وصلتنا رسالة من حمدان..
في رسالته يطلب منا مرافقته للكفرين، قرية جده، التي عقد العزم على زيارتها.
ماذا يريد هذا الشاب من قرية خرّبها المحتلون، وبنوا مكانها بيوتاً لهم، وحوّلوا أراضيها الى مزارع لمحاصيلهم وحظائر لحيوانتهم!؟
فصّ ملح وذاب!. كانت خالتي عفيفة تقول من بين ملح دموعها، التي تسيل مدراراً على خدودها، كلما تذكَّرت أخيها حسن الغائب عنها في بلاد الشتات.
وكانت لا تملّ ولا تكلُّ من حكاية آخر لقاء لها معه:
كان في آواخر أيام النكبة. قالت وصور في عينيها تعود الى الوراء:
جلس أخي حسن بجانبي هنا على مسطبة البيت. وبكى بكاء مرّأً وأبكاني معه، حتى لم يبق في مآقينا دموع ولا في حناجرنا آهات.
الكفرين.! الكفرين راحت يا أختي! الكفرين ضاعت وضعنا معها يا أختي!
فاطمة زوجتك وين!؟ سألتُه.. دفنتها هناك في مقبرة البلد. وتركتها تحت التراب لوحدها.زعق وهو يلطم ويجوح: طخّوها، قتلها اليهودي، الطلق كان موجها باتجاهي قاصدين قتلي فأصابها، وهي خارجة من الطابون.
ماتت بين يديَّ وهي تقول: البلاد يا حسن! الكفرين يا حسن! وأنا أتوسَّل إليها أن لا تتركني لوحدي. والله هواتين في الراس بوجعو يا أختي. تركتُ دمها بباب الطابون، ودفنتها في ساحة الدار تخرج، والرصاص يزمجر فوق راسي.
كانت الكلمات تخرج من جوفها، كأنها فتات من جمر منفوش، يرافقها نشيج محموم.
توقفت عمتي هنيهة كي تلملم نزيف شتاتها، وتابعت حديثها، وقبل أن يغادر سألته: لوين وجهتك يا أخوي!؟
فأجاب وصفحات وجهه، مثل رغيف الطابون المحروق:
ألم يقولوا بلاد الله وسيعة يا أختي!؟ غادر ولم أره بعد ذلك.
**
الصدفة جمعتنا، أنا وزوجتي، مع شاب كفريني في أوسلو عاصمة النرويج.
جلسنا على مقعد في إحدى حدائقها العامة.
وإذا بزوجتي تُلفت انتباهي إلى شاب، يجلس على مقعد مقابل للمقعد الذي كنا نجلس عليه.
أنه يحدِّق بنا منذ زمن طويل، ولا يرفع عينيه عنا. يبدو ان تحجبّي أثار فضوله. أكملت مستغربة.
قمت من مكاني وتقدَّمت منه، وجلست بجانبه، قاصداَ التحدُّث
معه، ومعرفة سبب تحديقه بنا.
لكنه سبقني وبادرني بالسؤال بلكنة عربية ثقيلة: أنتم عرب؟.
وقبل أن أجيبه أكمل: وأنا عربي فلسطيني. أنا من بلد اسمها الكفرين.
فأصبت بذهول شديد.
الكفرين!؟ صحتُ من بين موجات ذهولي.
انا اسمي حمدان وجدّي حسن أصله من هناك.. أكمل ليخفّف من صدمتي.
الكفرين تلاحقني حتى القطب الشمالي. قلت في نفسي وانا أتخبَّط في دهشتي.
وجلسنا نتحدّث..
حدَّثته عن بلادنا. عن الكرمل والروحة والجليل. ولما بدأت بالحديث عن الكفرين أثار استغرابي ودهشتي معرفته لموقعها وجغرافيتها، عدد بيوتها وسكانها قبل النكبة، وديانها وآبارها، مدرستها، مزروعاتها. كلَّ شيئ عنها.
مِلْتُ الى زوجتي وهمست في أذنها، في غفلة منه: هذا الولد سيقتلني!.
وافترقنا.. تبادلنا العناوين وأرقام الهواتف. ولم يخبرنا حمدان أنه سيقوم بالقدوم الى البلاد، ليزور قرية الكفرين.
كان في رسالته موعد زيارته للكفرين، طالباً منّا مساعدته في ترتيبات الزيارة، وأهمّها نرافقه إليها.
**
كانت سيارتنا تشق ُّ طريقها في شعاب الروحة. كان فيها أربعة ركّاب أنا وزوجتي، وحمدان الفلسطيني النرويجي وزوجته، متوجهين الى قرية الكفرين المهجَّرة..
وعندما أصبحنا على مشارف خربات القرية. صاح بيّ حمدان كأنه وجد شيئاً يبحث عنه:
قف هنا!
أوقفت السيارة مقابل شجرة خروب، تغمر ساقها الغليظ سيقان عالية من العشب اليابس الطويل، وحتى تكاد يغطّي صبرة بجانبها، لا تظهر منها سوى قمة ألواحها.
فتح الباب ونزل من السيارة ونزلنا معه. اقترب من صندوقها الخلفي وفتح غطاءه، وتناول منه الفأس التي طلب منا أن نحضره معنا.
مشى ومشينا خلفه.. مشينا بين نبات كثيف سيقانه تصل الى أكتافنا، بحيث لا يمكنا من رؤية الأرض التي تحت أقدامنا.
لم يكن أحد منا، مرافقيه الثلاثة، له علم لماذا وقفنا هنا، ولا الى أين نحن ذاهبون، ولا لأيِّ غرض طلب منا أن نحضر الفأس معنا. وماذا سيفعل به في هذا المكان الذي نسير فيه.
وصل الى جذع الخروبة ووقف ووقفنا معه.. أزاح بأقدامه العشب القريب منه حتى تكِشَفت تحت رجليه بقعة صغيرة من الأرض.
ماذا يريد!؟ لماذا يحفر!؟ وعن ماذا يبحث!؟. تلفّعنا بالصمت ندفن به حيرتنا وحبّ استطلاعنا.
قبض على الفأس بكلتا يديه وبدا يحفر..
كان يضرب الأرض ضربة، وبعدها ينظر يتفحّص في مكانها، وبعد ذلك ينحني ويمدّ يده ويتحسّسه، ولمَّا لا يجد ما يبحث عنه، يعود ليستمرَّ بالحفر.
كلّ هذا وعيوننا منصبًّة على مكان الحفر.
بعد حفرٍ دام دقائق كان كأنه يحفر في رؤوسنا. صاح محطماً جدار الصمت الذي كان يخنقنا:
وجدتها!.. وجدتها!.
فاتجهت أنظارنا الى يده، التي كان تبعد التراب المحفور عن الحفرة التي كان قد حفرها..
وجدت بارودة جدّي! وجدت بارودة جدي! صاح بفرح طفلٍ وجد دميته المفقودة، التي طال بحثه عنها.
اقتربنا منه، وصوّبنا أنظارنا الى مكان الحفر، فراينا طرف بارودة صدئة، بدأت تظهر لنا شيئا فشيئاً، كلما أزال عنها كمية أخرى من التراب.
وبعد أن أزاح كلّ التراب والحصى من حولها.. أخرجها ورفعها بيديه الى الأعلى.
وعندما تفحَّصتها عيوننا، رأينا الصدأ قد أكلها..
حملها ومشى بها نحو السيارة. ومشينا مشدوهين وراءه.
وعندما جلس في مكانه، لفّها بورق مقوّى كان في شنطته، ووضعها فيها.
بعد ابتعادنا مسافة قصيرة عن المكان الذي وجد فيه البارودة.
طلب مني إيقاف السيارة. نزل منها ووقف على حافة الطريق.
ولما شعر أني وقفت بجانبه، أشار بيده الى قطعة واسعة من الأرض تنبسط أمامنا.
قال من بين آهات ظلّت محبوسة في داخله: هذه الخلّة كان يملكها أبو جدي حمدان!
كيف عرف مكان أرض خلة حمدان، دون أن يزرها في حياته!؟
سألتني زوجتي، وموجات من الدهشة ترتسم على وجهها.
يبدو أن جدّه رسمها عميقاً في ذاكرته.. أجبتها وأنا أغوص في دهشة تفوق دهشتها.
ولكننا عرفنا لماذا سُميَّ حمدان!






.png)


.jpeg)


.png)

