في وداعِ الزميلة والرفيقة أمينة أمين شبيطة محاميد (أمُّ بهاء): الأمينة على مواقفها النضالية والإنسانية

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

كان ذلك لقاءَنا الأول في مدرسة الطيرة الثانوية في الصّف الحادي عشر من مواليد العام 1950م، طلاب وطالبات في عزَّ الشباب والتعطش للمعرفة، بينهم أبناء بلدة الطيرة البررة وآخرون أمثالي أتوا من قرانا في المثلث والنقب الذين لم تتوفر المدارس الثانوية في بلداتهم. 

في تلك السنوات كانت الطيرة لهيب نضال وتفاعل مع الأحداث والنضال من أجل الحقوق القومية والحياتية للجماهير العربية بقيادة فرع الحزب الشيوعي وقوى تقدمية مختلفة يجتهدون في النضال من أجل حقوق شعبهم يلتقون أحيانا ويختلفون في أحيان أخرى.

ويأتي مدير المدرسة المخلص في عمله والمخلص لبلده المرحوم الأستاذ درويش الخطيب في شهر أيار ويطلب من صفنا أن يكتب كل طالب مقالا أو كلمة في مجلة مدرسية ستصدرها المدرسة في هذا الشهر.

فجأة ودون سابق إنذار وتحضير تقف الطالبة والزميلة: أمينة.. وتقول بجرأة ندر مثيلها: يا أستاذ درويش لا نريد أن نكتب، لماذا تصدرون المجلة في هذا الشهر بالذات؟ هل تريد أن نحتفل بالاستقلال؟

وبهدوئه المعهود وحكمته يرد الأستاذ درويش قائلا: لا نشترط أن تكتبوا عن الاستقلال.. بل اكتبوا عن بلدكم.. عن مدارسها وشوارعها... اكتبوا القصة والشعر... الخ.

ويسود هدوء.. وبعد خروج المدير يبدأ التساؤل من هي هذه الطالبة التي ترد بجرأة على مدير المدرسة؟

ويوضح الزملاء من أبناء الطيرة أنها شيوعية وعضو في الشبيبة الشيوعية... وكان هذا الحدث من الدروس الأولى لنا نحن الطلاب من القرى الأخرى التي لا يوجد فيها فروع للحزب، حول التربية الشيوعية في قول الحق أو ما يعتقده الانسان بجرأة وبدون تردد.

وتستمر الأيام وننهي معا الصف الثاني عشر عام 1968م، ونفترق أيدي عرب كل في برنامجه وتعليمه الجامعي أو الفوق ثانوي في دور المعلمين أو أي تعليم آخر أو لسوق العمل مباشرة. وبدلا من اللقاء اليومي، نبدأ في التقاط أخبار بعضنا البعض بين فينة وأخرى، فهذا تزوج وتلك أنجبت.. وذلك علم أبناءه وتلك تخرجت ابنتها من الجامعة ... الخ.

وإذا بالأخبار تأتينا بأن أمينة أمين شبيطة تزوجت من شاب نشيط وكهربائي في مهنته وشيوعي من أم الفحم، وقائدا للشبيبة في منطقة المثلث الواسعة ومنطقة المثلث الشمالي فيما بعد هو الرفيق العزيز مريد فريد محاميد، تعرفت عليه ورافقته بعد العام 1973م بعد تأسيسنا لفرع حزبنا في عرعرة عارة، وتتوثق العلاقة مع الرفيقة أمينة كقائدة نسائية في منطقة المثلث الشمالي، ونحتفي كأهل بميلاد بهاء ونادية ابنيهما ونتابع أخبار نجاح بهاء ونادية من خلال والديهما.. في قابل الأيام أصبحوا أبناءنا أيضا.

ومع الأيام تعاني الرفيقة أمينة من المرض الذي أرهقها، ولكنه لم ينل من عزيمتها وفكرها العلمي المتقد أو من مواقفها قيد أنملة، اخلاصا لبيتها ولفكرها السياسي وبقيت تناضل بالكلمة والموقف وتشارك بما تستطيع صحيا بالتظاهرات والاجتماعات وهي تحمل العكاز وعبر وسائل التواصل الاجتماعي حتى رمقها الأخير رغم آلام المرض الذي كان يثقل عليها من خلال الفحوصات والعلاجات الأسبوعية، معتمدة على رفيق دربها وابناءها في رعاية صادقة لها قل المثيل.

في أواخر حزيران من هذا العام تنادينا للقاء طلاب الصف من الخريجين (عام 1968م)، من مدرسة الطيرة الثانوية، وكان من الطبيعي أن ندعو من أوائل من ندعو ونستشير ونخبر الرفيقة أمينة (أم بهاء)، وكما هو متوقع وافقت حالا على الفكرة وبحماس تبدأ بالتواصل عبر موقع" الوتس أب"  للمجموعة وتذكِّر ببعض الأسماء التي ربما غابت عنا في البداية، وتصبِّح وتمسّي على المجموعة من بنات وأبناء صفها الذين لم تر بعضهم منذ سنوات إنهاء الثانوية، وهي تنتظر أن تلتقيهم في اللقاء الذي ننتظره جميعا.

وعندما أهديت الرفيق مريد كتابي بمناسبة مرور خمسين عاما لتأسيس فرعنا في عرعرة عارة بعنوان (وردة حمراء على جبين الخطّاف)، وإذا بها تقرأه وتتحمس له وتضعه على صفحة المجموعة بحماس مع كلمات داعمة كعادتها.

أجلنا اللقاء إلى ما بعد العطلة الصيفية بسبب أحداث غزة والعذاب الذي يلقاه أهلنا هناك في مدارسهم ومستشفياتهم وجامعاتهم التي تهدم يوميا ويزداد الشهداء، وفي المقابل يزداد المرض وآلامه على أمينتنا، ويبدأ الأصدقاء وأبناء الصف بدعواتهم لها بالصحة والعافية والشفاء العاجل، كل بأسلوبه، ولكن الجميع تألم بصدق خاصّة عندما علمنا بوفاتها، وإذا بالجميع يشعرون بالفقدان والألم ويهرعون لبيت العزاء في أم الفحم وفي الطيرة مقدرين دورها النضالي ودورها البناء في مجموعة الصف الواحد الأخوة الذين لم تلدهم أم واحدة.

فللرفيق مريد ولبهاء وأسرته ولنادية وأسرتها ولأخواتها الكريمات ولمجموعة الصف من خريجي العام 1968م من مدرسة الطيرة الثانوية، ولرفيقاتها في حركة النساء الديمقراطيات، ولجميع الأهل في أم الفحم والطيرة تعازينا الحارة، ولها الرحمة والذكر الطيب.

(عرعرة – المثلث)

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية