وأصبحت موحدة بشطريها الشرقي والغربي.. إسطنبول أكثر من كونها مجرد مدينة عابرة في التاريخ.
وحتى بعد أن تزورها ألف مرة، تبقى هناك نواحٍ ومعالم ما زلت تجهلها، وهي تروي حكاية وتاريخ هذه المدينة الخالدة.
من خلال عرض مقاطع من إنسكلوبيديا هذه المدينة تجري أحداث هذه الدراما، وهي تُشكّل الواجهة لمجريات الحدث الدرامي.
نسرين، جرّاحة القلب المبدعة في مجال عملها، تجبرها ظروف الحياة في قرية أساما على الهجرة منذ أكثر من 20 عامًا، من أجل تحصيل العلم والتخصص في جراحة القلب. وتيرة حياتها المتصاعدة، وعملها المتواصل في غرفة العمليات لإنقاذ حياة البشر، يجعلها تعيش غربة قسرية بعيدًا عن أهلها وناسها، وعلى الأخص صديقة الطفولة إيمان، التي أجبرتها ظروف حياتها على التخلي عن وعدها لها بأن تبقى إلى جانبها دومًا، لا تفارقها، وتقاسمها لقمة العيش والحياة المشتركة حتى أبد الدهر.
ولكن نسرين أخلّت بهذا العهد، وتركت إيمان وحدها، وهاجرت لكي تبدأ رحلة الحياة في سراديب وحواضر مدينة إسطنبول، هذه المدينة التي تحوّلت مع الزمن إلى قبلة سياحية، تجتمع في حواضرها عبق التاريخ بديناميكية الحياة الأوروبية المعاصرة.
تدور رحى الأيام، وتتزوج إيمان بابن الجيران في بلدتها أساما، وتنجب منه ابنتها زهرة، وتعيش نسرين حياتها الخاصة مع عشيقها سرداب. ونقطة التحول في الحدث الدرامي أن تحصل زهرة على منحة دراسية في جامعة إسطنبول لكي تدرس الهندسة، وبطبيعة الحال تكون محطتها الأولى التقاء نسرين والعيش معها في شقتها الخاصة الجميلة في أحد أحياء إسطنبول الراقية.
وتتحوّل زهرة إلى البطلة الحقيقية لهذه الدراما، بحيث تستطيع من خلال شخصيتها ودورها المحوري أن تكشف حقيقة الصراع، الذي هو الرسالة التي أراد المخرج أن يُوصلها من خلال هذه الدراما: حالة التخبط والضبابية التي يواجهها الشباب التركي من خلال التمسك بالعادات والتقاليد المتوارثة دينيًّا، وبين الحياة الأوروبية والتحرر من تقاليد الماضي، وتأثير الدين، والتوجه نحو الانفتاح الاجتماعي واختيار نمط الحياة الأوروبية العصرية.
نسرين تجالس صديقها وتحتسي وإياه الخمرة، بينما في الغرفة المجاورة ترتدي زهرة لباس الإحرام وتصلي، وحتى بعد أن تتعرف على زميلها في الدراسة هارون وصديقاته وأصدقائه، نراها تحمل لباس الصلاة في حقيبتها على ظهرها، ودائمًا تبحث عن حجج ومبررات لكي تختفي وتقوم بالصلاة من غير أن يعرف أحد سر غيابها المتكرر.
وفي لحظة تخاصمها مع نسرين، بعد أن تُلحّ عليها بالاتصال بأمها لكي تخبرها أنها تعيش مع نسرين، وزهرة تعرف جيدًا بأن هذا الأمر لا يروق بتاتًا لأمها، لأنها اتخذت موقفًا خصاميًّا من نسرين، ولا تريد لابنتها بأي حال أن تعيش معها (نسرين)، مما اضطرها إلى أن تترك نسرين وتنضم إلى زميلة متزمتة دينيًّا تعيش مع بعض زميلاتها في شقة واحدة للدراسة وممارسة شعائرهن الدينية.
