هذه الذكرى الّتي تُبدّدُ الغيابَ بالحضور

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

في البِداية أَتقدَّمُ باسمي واسم مؤسَّسةِ توفيق زيّاد للثقافةِ والفُنون بالشكرِ الجزيل لمديريَّةِ المساواة في بلديَّة حيفا على هذهِ المبادرة، وللرّفيق رجا زَعَاترة على جُهدِهِ بالمتابعةِ وبالاهتمام بإنجاحِ هذهِ الأُمسية، وأتمنّى لكُم كُلَّ النجاح في هذا المشروعِ الهامِّ والمُثري.

نحنُ مُعتادونَ أن نلتقيَ في ذِكرى الوفاة، ذكرى تُذكِّرُنا بالفقد والوجعِ وبالغياب. لكِنَّنا اليومَ نَجتمعُ في إحدى المرّات النّادرة الّتي نُحيي بها ذكرى الميلاد، هذه الذكرى الّتي تُبدّدُ الغيابَ بالحضور، وتستبدلُ الحُزنَ بضحكاتِ الفَرَح، والفقدَ باستقبالِ حياةٍ جديدة.
أراهُ في مُخيلتي طفلًا جاءَ إلى الدنيا قلبُهُ بحجمِ جسدِهِ، يكبُرُ الجسدُ ومعهُ ينمو قلبٌ لا يعرفُ الحدودَ، حتّى صارَ أكبرَ من الجسد، أوسعَ من الكون وأعمقَ من محيطٍ، يَخفقُ بحُبِّ الناسِ والأرضِ والوطن.
نحتفي اليومَ بذكرى ميلادِ القائدِ الوطنيّ، والشاعرِ الثوريّ، والإنسانِ الكبير، الّذي لم يَملِكْ من الدُّنيا سوى كلماتِه، وخبزِ يومه، وريشةٍ تَرسُمُ أحلامَهُ، لكنَّهُ مَلَكَ إيمانَهُ الّذي لا يَتزعزع، وهوًى يَكتسحُ الكونَ لشعبٍ يتوجّع. بهذهِ البساطة، وبهذا العُمق وصفَ نَفْسَهُ.
لم يَفصلْهُ المنصِبُ عن الناس، ولا القصيدةُ عن الشارعِ، ولا الكلمة عن الفعلِ. تميَّز بالمواقفِ لا بالمناصِب، وكانَ نِضالُهُ السياسيُّ امتدادًا طبيعيًّا لحُروفِه.
أمَّا كابنتِه، فقد طاردني السؤالُ: ماذا أقولُ عن أبي؟ ذكرياتي معه ليست كثيرةً بسببِ انشغالِه الدائمِ، حتّى أَسعفَتْني جملةٌ لأليدا جيفارا على قناةِ الميادين، حيث قالت: "ربما الأمر لا يتعلّقُ بالذّكريات، بل بالجينات".
وأنا أُوافقُها الرأيَ، بل أُضيفُ: الأَمرُ يتعلّقُ أيضًا بالاختياراتِ، أنْ تختارَ أنْ تقفَ إلى جانبِ الحقِّ، وإلى جانبِ المظلومِ، وأنْ تجعلَ ذلكَ نهجَ حياةٍ
فوجدتُ أنَّ أبي لم يكنْ بعيدًا كما ظننتُ، وأدركتُ أنَّ الحضورَ لا يُقاسُ بعددِ الجلسات واللقاءاتِ، بل بعمقِ الأثرِ واستمراريَّةِ الرُّوح..
الحديثُ عن توفيق زيّاد لا يَكتملُ دونَ الحديثِ عن المؤسّسةِ الّتي تَحملُ اسمَهُ، وتعملُ على حفظِ هذا الإرثِ وتجديدِهِ، ونقلِهِ للأجيالِ الشابّةِ
تُواصلُ المؤسّسة بإدارتِها الجديدةِ، رسالتَها الثقافيّةَ الوطنيّةَ، حيثُ تعملُ على صَونِ الموروثِ الثقافيِّ الفلسطينيّ وترسيخِ عناصرِه، وعلى تعزيز روح الانتماء لكل مقوّمات الهويّة، وتُولي اهتمامًا خاصًّا للتواصُلِ مع الجيلِ الشابِّ لإحياءِ العلاقةِ بين الإرثِ الثقافيِّ والمَشهدِ المعاصرِ، وهيَ منصّةٌ للإبداع، أبوابُها مفتوحةٌ للباحثينَ والطُلّاب والمُهتمّين.
ومن هُنا أَدعوكُم إلى الالتفافِ حولَ المؤسّسةِ ودعمِها، لا كذِكرى ماضية، بل كحاضرٍ يُساهمُ في صُنعِ المستقبل، وكبيتٍ حاضنٍ لكلِّ من يُؤمنُ بأنَّ الثقافةَ والفنَّ والأدبَ، يُشكّلون ذاكرةً جماعيّةً وهويّةً موحّدةً
سأُنهي كلمتي بمقطع من قصيدةٍ غزليّةٍ، لأُضيءَ قليلًا على جانبٍ آخرَ من الشاعرِ، جانبٍ لا يعرفُه الكثيرون، ربّما بسببِ نَدرَتِه

أمُّ الجَدائلِ

أصَبتني الذِّكرُ الأوائلْ
لِهواكِ يا أُمَّ الجَدائلْ
واشتقتُ حتّى ذابَ قلبٌ
لم تذُوّبْهُ النّوَازِلْ
تنأى... ومِلْءَ فُؤادِها الغالي
حنينٌ غيرُ زائلْ
تنأى... وتَفرشُ لي الوعودَ
فديتُها ظبيًا مُماطلْ
عندي لها شوقٌ يَشُبُّ
وعندَها شوقٌ مُماثلْ
لمَ تَخلفينَ وإنّني
لم أَجنِ ذنبًا... لم أُحاوِلْ
لكنْ هَبيني مُذنِبًا
فالصفحُ يُحمَدُ بالشَّمائلْ
إنّي المعذَّبُ في الهوى
أعيَتهُ في الوصلِ الوسائلْ
وأنا القتيلُ صبابةً
أقصى مُناهُ... فُؤادٌ قاتلْ

أشكُركم على إحياءِ هذه الذكرى،
وأشكرُ الحياةَ أنَّها جَعلَتهُ أبي،
وأشكرُ نفسي أنّها اختارَته قدوةً لها،
وأُحبُّها حين أراها تُشبِهُه.


*الكلمة في أمسية بعنوان "توفيق زياد: القائد والشاعر والإنسان، عُقدت الشهر الفائت في مقهى "المكوى" في حيفا، بالتعاون بين مؤسسة توفيق زيّاد للفنون والثقافة ومديرية المساواة في بلدية حيفا، وذلك تزامنًا مع الذكرى الـ 96 لميلاد توفيق زيّاد (7 أيّار 1929 - 5 تمّوز 1994).

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية