يخصص كاتبنا د. خالد تركي عشرات الصفحات في مؤلفه، موضوع ندوتنا هذه" صفحات من حيفا، ليؤكد فيها حبّه لوالديه والعطاء اللامتناهي الذي منحاه.
وأنا الذي كنت قريباً من الأحداث أقول إنّ الكلمات التي كتبها فيهما هي نقطة في بحر من حبه الجم لهما، فقد قضى الأيام بطولها والليالي في رعايتهما وضحّى بكل شيئ من أجل إسعادهما ورسم البسمة على شفتيهما. يقول في أمّه: رضاك يا أمّي، طلّي علينا من عليائك واجعلينا ياسمين أفيائك.
وفي والده يقول : " طلبت من والدي أن يشد الهمّة حين كان في القسم الباطني في المستشفى، طلبت منه شد الهمة، شدّ الهمة يا برهوم، شد الهمة يا رفيقي ومعلمي يا برهوم البلشفي، يا أغلى من روحي عليّ، ومن عينيّ عليّ يا والدي. أفديك بروحي وقلبي وكبدي، هيّا لنتقاسم الهم والغم، شدّ الهمة. لكنّه لم يفعل أراد أن يحمل الهم وحده، لكنّ الشدة نالت من همته واختطفته.
ويقول في مكان آخر من الكتاب: لكني أعدك يا والدي أن أنساك حين تجف مياه البحر والنهر والمطر أو تهجر الأمواج شواطئ أليم أو تطفئ الشمس نورها….
أمّا في أخته أميّة التي اختطفتها يد المنون وهي في ""ريعان الشباب فيقول: لا أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء أصدق مشاعر من تلك الجموع الغفيرة التي أتت، محتشدة،حزينة، باكية وناحبة،من كل حدب وصوب، من كل أرجاء الوطن، من الجولان العربي المحتل ومن الجليل الأشم وحيفا وقضائها والمثلث، أتت الجموع لتلقي النظرة الأخيرة، نظرة الوداع على أمية.
وفي خاله فوزي يقول: حين كان يعلم أنني سأزوره، كان يستيقظ من " فجة الحمار" ليحضر لي طعام الفطور، على ذوقه. وفي مكان آخر يقول: كان قارئاً نهماً مثقّفاً ثوريّاً، ينتظر الاتحاد كل صباح وكان عاملاً كادحاً وأعتبر أنً شرف الإنسان هو العمل وقد تبنى فكرة اوستروفسكي في روايته " كيف سقينا الفولاذ".
يقول المؤلف على لسان جبل الشيخ المحتل لرفيقنا عباس زين الدين:أنت باق في ذاكرتنا حياً خالداً خلود الجبل الذي يأبى الهوان والذلة المذلة، ستبقى ذكراك زكية عطرة فواحة كعطر القندول والزعتر البلدي وإكليل الجبل والزعتر الفارسي والمردقوش والياسمين والفل وأشجار الزعرور والسريس.
أما فراق الكاتب سلمان ناطور فكان غيلة لم يعلم كاتبنا صديقه الصدوق خالد عن موعد رحيله، غادر دون وداع معذوراً وغاب ربما ليرتاح استراحة المقاتل ويضيف د خالد لكننا نلتقيه في كل نصر لشعوبنا ونحن على موعد مع الحتمية ألتاريخية لصالح الشعوب في بناء مستقبلها.
في معظم صفحات الكتاب هناك مقالات للكاتب ومقالات عديدة كتبت عن مؤلفاته المختلفة من كتاب وكاتبات، وفي هذه المقالات الكثير من التطرق لأسلوب الكاتب وثقافته الواسعة.
أمّا أنا فقد واكبت مؤلفاته كلها واشتمل الكتاب موضوع ندوتنا على ما كتبته عن مؤلّفاته وسأعطي بعض ما كتبت ومن يودّ الاستزادة عليه أن يقرأ الكتاب،
فعن كتابه"يوميات برهوم البلشفي": في كل صفحة من يوميات برهوم البلشفي نشهد صفحة مشرقة من تاريخ حزبنا الشيوعي، صفحة سطرتها كوادر الشيوعيين، قاعدة الهرم العريضة التي كانت ولا تزال راسخة تضرب جذوراً عميقة في هذه الأرض الأبية، هذه القاعدة التي كان برهوم ورفاقه في أنحاء الوطن، لبنتانها المتراصة، التي كانت تفشل كل محاولة اعتداء أو تطاول على مكتسبات هذا الشعب، يقومون بالمهمات دون أن يفكر رفيق منهم أن ينشر اسمه أو ان يصفق له أو يمتدحه على ما قام به من عمل مشرف ومن نضال لا يتوقف. واليوميات تعج بعشرات المواقف البطولية لرفاقنا، فقد تعددت أساليب السلطة في استفزاز رفاقنا وتعددت أسليب كوادر حزبنا وشبيبتنا في الرد عليها ورد اعتداءاتهم إلى نحورهم.
وعن حيفا في ذاكرة برهوم أقوول : ذاكرة برهوم ليست ذاكرة فردية، إنّها الذاكرة الجماعية للعرب الحيفيين الذين تجذّروا في أرضهم، والحيفيين الذين هجّروا من بلدهم، والذاكرة الجماعية هي الضمان وهي الشاهد وهي التي تزرع فينا الأمل في العودة والبقاء. ورأى د. خالد تركي ببصيرته الوطنية، أنّ عليه ان ينقذ هذه الذاكرة الجماعية وأن يعيدها إلى أذهاننا عن طريق من تبقى منها لأنّ ضياع البقية" بعد عمر طويل" هو مأساة وكارثة ولا يمكن توقع نتائجها، ولكن لا شك في أنّها ستكون مأساوية حقاً.
صحيح أنّ هناك حقائق تاريخيّة نعرفها، ولكن هناك محاولات عديدة لطمسها وتغييرها وتغييبها، وعلينا أن نكون متيقظين لها ونأتي بالبراهين ممن كانوا حريصين على كتابة تاريخ هذه المدينة والذين أتوا بإثباتات تؤكد عروبة حيفا كالمؤسسات العلمية والصحف والحياة الرياضية وأماكن العبادة من مساجد وكنائس. أبدع كاتبنا د، تركي في صياغة الأحداث وجعلها ممتعة رغم مرارتها وشدنا لقراءة مؤلفاته فأسلوبه الجذاب تميّز بأنّه سهل ممتنع يهدف إلى إيصال جزء هام من تاريخنا بشكل ممتع.
إنّ أسلوب د. خالد السردي مميز وتستطيع معرفته حتى لو لم يكن الاسم مكتوباً.
أما في مؤلفه من حيفا هنا دمشق فهو يتطرق لعلاقته بعمّه الشاعر المناضل داود تركي في نشأته وأثرها عليه، وتبرز في الكتاب ثقافة المؤلف الواسعة، إذ أبدع في توظيف آيات من القرآن الكريم والحديث النبوي والأشعار.
أمّا عن مؤلفه السفربرلك فقد كتبت مقالاً بعنوان" من السفربرلك إلى الدولة الواحدة" من فقراته: لم يسلم رفاق الحزب بالأمر وحاولوا منع كارثة التهجير لأنهم هم فقط أدركوا أبعاد التهجير وعلموا أنّ هذا التفريغ للوطن يهدف توطين أعداد كبيرة من المهاجرين اليهود الذين وصلوا إلى البلاد، لمم،كما لقبهم داود تركي ( أبو عايدة)في قصائده. فقام أعضاء من عصبة التحرر وعلى. رأسهم توفيق طوبي وعصام العباسي وبولس فرح وآخرون بكتابة منشور يحثون فيه الأهل الفلسطينيين في كل مكان أن لا يتركًًوا الوطن.
في هذا الكتاب يصل الكاتب إلى التنظيم الذي أقامه عمه داود تركي ليؤكد أنّ ما قام به داود لم يأت من فراغ ويركز في المحكمة على الحل الذي حارب من أجله المناضل داود ت ألا وهو حل الدولة الواحدة للقضية الفلسطينية، الدولة الديموقراطية العلمانية الواحدة.
*كلمة الكاتب في ندوة نظمتها رابطة خريجي الكلية الارثوذكسية العربية يوم الثلاثاء 4 تشرين الثاني حول كتاب د. خالد تركي حول كتابه: صفحات من حيفا







.png)


.jpeg)



.png)