يتعرض والد هارون، صديقها، إلى أزمة قلبية حادة، مما يضطره إلى دخول المشفى لتلقي العلاج، وتشاء الصدفة أن تكون نسرين هي الطبيبة المعالجة، فتتعرف على هارون، صديق زهرة، وتأتي زهرة لزيارة والد هارون وتسانده في محنته هذه، وتشاء الصدفة أن ترتكب نسرين خطأ في تشخيص حالة والد هارون الطبية، مما يعرّضه لأزمة حادة تهدد حياته بالخطر، مما يدفع هارون ووالدته إلى تقديم شكوى بحق نسرين، وهو على ما يبدو خطأ غير مقصود، مما يدفع زهرة إلى أن تطلب من هارون إسقاط الدعوى، وبعد إصراره على الرفض، تعود زهرة إلى نسرين وتساندها في محنتها هذه، وهي تعرف بأن نسرين تخطط للرحيل عن تركيا والسفر إلى باريس من أجل العمل والعيش فيها بشكل دائم.
تكون نقطة التحول في مجريات هذه الدراما بعد أن تقرر نسرين اصطحاب زهرة والعودة إلى القرية التي وُلدت وترعرعت فيها، لكي تلتقي بصديقتها إيمان، والدة زهرة.
وبالفعل، يتم لقاء نسرين بصديقة عمرها إيمان، وهي بصحبة زهرة، وبعد جدال وعتاب مرير وقاسٍ، يتم التعافي والتصالح بين الصديقتين، وتطلب نسرين من إيمان مرافقتها والعيش معًا في بيتها في إسطنبول وبصحبة زهرة، ولكن ترفض إيمان بشكل قاطع هذا الأمر، لأنها لا يمكنها الابتعاد عن قريتها، وهي التي ارتبطت بحياة القرية والعادات والتقاليد التي تعودت عليها.
تعود نسرين بصحبة زهرة لكي تكمل دراستها، ويكون قد حدث تحول في صحة والد هارون، وتم إسقاط الدعوى بحق نسرين، مما أتاح لها المجال لتحقيق حلمها بالسفر إلى باريس للعمل والعيش.
تسافر نسرين، وتبقى زهرة وحيدة، تعيش في حالة صراع داخلي بين حياتها وما تعودت عليه في قريتها، وبين الحياة الجديدة التي تنتظرها مع أجواء إسطنبول وصديقها هارون.
يبقى السؤال؟ وهذا ما هدفت إليه فكرة هذه الدراما بالأساس: الشعب التركي يعيش في حالة من الحيرة بين ما تربى عليه كشعب مسلم متمسك بالعادات والتقاليد، بحيث يُشكّل ذلك نسبة كبيرة من أبناء الشعب التركي.
وليس صدفة أن حزب العدالة والتنمية، الذي يقوده أردوغان، هو الحاكم مدة طويلة في الحياة السياسية التركية، وبين دعوات الأحزاب الأخرى بانخراط تركيا في العالم الجديد، عالم تحكمه الحرية، وعدم السماح للدين بالتحكم في حياة البلاد السياسية، وتحول الدين إلى علاقة شخصية بين الإنسان وربه، وعدم السماح للدين والقوة الدينية بالسيطرة على حياة البلاد السياسية.
سؤال سيبقى طويلًا، أساسيًّا ومحوريًّا في تشكيل الوجه الحضاري والإنساني لتركيا المستقبل.
أسلوب ونهج فني مميز في الطرح وفكرة هذه الدراما ربما يكون مختلفًا عمّا تعودنا عليه من قبل مؤسسة الثقافة والفن التركي بشكل واسع. لقد استطاع مخرج العمل ومجموعة مميزة من الكوادر الفنية، وعلى الأخص كوادر شابة، ربما تكون تجربتها الأولى في عالم الدراما، ولكن، وللحقيقة والموضوعية، حبكة وموضوع هذه الدراما وصلا إلى عشاق الدراما والفن بشكل مهني جيد، مما ساعد على إيصال الرسالة بأحسن وجه إلى جمهور المشاهدين، وذلك من منطلق أساسي كنا قد أكدنا عليه سابقًا: أن الفن الراقي والأصيل هو البوابة الأساسية من أجل طرح هموم وآمال جمهور المشاهدين.


.png)

.jpg)


.png)




.jpeg)