جدّي قسطندي جرجورة أول أيار، كان لك موعدًا ثابتًا وعهدًا لا يُنسى

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

نفتقدك، ولكن، لا زالت كلماتك وابتسامتك تضيء حياتنا. نحن أحفادك، الذين جمعتهم بمحبتك، نقف اليوم لنعبّر عن حبنا الكبير لك ووفائنا لذكراك.

كنت لنا جدًا وصديقًا رفيقًا، تعطي حبّك بلا حدود، بلا انتظار مقابل. كنت تأخذنا في نزهات بسيطة إلى المنتزهات القريبة، لكنها بالنسبة لنا كانت أجمل اللحظات، مليئة بالضحك والفرح. وعندما يأتي يوم العطلة، كنت تأخذنا معك إلى زقاقات سوق الناصرة، نبدأ صباحنا بمنقوشة على الحطب، نمرّ على النجار ومعظم أصحاب المحلات في السوق، تتحدث وتشرب القهوة، ثم نجلس في آخر النهار على طبق حمص أو رغيف فلافل نتقاسمه معك بمحبة.

كنت يا جدي تحبنا جميعًا بلا استثناء، وتهتم بنا كلٌّ على طريقته وحسب اهتماماته. كنت تعرف ما يفرح كل واحد منّا، تسأل عن دراسته أو لعبته أو هوايته، وتشجعنا أن نكون على طبيعتنا. معك كنا نشعر دائمًا أنك حاضر لنا جميعًا، تُعطي من قلبك لكل واحد كما لو أنك تخاطبه وحده، ومع ذلك لا تُفرّق بينّا أبدًا. محبتك كانت كالمظلة، تظلّلنا جميعًا بالدفء والحنان.

ولم تكن محبتك محصورة في بيتك وعائلتك. محبة الناس لك كانت واضحة في كل خطوة. في السوق، في الشارع، وكذلك في وداعك.

 في كل زاوية من الناصرة كان الناس يبتسمون لك ويحيّونك بمحبة صادقة، لأنك كنت صادقًا وقريبًا من قلوبهم. كنت من أولئك الذين يتركون أثرًا في النفوس بلا ضجيج، فقط بالابتسامة والكلمة الطيبة.

 كنت تحب الناصرة. رغم الوعكة الصحية وصعوبة السير في زقاقاتها مثلما كنت في الماضي، إلا أنكَ كنت تصرّ أن تخرج، حتى لو بالسيارة، لتتأمّل الأزقة، لتلتقي الناس، لتعيش المدينة التي عشت فيها عمرك. الناصرة لم تكن لك مجرد مكان، بل كانت بيتك الكبير، وذكرياتك، وانتماءك.

وأول أيار، كان لك موعدًا ثابتًا وعهدًا لا يُنسى. لم تتخلّف يومًا عن المسيرة، كنت تمشي بثبات بين صفوف الناس، وحتى آخر أيار في حياتك، كنت حاضرًا، راسخًا في مكانك. حفظتَ عهد الأول من أيار، وحفظنا معك معنى الالتزام والوفاء.

أما أنا، ففي طفولتي كنت أنظر إليك وأحلم أن أسير على خطاك في صفوف الشبيبة الشيوعية. كنت في الخامسة عشر من عمري حين حملت هذا الحلم وانضممت لأول مرة، رغم أنك لم تفرض عليّ ذلك، بل تركت ذلك للأيام. لكن يبدو أن التفاحة لا تسقط بعيدًا عن الشجرة. كنت تسألني باستمرار عن أبرز النشاطات القادمة، ونجلس طويلًا نتحدث عن الشبيبة، عن الماضي، وعن ما كنتم تنظّمونه من نشاطات. كان سؤالك الدائم لي بمثابة رسالة محبة، وعهد بالالتزام، وانتماء.

جدنا العزيز، ونقول لك إنك لم ترحل. أنت باقٍ في قلوبنا، في محبة الناس، وفي قيم العطاء والانتماء التي غرستها فينا. نعاهدك أن نبقى أوفياء لذكراك، أن نحمل محبتك ووصيتك، وأن نكمل ما بدأته أنت التواضع وحبّ الناس، حبّ الناصرة، وحب الوطن.

(كلمة الحفيد في تأبين الشيوعي العريق قسطندي جرجورة)

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية